لبنان الجامعي والأكاديمي في خطر


عقل العويط
النهار
09082018

حفل تخرج.

يهمّني أن أقول إني أستحسن ذلك، لسببٍ يتصل بتقديري لعراقة هاتين الجامعتين وتاريخيتهما أولاً، كما يتصل بتقديري لمساهمتهما الاستثنائية في “صناعة” لبنان الثقافي الحديث ثانياً، مشدِّداً على مسؤوليتهما الحاسمة في النأي بنفسيهما عن كلّ مَن وما يسيء إلى سمعة لبنان الثقافي هذا، ثالثاً.

لا بدّ من أن ثمة أسباباً موضوعيةً جمّة قد أملت على إدارتي هاتين الجامعتين اتخاذ هذا الموقف الرمزي، الذي لن يكون من شأنه، عملانياً، في كلّ حال، إحداث أي تغيير في الأسباب الموجبة، وفي الوقائع المتناثرة هنا وهناك.

إن هو سوى “إنذار أكاديمي رمزي”، يجب أن يتلقّفه المعنيون قبل فوات الأوان.

المسألة يجب أن تكون أبعد من هذا الانسحاب. إنها تحته، وخلفه.

فالقضية ليست قضية “رابطة جامعة لبنان”، بقدر ما هي قضية لبنان الجامعي والأكاديمي والثقافي الذي بات على المحكّ.

كلّ مَن يلامس عالم الجامعات والتربية والتعليم والثقافة، عن كثب، أي من داخل، يدرك أن مَن وما يسيء إلى لبنان الثقافي، قد تجاوز الخطوط الحمر، وبات كثيراً، وخطيراً للغاية، ومهدِّداً للوجود والكيان.

إن من جملة مَن يسيء، وما يسيء إلى لبنان الثقافي، بل في مقدمته، المعايير الهابطة لأحوال الشهادات والجامعات ومؤسسات التعليم.

يهمّني في هذا الصدد أن ألزم جانب التحفظ الأخلاقي والنقدي، وأن أتجنب إشهار (أو التشهير بـ) ما يتداوله المتضلّعون العارفون بخفايا هذا “الوكر” ودهاليزه، ومتاهاته.

يجب الإنصات إلى هؤلاء بالذات، لأنهم ينتمون إلى زهرة الأكاديميا والثقافة والتربية والتعليم في لبنان.

تاركاً لأهل الاختصاص أنفسهم، تحمّل المسؤوليات التي ترتّب عليهم فقء الدمّلة، وكشف المستور، وإعلان “حال طوارئ” أكاديمية، لوقف التدهور في سلّم القيم والمعايير الجامعية من جهة، ولإعادة النظر في القرارات والمراسيم والشهادات والتراخيص المعطاة في هذا المجال، التي يقال الكثير من “السوء” في شأنها.

هذا يفتح باب السؤال الأليم جداً والموجع جداً، حيال ما آلت إليه جامعتنا الوطنية، التي كان لي شرف التعلّم فيها، والنضال من أجل رفعتها، حين كانت منارةً أكاديميةً وثقافية ونقدية وإنسانوية، وحين كانت مرجعيةً عليا لا يرقى إلى معايير الدخول إليها، وإلى برامجها وأساتذتها وطلابها ومستوياتها التعليمية، أيّ لبسٍ من الشكّ والحيرة.

قضية المستوى الأكاديمي اللبناني هي قضية “نائمة”، أو “شبه نائمة” تحت الرماد والجمر، من زمان وزمان، وهي ليست البتة ابنة اليوم، ولا مسؤولية شخصٍ بالذات.

إنها جزءٌ من قضية أوسع وأشمل، لأنها قضية التهاون الأخلاقي والقانوني والدستوري والمعياري في كلّ كبيرة وصغيرة، وعلى كلّ المستويات، وفي كلّ المجالات.

وعليه، يهمّني أن أغتنم رمزية انسحاب الجامعتين الأميركية واليسوعية من “رابطة جامعات لبنان”، لأرفع الصوت النقدي الهادئ والرصين والمتحفظ، داعياً إلى عدم لفلفة هذه المسألة، لأنها في صلب التحديات التي تواجه لبناننا في الأزمة الراهنة.

وليعلم الجميع أن الانهيار في الأخلاقيات الوطنية والسياسية والمجتمعية ليس سوى مرآة لانهيار الأخلاقيات في الثقافة والمعايير الجامعية والأكاديمية والتربوية والتعليمية، وهو الانهيار المتدحرج ككرة ثلج، الذي ليس مسموحاً لأهل الجمهورية الاستخفاف به، والذي لن يكون في مقدور أحد أن يتكهن بالنتائج الخطيرة المترتبة عليه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*