لا تغلق الباب فبقية الطغاة قادمون!

 


مالك التريكي
Aug 04, 2018
القدس العربي

عندما شاهدت التصريحات التلفزيونية ذات اللغة الخشبية التي أدلى بها رئيس نيكاراغوا دانيال أورتيغا قبل يومين لم أصدق أن الانفصال عن الواقع يمكن أن يصل بالحاكم إلى هذا المدى البعيد من العمى عن أبسط الحقائق. ولكن هذه التصريحات ذكرتني برسم الكاريكاتور الذي نشرته إحدى الصحف العالمية عام 1979 بعيد تمكن الثورة الشعبية في نيكاراغوا من الإطاحة بالطاغية أناستازيو سوموزا. يدخل سوموزا إلى غرفة في دار مهجورة، فيقول له شاه إيران، وهو مستلق فوق أريكة: «لا تغلق الباب خلفك، نحن في انتظار الآخرين». كان ذلك عام الثورة الإيرانية والثورة النيكاراغوية وعام الإطاحة بحكم عيدي أمين في أوغندا، فكان من المعقول أن تعتبر الصحيفة أن ساعة رحيل الطغاة في العالم الثالث قد أزفت.
الغريب أن دانيال أورتيغا قد صار هو أيضا من أولئك «الآخرين» الذين أشار إليهم الشاه في الكاريكاتور. صار مجرد دكتاتور… بعد أن كان من قادة ثورة1979 التي أنهت 43 عاما من حكم آل سوموزا شبه الإقطاعي، وبشرت باحتمال الانتقال إلى حكم ديمقراطي متحرر من التهويمات الايديولوجية التي طالما زيفت الإرادة الشعبية وأجهضت الثورات وبددت الثروات في بلدان العالم الثالث. كانت الثورة في نيكاراغوا واعدة لأنها التزمت باحترام الملكية الخاصة والتعددية السياسية وحرية التعبير. والشائع أن قيادة جبهة التحرير الساندينستية قدمت أورتيغا للحكم لأنه كان يفتقر إلى الكاريزما وموهبة الخطابة. أما أقوى الاعتبارات التي رجحت كفته فهو أنه كان، على ما يبدو، أقل جميع أعضاء القيادة طموحا. وقد تكفلت الحرب الأهلية ضد قوات الكونترا طيلة الثمانينيات، ثم غياب أورتيغا عن الحكم بعد انهزامه في انتخابات عام 1990، بتعميق هذا الانطباع.
ولكن معدن أورتيغا تبين بعد عودته للحكم عام 2007: فقد تخلص من جميع رفاق النضال ودخل في تحالفات حزبية ومالية مشبوهة ودارت به دورة الزمان السلطوي فأوغل بعيدا في نفق الحكم المظلم. وهكذا عم الفساد واستولى أقرباء أورتيغا والمقربون منه على معظم الثروة الوطنية وساءت أحوال عامة الناس.
وعندما طفح الكيل فأخذ المواطنون يحتجون في الشوارع، بعد إعلان الحكومة تقليص خدمات الضمان الاجتماعي في نيسان (ابريل) الماضي، صدرت الأوامر لقوات الأمن بإطلاق النيران، فتجاوز عدد القتلى من المدنيين 450 قتيلا منذ بدء المظاهرات. كما أخذ النيكاراغويون في الفرار من البلاد، فبلغ عدد طالبي اللجوء المسجلين لدى سلطات كوستاريكا المجاورة ثمانية آلاف لاجىء، بينما ينتظر 15 ألفا آخرون النظر في طلباتهم. هذا إضافة إلى انتهاج الحزب الحاكم سياسة عقابية ضد الفلاحين المناوئين للحكومة تتمثل في الاستيلاء على أراضيهم ظلما وعدوانا.
ولأن أورتيغا صار مجرد دكتاتور منبتّ عن الماضي النضالي، منقطع عن الواقع الوطني ومحروم من السند الشعبي، فإنه قد وصف مظاهرات أبناء بلاده السلمية بمثلما وصف حاكم دمشق مظاهرات أبناء بلاده السلمية:صنّفها أعمالا إرهابية! قال له الصحافي: كل الأدلة تشير إلى أن الشعب يريد منك الانصراف، فأجاب بأنه منتخب ديمقراطيا. قال له الصحافي: لقد غيرت الدستور مرة أخرى عام 2016 لتسمح لنفسك بالترشح لولاية رئاسية ثالثة، هل تريد الحكم إلى الأبد؟ فأجاب إجابة مفرطة في التذاكي. قال إن عدد المرات التي يمكن فيها للساسة في أوروبا الترشح لمنصب الرئيس أو رئيس الحكومة غير محدودة بحد أقصى، فلماذا لا يحق للأمريكيين اللاتينيين ما يحق للأوروبيين؟
أما قمة البراءة فقد ظهرت على أورتيغا عندما سأله الصحافي عن استئثار أقربائه بثروات البلاد واحتكارهم لأكبر المناصب، فأجاب بكل جد ودون أي رغبة في الضحك: أليس لهم الحق في العمل؟ أليسوا مثل بقية مواطنين؟ كل هذه الضجة لمجرد أنهم يظهرون على التلفزيون؟
تشخيص رفيقة النضال دورا ماريا تليز دقيق. قالت «إن أورتيغا قد صار هو سوموزا الجديد. لقد خضنا ثورة لنحرر بلادنا من عائلة حاكمة فاسدة، فإذا بنا نبتلي بعائلة أخرى».

٭ كاتب تونسي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*