لبنان اختراع رائع وسنحتفل بمئوية غورو


أدهم خنجر

 هذا المقال بمناسبة بعض النقاش الدائر مؤخراً حول “شرعية” مئوية غورو

في منزل العائلة في جبشيت قضاء النبطية لا تزال موجودة غرفة واسعة قديمة مع عِقد حجري لجأ إليها المتمرِّد الشهير على الاحتلال الفرنسي أدهم خنجر مع أفراد “عصابته” كما كانت تُسمى في تلك الأيام. ولا تحمل كلمة “عصابة” بالضرورة بين أبناء بيئة جبل عامل، وبيئات أخرى، المعنى السلبيَّ نفسه الذي باتت تحمله لاحقا لأسباب كثيرة تحتاج إلى دراسة مؤرخي الاجتماع السياسي ولكني أظن أن كون هؤلاء المتمردين حاملي السلاح كانوا يحظون في فترة من الفترات بعد الاحتلال الفرنسي، برضى بل بتوجيه سياسي من بعض أبرز زعماء ورجال دين الطائفة الشيعية كان يجعلهم شرعيين في النسيج الداخلي للطائفة رغم أنهم كانوا يحرجون هؤلاء الزعماء في أمرين: الأول القيام بسرقات ونهب مزارع أو أشخاص لتمويل أنفسهم (ويقال توزيع بعضها على الفقراء). والأمر الثاني الذي لن أخفيه رغم حراجته لليوم وهو الاعتداء على بعض قرى المسيحيين وأظن، بمعزل عن أن الأمر يحتاج إلى بحث جاد، أن ما ساهم في ذلك، عدا التعصب الديني للبيئة المسلمة القلقة على مصيرها، هو نجاح الضباط الفرنسيين في تحريض وتوريط بعض العناصر المسيحية في المنطقة فور سقوط الدولة الفيصلية في الشام بالمشاركة في تطويع بعض البيئة الشيعية في النبطية وبنت جبيل ومحيطهما.. مما ساهم بحدوث ذلك دون اعتباره حتما السبب الوحيد. للتذكير أيّد مؤتمر وادي الحجير الملك فيصل وهو المؤتمرالذي دعا إليه الجد كامل الأسعد وحضرته شخصيات دينية سيبرز منها السيد عبد الحسين شرف الدين عبر تشكيل وفد المبايعة لفيصل مع عدد من الشخصيات وستلاقيها في دمشق خلال لقاء الملك الشخصية الدينية البارزة الأخرى السيد محسن الأمين.

لا أعرف بالضبط ولا أتذكر من رواية جدي ووالدي اللذَيْن طالما كانا يرددانها متى بالضبط حصل هذا اللجوء من أدهم خنجر وبعض جماعته إلى دار والد جدي الشيخ عبدالكريم الزين، لكن الأكيد أنه حصل في فترة ما من تلك المرحلة الممتدة بين 1920 و1922 وهي التي انتهت بالقبض على أدهم خنجر كما هي الرواية الشهيرة عن اعتقاله في منزل سلطان باشا الأطرش بغياب سلطان باشا بعد أن لجأ أدهم خنجر إلى ذلك البيت في جبل السويداء بعد محاولته اغتيال الجنرال الفرنسي غورو وهو الجنرال الذي أصدر مرسوم إعلان دولة لبنان الكبير.

الذي أتذكره من رواية العائلة أن أدهم خنجر أقام في الجزء السفلي من بيتنا في جبشيت  حيث كان البئر (الذي لا يزال موجودا) وكان هذا الجزء عبارة عن غرفتين متلاصقتين تستخدمان للضيوف في هذا البيت الديني المتواضع ولكنْ الواسع وذو الطابع الأفقي عموما كما كانت البيوت الدينية في جبل عامل مع وجود عِلّية وحيدة يستخدمها صاحب البيت والد جدي لإقامته فيما كان اثنان من أبنائه الشباب الثلاثة غائبين يدرسان في النجف.

المهم تقول رواية العائلة أن أدهم خنجر بقي حوالي الأسبوعين في بيتنا واضطر للمغادرة عندما علم والد جدي من ابن عمه يوسف الزين أحد الزعماء الشيعة الصاعدين سياسيا يومها الذي بعث إليه رسالة من كفررمان رغم صداقته للفرنسيين، وعلم بذلك على الأرجح بسبب هذه الصداقة، أن هناك دورية فرنسية آتية للقبض على أدهم خنجر. واجه والدُ جدي أدهم خنجر بالمعلومة وقال له، حسب رواية العائلة، أنك تعرف أنك تستطيع البقاء معنا إلى ما تشاء ولكن واجبي أن أحذرك من احتمال اعتقالك. عندها اتخذ أدهم خنجر قرار مغادرة جبشيت وأفلت من الدورية الفرنسية التي وصلت لاحقا فعلا، ليتابع مسيرة عصاباتية شاقة وطويلة من الاختباء والهجوم خلالها سيكمن للجنرال غورو ويحاول اغتياله.

