لا يُحافِظ على الحريّة إلّا الأحرار


سركيس نعوم
21122017
النهار

هل يتذكّر اللبنانيّون أو الإعلاميّون منهم العماد ميشال عون بعدما عيّنه رئيس الجمهوريّة أمين الجميّل قبل انتهاء ولايته الرئاسيّة عام 1988 بوقت قصير رئيساً لحكومة انتقاليّة سُمّيت حكومة عسكريّة لأنّها ضمّت ستّة ضبّاط كبار ثلاثة منهم مسيحيّون وثلاثة مُسلمون؟ وهل يتذكّرون أيضاً أن مهمّتها كانت محصورة بانتخاب رئيس للجمهوريّة خلال وقت قصير تلافياً لفراغ رئاسي تسبّب فيه عجز الأفرقاء اللبنانيّين وحلفائهم الخارجيّين عن انتخاب خَلَف للجميّل ضمن المهلة الدستوريّة؟ وهل يتذكّرون ثالثاً أن حكومته التي استقال نصفها المسلم بعد صدور مراسيم تأليفها بوقت قصير لم تقم بالمُهمّة المُناطة لأنّه كان طامحاً إلى الرئاسة، وقد حاول لأجل تحقيق هذا الهدف نسج علاقات مع “أعداء” القضيّة النافذين جدّاً التي كان يُدافع عنها مع الرئيس الراحل بشير الجميّل ثم خَلَفِه شقيقه أمين؟ وعندما فشل نسج علاقات مع “أعداء” هؤلاء رغم أن بعضهم كان “العدوّ” الأوّل في رأيه ورأي فريقه لأنّه تسبّب في الحرب وخاضها بقوّة. وأدّى ذلك إلى تعطيل تنفيذ اتفاق الطائف وإلى إطالة أمد الحرب. وهل يتذكّرون رابعاً طريقة تعامله أي عون معهم وأوامره التي تتعلّق بصلب مهمّاتهم مثل عدم تسمية الرئيس المُنتخب بعد الطائف رئيساً، كما طريقة تعامله مع النوّاب ولا سيّما الذين رفضوا منعه لهم من الاشتراك في اجتماعات “الطائف” وكانوا غالبيّة؟ وهل يتذكّر اللبنانيّون والإعلاميّون منهم خصوصاً طريقة تعامل الميليشيات على تنوّعها وتناقضها في أثناء حروب 1975 – 1990 مع الإعلام ورجاله التي رفضت دائماً الإعلام الحر والموضوعي ورجاله رغم وجود استثناءات قليلة كانت “النهار” أبرزها؟ وهل يتذكّرون كيف، إذ كانت القوى غير اللبنانيّة مُمسكة بالساحة اللبنانيّة وبالقواعد الشعبيّة التي تعتبرها مدافعة عنها وبالإعلام المُعبِّر عنها؟ هذه الدعوة إلى التذكّر ترمي إلى الإشارة إلى أمور عدّة. أوّلها أن العسكر في العالم الثالث لا يؤمن بالحرّيات السياسيّة خصوصاً وفي مقدّمها الإعلاميّة، لأنّه يخدم أنظمة عسكريّة – مخابراتيّة – أمنيّة وأنظمة أخرى محافظة سلطتها هبة الله عزّ وجلّ لها. وإذا كانت أضرار عسكر لبنان أقلّ من أضرار العسكر في الدول الأخرى فلأنّه مكوّن من موزاييك طائفي ومذهبي انعكس على مؤسّساته ومنها العسكريّة فعطّلها كلّها. وكان ذلك أحد أسباب انهيار الدولة وعدم عودتها بالحُلّة الحديثة التي تحلم بها نخب لبنانيّة وليس كل اللبنانيّين. وثانيها أن الدولة التي تأسّست بعد الحرب حكمتها رواسب الحرب والأحزاب الطائفيّة والمذهبيّة التي تسبّبت بالحرب، وحكمها انحصار ولاء الشعب الذي أثبت أنه “شعوب” بطوائفه ومذاهبه وقبائله وزعمائها. ولذلك فإن جدّيتها كما حديثها عن تمسّكها بالحريّات ليس فيه الكثير من الصدق والصراحة. وثالثها أن القضاء الذي يفترض أن يكون مستقلّاً تماماً عن السلطة السياسيّة لا يزال تابعاً لها أو مرتبطاً بها. وذلك يعطّل عمله ويدفع رجالاته الضالعين في القانون والأخلاق الوطنية إمّا إلى السكوت عن الحق و”الساكت عنه أخرس”، وإمّا إلى الاشتراك في إبطال الحق وإبداله بالباطل وهذه جريمة موصوفة.

ما مناسبة هذا الكلام؟ خوف اللبنانيّين من تعرّض الحرّيات السياسيّة في لبنان إلى المصادرة بالتلويح بالقضاء لكمّ أفواه المعارضين رغم عدم المبادرة إلى استخدامه لوضع الفاسدين وما أكثرهم في السجون، وإلى تطبيق الأحكام القانونيّة لمنع الإجرام المتنوّع من الاستفحال، وخوف إعلاميّيهم من كمّ الأفواه بواسطة القضاء. علماً أن لا شيء يمنع استعمال الوسائل غير القانونيّة مع غير المطواعين منهم، وقد رأوا ذلك بأمّ العين أيّام “الوصاية” يوم كانت غير مباشرة وبعدما صارت مباشرة، وكذلك أيّام أصحاب نظريّة تحويل لبنان هانوي لتحرير فلسطين من إسرائيل. وآخر دليل على ذلك ما تعرّض له الزميل مارسال غانم ولا يزال يتعرّض له. طبعاً قد تكون لكثيرين تساؤلات عن نجاحه في المحافظة على حريّته أيّام الوصايات وقسوة ضبّاطها وأحزابها وقلّة رحمتهم، وعن إخفاقه في ذلك اليوم حيث النيّات السيّئة حيال الأعلام مبيّتة عند الجميع، لكن ترجمتها تبدو بطيئة رغم الإصرار عليها.

في اختصار الحريّة لا يمكن أن يُحافظ عليها إلّا الأحرار في المُطلق. أي أحرار من قيود الطائفيّة والمذهبيّة والقَبَليّة والظُلم والتعصُّب والجهل وانتهاك حقوق الإنسان، ولاؤهم الأوّل والأوحَد للبنان دولة ديموقراطيّة مدنيّة مستقلّة وسيّدة تحكمها مؤسّسات مُنتخبة من الشعب لكيّ يُحبّها ويحترمها ويحميها فتحميه ووطنه وأمنه واستقراره وترفض أن تُستعمل لتخويفه. والحريّة تكون شاملة الجميع ليس فقط “الكبار” من المواطنين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*