لا تعمّقوا قبر الدولة: حبيبتي الدولة!

عقل العويط
النهار
31082017


لوحة لحسن جوني

من كلّ ما جرى في عرسال، وفي جرود بعلبك والقاع، ومن كلّ ما لا يزال يجري، على كلّ صعيد، في السياسة، في المذهبيات والطائفيات والمناطقيات والحزبيات، في الخدمات، وخصوصاً في الانتماء إلى لبنان – الدولة، أخلص إلى النتيجة المفجعة الآتية: لا أحد من الأطراف اللبنانيين يريد الدولة، أو يبدي حرصاً عليها، أو يفضّلها على مصلحته الفئوية، الحزبية، الطائفية، والمذهبية.

أنا متأكد شخصياً من هذا الواقع الوطني الكارثيّ.

لا أحد من الأطراف اللبنانيين ينتمي إلى لبنان. بل إلى ذاته الفئوية.

رجائي أن أُصفَع على وجهي إذا كنتُ مخطئاً في هذا الاستنتاج.

إذا كان هذا الاستنتاج حقيقياً، فعلياً، واقعياً، في الممارسة الجوهرية لهؤلاء الأطراف، فلماذا يجب إخفاء الحقيقة، ولماذا يستمر الأطراف اللبنانيون، في المزايدة بعضهم على بعض، والتلطي وراء شعارات ومواقف واتهامات وتخوينات توسّع قبر الدولة، وتعمّقه، بدل أن تنتشل الدولةَ من المقبرة.

أنا رأيي واضح من البداية. لا أحد من هؤلاء يريد الدولة.

لا أستثني أحداً على الإطلاق من هذا الاستنتاج.

الفارق الوحيد بين هؤلاء الأطراف، أن أحدهم يملك القوة العسكرية، ويمارسها في الداخل، وأن الآخرين لا يملكونها. لكن الجوهر واحد. لو كانوا يملكون القوة، لكانوا استأثروا، وجيّروا، وصادروا، وتجبّروا، وفعلوا “السبعة وذمّتها”، كما يفعل الطرف المالك السلاح.

ليس عندي تفضيلٌ لأحد على أحد من هؤلاء الأطراف.

أريد الدولة. الدولة لا سواها.

كلّ ما يأتيني من الدولة، شراً أكان أم خيراً، يمكنني أن أتعامل معه بالأسلوب المناسب، بالرضا أو بالنقد أو بالرفض، وبالمعايير الديموقراطية المناسبة.

أما الاستيلاء على الدولة من هذا الطرف أو ذاك، فإنه يجعلني كـ”مواطن”، ويجعل “المواطنين” عجّزاً وفاقدي الكرامة والتأثير والفاعلية.

أذكّر الجميع، الجميع من دون استثناء، أن مَن حاول سابقاً الاستيلاء على الدولة، ونجح في محاولته إلى حين، سرعان ما ذاق الأمرّين من جرّاء هذا الاستيلاء.

لقد جرّب المسيحيون ذلك من قبل، ثمّ تلاهم السنّة، والآن يجرّب الشيعة حظوظهم.

لن يربح أحد، وإن ربح.

لسببٍ جوهري: أن الدولة هي المستولى عليها، وهي القتيلة، والمصادَرة، والمغتصَبة، والمهانة، والذليلة.

عبثاً يربح أحد الأطراف إذا كانت الدولة هي الخاسرة.

“حبيبتي الدولة”.

أستعير هذا العنوان من الشاعر الراحل محمد العبدالله، لأستخدمه مرّةً، تلو مرّة، تلو مرّة، إلى أن يعي هؤلاء الأطراف اللبنانيون جميعهم هول ما يرتكبونه في حقّ الدولة، وفي حقّ أنفسهم أولاً بأول.

ليس لنا سوى الدولة.

ألجأ أيضاً في هذا المقال، إلى لوحة عزيزة للفنان الكبير حسن جوني، تختصر ما يفعله الأطراف اللبنانيون بدولتهم.

خذوا هذا المقال واللوحة بمثابة تحذير من شاعر، ليس عنده سوى الكلمات للتحذير.

وسوى الولاء للدولة.

حبيبتي الدولة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*