لا تغضبوا دولتكم فاشلة!


نبيل بو منصف
20062018
النهار

يرتفع معدل ضحايا العنف المسلح في ضواحي مدينة شيكاغو مرات الى ما يناهز الثلاثين إصابة في اليوم بفعل واقع تاريخي شهير بهذه المدينة علما ان ثمة مدنا اميركية أخرى باتت تتفوق عليها في ارتفاع وتيرة هذه الآفة. لا يعني ذلك اطلاقا التقليل والتهوين من حالة مرضية مزمنة تضرب مناطق بعلبك والهرمل في البقاع الشمالي ولكن المفارقة التي تسوقنا اليها المقارنة في حالات تتشابه بين اقوى دول العالم وأضعفها تتمثل في مفهوم الدولة تحديدا الذي يقف مرات عاجزا امام اوضاع اجتماعية وإنمائية وطائفية وحزبية صرفة. فكيف اذا أضيفت اليها “قيمة مضافة” كتلك التي عندنا من خلال التداخلات الاقليمية بكل كبيرة وصغيرة ؟ ولكن المعالجة العلمية المتجردة تستدعي الإسراع الى تصويب المقارنة اذ ان الولايات المتحدة تشرع امتلاك السلاح الفردي ولم تعثر في تاريخها بعد على تسوية بين المفهوم المتأصل لشرعية امتلاك السلاح والتخفف من آثار العنف المجتمعي المتفشي بقوة واتساع هائلين. كل ذلك وانت امام اقوى عرى دولة في القوة العسكرية والاقتصادية وامام احدى اعرق الأنظمة الديموقراطية والمجتمعات الحرة في العالم. حيال ذلك ماذا تترك لنا خلاصات الواقع الموغل في الخطورة في البقاع الشمالي الذي اضحى واقعيا الشهادة الحية اليومية على اهتراء عمره اكبر من عمر لبنان الجمهوريتين ويرقى بجذوره الى تاريخ بات يصعب نبشه؟ الحال ان ما كان جائزا في تبرير الاهتراء والتفلت واستشراء العنف المجتمعي والعشائري والفردي والميليشيوي في هذه المنطقة في السابق بات الآن اشبه بورقة تين ممزقة لا تستر عريا ولا بشاعة ولا تكفي لتبرير اي نقطة دم تراق يوميا على مسرح الانهيار الحاصل في ابشع مظاهره. ان أسوأ وأخطر ما أصاب البقاع الشمالي هو انفلات زمام الحد الادنى من الضوابط الامنية فيه بمواكبة الانتخابات النيابية الاخيرة او بعد اجرائها كأن موجات كهرومغناطيسية ضربت كل عرى التوترات النابضة في هذه المنطقة وأشعلتها وألهبت معها كل المهابات المزعومة للدولة حكما وحكومة ومؤسسات وللقوى العسكرية والامنية والاجهزة كافة وقبل الجميع وبعدهم للقوى الحزبية النافذة جدا ولا سيما منها الثنائي الشيعي “امل” و”حزب الله” الخارج متباهياً بقوته الانتخابية الساحقة في المنطقة. لم تعد ثمة فائدة في المزايدات الاعلامية والسياسية التي ترتفع معها أصوات الزعامات المعنية منذرة بأخطار تفشي ظواهر العنف المستعصي على عشرات الخطط العسكرية والامنية المتساقطة عند أبواب أمراء السلاح والعصابات. قبل يومين عاين اللبنانيون والرأي العام مشهد بلدة العصفورية وكان كافيا لاستحضار عصفورية دولة مزعومة عندنا. الدولة اللبنانية بكليتها فاشلة، فلا موجب لزعل وغضب وزمجرة ومشاحنات وتوترات وسجالات ولمزيد من المعارك التأخيرية لتقاسم هذه الدولة ببقايا فشلها. ايام فؤاد شهاب تتردد كثيراً جدا في مقارنات هذا الزمن. يكفي هذا الحنين شهادة صاعقة على فشل دولة لم تعرف كيف تستعير القليل من ماضٍ آفل فكيف تراها ستقمع جمهورية المتمردين التي بات الداخل اليها مفقودا والخارج منها مولودا على صورة دولتنا الفاشلة تماما!؟

nabil.boumounsef@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*