لبنان باب الحرية: مزحة ثقيلة


سناء الجاك
النهار
16102018

ينادي رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في المحافل الدولية بدعم اختيار “لبنان الذي يتمثل فيه المسيحيون والمسلمون بمختلف مذاهبهم، لأن يكون مركز حوار للحضارات والاديان، ولانه الباب الذي تدخل منه الحرية الى الشرق الاوسط.”

لعل الامر يحتاج الى تصويب. فآية الحرية معكوسة هذه الأيام ومُنكّسة ومصابة بنكسة، والباب اللبناني موصد في وجهها، ومنافذ الانفتاح مقفلة حتى إشعار آخر.

القابضون على السلطة بتفويض من الوصاية الإيرانية، تلقّوا تلقيحاً يمنحهم مناعة ضد الحوار وتقبّل الآخر، أياً يكن هذا الآخر، ما دام سيشكف عورات مَن يدّعي العفة السياسية ويتغنى بالسيادة والاستقلال والصمود والنضال ويستثمر في دم مَن صدّقوه واستشهدوا تلبية لطموحه، او اذا كان هذا الآخر ممن يطالبون بحصة في وليمة الحكم السائب، شرط السكوت عن الوصاية، في حين يعتبر أصحاب الحظوة انهم الأحق بها.

فالمركز المأمول لحوار الحضارات والأديان، هو موطن قمع الحريات بحيث لا يجرؤ فندقٌ حتى وإن كان يعاني من كساد بسبب الأزمة الاقتصادية، على قبول انعقاد خلوة سياسية تحمل عنوان “رفع الوصاية الايرانية عن لبنان حفاظا على الدستور والعيش المشترك”.

قمة ترجمة “حوار الحضارات” كانت مع منع القوى الظلامية المجهولة-المعروفة ولمرتين متتاليتين ومن قبل فندقين كانا اعلنا قبول التعاقد مع “سيدة الجبل”، الجهة المنظِّمة للخلوة.

الترجمة لتمثيل الطوائف والمذاهب نلمسها لمس اليد لدى زعماء متخم حضورهم بالامراض الفئوية والعنصرية، لأن المُراد لكل طائفة اعتماد الباطنية في سياساتها مع الطوائف الأخرى، والسعي الى انعزال يحميها من الطوائف الأخرى، بعد تكريس هذا الانعزال بموجب قانون الانتخاب السيئ الذكر.

حتى داخل الطائفة، الأجواء مسمومة. ما حصل قبل يومين في ذكرى 13 تشرين الأول ينسف فكرة الحوار من أساسها. فمَن يعجز عن القبول بشريك من القماشة اللبنانية، ليس مؤهلاً ليستدعي مَن هم خارج هذه القماشة الى طاولته ومنبره.

فقد اتحفتنا الذكرى بخطابٍ لا علاقة له بوقائع ترتبط بمصادرة النظام الأسدي لبنان وقراره الوطني على مدى 25 عاماً عجافاً. اذ لم يأت الخطيب على سيرة الطائرات التابعة للسلاح الجوي السوري التي استباحت المجال الجوي اللبناني لقصف قصر بعبدا الذي حوّله الرئيس عون آنذاك الى معسكر رافض لإتفاق الطائف الذي لم يأت به رئيساً. وذلك بعدما أُعطيَ الضوء الأخضر الدولي لحافظ الأسد لغزو لبنان بنحو عشرة آلاف جندي و200 دبابة. ليتم الاحتلال رسمياً مع اقتحام قصر بعبدا ووزارة الدفاع.

آنذاك كان رئيس الجمهورية الراحل الياس الهراوي ورئيس الحكومة الدكتور سليم الحص ووزير الدفاع النائب البر منصور وقائد الجيش الرئيس السابق اميل لحود.

آنذاك سقط أكثر من 100 شهيد، قضى عدد منهم إعداماً، فضلاً عن نحو 20 جندياً وضابطاً مجهولي المصير حتى اليوم.

