لبنان الاستقلال… من الزراعة إلى المصارف والخدمات

مارسيل محمّد
النهار
21112017

اختلف الاقتصاد اللبناني منذ الانتداب الفرنسي وحتى اليوم. وعلى رغم صعوبة المقارنة بين حقبتي الاستقلال وما بعده،إلا أنّه خلال الانتداب وقبله كانت المقوّمات الاقتصادية شبه بدائية وتعتمد في شكل خاص على الزراعة وبعض الصناعات الخفيفة، أما اليوم فالاعتماد الأكبر هو على القطاع المصرفي والسياحي بدعم متواضع من القطاعين الزراعي والصناعي.

لعلّ أهم الركائز الاقتصادية للمنطقة في عهد الانتداب الفرنسي، الذي استمر من العام 1920 وحتى العام 1943، كان دمج المصالح المشتركة بين الدولتين الحاليتين لبنان وسوريا بإشراف المفوّض السامي. لسوريا مساحات زراعية واسعة وصناعات خفيفة، وللبنان المرفأ والموقع الوسيطباعتباره المورد الأساسي للتجارة، إضافة إلى قطاع الخدمات. وكانت قوة لبنان الاقتصادية تتمثل في شكل خاص بالمساعدات التي يرسلها المغتربون إلى ذويهم، وفق المؤرخ الدكتور عصام خليفة.

مرّ لبنان وسوريا على حد سواء بمراحل اقتصادية متعددة خلال حكم فرنسا، أهمها ما تركته أزمة الكساد الكبير عام 1929، وفترة الحرب العالمية الثانية التي بدأت عام 1939، لذلك لا يمكن حصر الوضع الاقتصادي آنذاك بالتراجع أو النهوض. خلال الكساد الكبير، وبعد انهيار سوق الأسهم الأميركية “وول ستريت” في 24 تشرين الأول 1929، أو ما سُمي بـ “الخميس الأسود”، تراجعت أهم مصادر التمويل وهي التحويلات من الخارج، وشهدت المنطقة مرحلة ركود استمرتحتى اندلاع الحرب العالمية الثانية، خصوصاً وأنّ سلسلة من القطاعات بقيت ضعيفة بسبب ارتباطها بالتصدير إلى أوروبا المنهارة اقتصادياً، علماً أنّ قطاعات أخرى نمت على أنقاض الدمار الأوروبي نتيجة ضعف المنافسة الخارجية للمنتجات اللبنانية، الأمر الذي سمح بنمو الإنتاج المحلي. كما عاش اللبنانيون “شبه مجاعة” إبان انهيار الحكم الفرنسي أنقذته منها الإعانة البريطانية.

وكان أيضاً للحرب العالمية الثانية تأثيرات أساسية على التطورات الاقتصادية في لبنان من خلال عوامل عدة منها: حاجة الجيوش الحليفة إلى التموين بالسلع المتنوّعة التي حفّزت الإنتاج في مجالات الصناعة والزراعة وحركة خدمات النقل والتجارة والترنزيت والمصارف وغيرها.

حاولت فرنسا،خلال فترة حكمها للبنان، أن تجعله أرضاً زراعية كبرى لأوروبا، أي الاعتماد على تصدير المنتجات الغذائية اللبنانية إلى القارة الأوروبية بكاملها. وبالتالي، كان الاقتصاد حينها يعتمد في الدرجة الأولى على القطاع الزراعي، وكان متقدماً إلى حدٍّ ما بفضل اهتمام الفرنسيين له. فقد تطوّر إنتاج الفاكهة، زراعة الحبوب والزيتون وإنتاج الحرير.

ولفت الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة، أنّ القطاع الزراعي لم يستطع يوماً تأمين مداخيل كبيرة للدول، لذلك كان الناتج المحلي الإجمالي للبنان ضئيلاً خلال فترة الانتداب.

وأكد عجاقة أنّ المرحلة الإنتقالية في لبنان من الاعتماد على الزراعة والتحويل إلى المصارف حدثت حين تمّ إعلان قانون السرية المصرفية وإنشاء مصرف لبنان في بداية الستينات من القرن الماضي. وساهم حينها الفلسطينيون في شكل كبير في إنعاش القطاع المصرفي بعد أن نقلوا أموالهم إلى المصارف اللبنانية نتيجة النكبة الفلسطينية عام 1948، الأمر الذي شجع الرعايا الخليجيين أيضاًعلىإيداع أموالهم في لبنان، وبالتالي ازدهار القطاع السياحي من خلال ارتفاع زياراتهم.

ما بعد الاستقلال

أهم ما نتج عن استقلال لبنان عام 1943 كان فسخ المصالح المشتركة بين الجمهورية اللبنانية وجمهورية سوريا العربية، وعلى رغم ذلك بقيت الدولتان تُكمّل بعضهما البعض في التجارة والزراعة تحديداً، فقد كانت الأسواق السورية ملاذاً آمناً لتصريف الزراعات اللبنانية، واستمر اللبنانيون بشراء المنتجات الصناعية السورية.

لا شك في أنّ الحرب اللبنانية والتقسيمات الطائفية والسياسية غيّرت المعادلة وأنهكت اقتصاد البلاد، وآخرها جاء إثر الأزمة في سوريا، التي بدأت عام 2011، حين أُغلقتمنافذ التصدير على اللبنانيين والسوريين على حد سواء.

وحتى اليوم، تستمر معاناة أسواقنا جراء المشكلات الأمنية والسياسية وفق الخبير طوني مخايل، مشيراً إلى أنّه خلال الانتداب كانت المناطق اللبنانية موّحدة بإنتاجها وإنمائها، في حين نجد حالياً أالتزايد العمراني المتمركز في بيروت، وعدم إنماء المناطق الريفية، ما يحدّ من تطوّر قطاعات عدة من بينها الزراعة والصناعات الحرفية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*