كان فرعنا العائلي في العشرينات من القرن العشرين مثل العديد من العائلات الدينية معارضا لفكرة إلحاق جبل عامل بلبنان الكبير ومؤيدا للوحدة السورية وسيبدأ الأمر بالتغيُّر مع الجيل الثاني، جيل والدي الذي درس في مدارس لبنانية أنشأها الفرنسيون ونال شهادات لبنانية وضع نظامَها الفرنسيون والتحق بهيكل إداري أسسه الفرنسيون. مثله مثل جيله بمعظمه سيذوق طعم تميز وتقدم لبنان الكبير وسينتقل لي ولجيلي عرفان أكيد بالجميل رغم أو بعد مزيج من مجازفات وحماقات ورومنطيقيات الاندفاع اليساري، هذا العرفان لكوننا في بلد إسمه لبنان رغم كل الأهوال التي عشناها بسبب اضطراب صيغته السياسية ورغم كل الركاكة الاستراتيجية التي تتعرض لها دولته على يد طبقة سياسية فاسدة ووقحة متعددة االطوائف. مع العلم أن جزءا مهماً من البيئة اليسارية اليوم في لبنان يستوعب عموما خلاصات التجربة وربما يكون جيلها الشاب كمكوِّن من الأجيال الشبابية هو من الأكثر ليبرالية وقابلية للعمل المدني حسب تحولات “يسار” القرن الحادي والعشرين.

غورو اليوم غير غورو الأمس إذا كان للتاريخ كيمياء. فجدّي العزيز وبعض أقاربي لم يكونوا على حق. الأدق القول لن يصيروا على حق خلال مائة عام! لم يفهموا هذا الاختراع الرائع الذي إسمه لبنان الكبير وبقوا على التباس معه.

اليوم بات معيبا أن نتحدث بعد كل هذه التجارب بارتباك ينم عن شعور بعدم مشروعية تاريخنا الوطني اللبناني منذ مائة عام. ورغم أن عوارض الالتحاق السريع بأي موجة أيديولوجية لا تزال سمة الطائفيّتَيْن السنّية والشيعية فإن ذكرى مائة عام على ولادة لبنان الكبير ليست فقط فرصة للاحتفال بل هي فرصة للبناء والمراجعة والتطوير. ونتطلع من كل المؤسسات الوطنية الكبيرة أن تعتبر العام 2020 عاما استثنائيا على كل الأصعدة، باحتفالية واثقة بالنفس ولكن أيضا بقابلية حرة وشجاعة للمراجعة.

صحيح أن مائة عام هي قرن ينتهي مهدَّدَ ومفتَّتَ الكياناتِ من بغداد إلى بيروت مرورا بدمشق تحيط مع الأسف بدولة وحيدة قوية وذات مستقبل علمي واقتصادي هي إسرائيل، لكن لبنان لا يزال مشروعا مثيرا ويستدعي الإعجاب بالنسيج لا بالدولة، البلد الذي تأسست فيه وأسّسته ثقافيا جامعتان موجودتان قبل ولادته لعله الوحيد في العالم بهذه السمة لأن المشروع (الاستعماري) الغربي في لبنان ونسبيا سوريا سابقا، في جزئه المضيء كان مشروعا تعليميا، أي بدء السيطرة على المنطقة عبر شبكة المدارس قبل إرسال الجيوش. كان المعلمون عسكره في لبنان بالذات وثكناته هي المدارس.

أريد أن أنهي هذه العجالة التي أملاها انفتاح النقاش حول مئوية لبنان الكبير بلفت نظر بعض أصدقائي المسلمين أنه رغم استمرار التحاقاتنا وتبعياتنا نحن المسلمين خارج الكيان اللبناني فإنه من الضروري الانتباه إلى أن المشكلة العميقة غير المعلنة لم تعد إقناع المسلمين بالكيان بل هي في الحقيقة إقناع المسيحيين بـ”البقاء” فيه سياسيا أو حياتياً. وهذا مصدر خوف لاحتمال ارتكاب حماقات قاتلة مرة جديدة يقوم بها بعضُ النخب المسيحية أمام ما شهدناه من “الحماقات المؤسِّسة” لدى النخب المسلمة.

jihad.elzein@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*