هذا في التاريخ الذي يفترض ان لا يغيب عن ذاكرة صاحب الخطاب الذي كان في العشرين من عمره في 13 تشرين الأول عام 1990.

هذا في الوقائع التي لا يكفي لمحوها انسحاب الجيش السوري من لبنان عام 2005 بعد جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري لتعود العلاقات مع النظام الاسدي سمناً على عسل.

لكن التاريخ يغيب وتفاصيله تغيب أيضاً، لتحضر وباستنسابية غرضية تصفية حسابات لا تتعلق بمَن اقتحم قصر بعبدا في 13 تشرين الأول 1990، وبمَن كان في سدة المسؤولية في حينه، وتدينه ولو بعبارة واحدة او تدين مَن بقي على تحالفه معه.

ما سمعناه كان احتكار الميثاقية والإصلاح واتهام الآخرين بالتآمر والفساد والكذب والوسخ السياسي، ووصفهم بالمجرمين الساعين الى قتل العهد القوي وبانعدام الأخلاقيات وفقدان الضمير والانصياع للخارج وتغليب المصلحة الخاصة على المصلحة العامة. ومن ثم الحديث عن شراكة مع المتهمين لإدارة شؤون البلد والنهوض به.

قبل ذلك، سمعنا تفاؤلاً بمصالحة بين “التيار القوي” و”تيار المردة” على اعتبار ان الوزير السابق “سليمان فرنجية إذا كان قادراً على مسامحة من قتل عائلته، سيكون قادراً أن يسامح من يعتبر أنه أخذ الرئاسة من دربه”.

خلف الباب وفي الكواليس نسمع أقاويل عن صراعات داخل البيت الواحد تشير الى ان الديكتاتور ينظّف ساحته من حلفائه ليتفرغ بعد ذلك لمفاوضة أعداءه. وفي النشرات الأمنية نسمع عن استدعاء ناشطين تجرأوا وانتقدوا.

ربما ليست الحرية الكلاسيكية للتعبير والحوار هي ما يُراد للمجتمع الدولي ان يوافق باسمها على اعتماد لبنان مركز حوار للحضارات والاديان. المطلوب حرية من نوع آخر، اوريجينال، وعلى الموضة. المطلوب ان يتحول لبنان الى منبر حر لتبييض صفحة الوصاية. ولا يهم اذا انطلق صوت الطوائف في التجييش والتخوين ليطغى على ما عداه، فهذه عدة الشغل ليصبح الكل أعداء الكل في صراعهم على الحصص وفتات السلطة، في حين يبقى “حزب الله” منزّهاً عن المعارك الصغرى وضابط إيقاع لها لأنه يقود المعركة الكبرى التي تريدها الوصاية الإيرانية المجاهرِة مراراً وتكراراً بأن بيروت هي إحدى العواصم العربية التي تقع تحت سيطرتها، والتي لا يسمح بأن يطلع منها عنوان يزعج هذه الوصاية، على رغم أن مطليقه لا يملكون الا الكلمة يواجهون بها ويصرون عليها.

او ان المنع المجهول الهوية لعقد خلوة لا سلاح غير شرعي لدى الداعين اليها، ولا هدف لديهم الا عبور الحواجز الطائفية لرفع الوصاية الإيرانية عن لبنان كما فعلوا لدى مواجهة الوصاية السورية، سببه ضيق مَن يدّعون القوة بمَن يذكّرهم بأن دورهم هو تبليط معبر الوصاية وفتح باب لبنان واسعاً لها على مصراعيه مقابل احتكار السلطة.

مزحة ثقيلة، وفي هذا الوقت تحديداً، اعتبار لبنان مركزاً لحوار الحضارات وباباً تدخل منه الحرية الى الشرق الاوسط. من الغرب طبعاً اذا فهمنا الجيوبولوتيكا على أصولها. واذا فهمنا حركة الريح الكفيلة بفتح الباب.

“باب البوابة ببابين قفولي ومفاتيح جداد، عالبوابة في عبدين الليل وعنتر بن شداد”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*