لا تحالف بين الكبار والصغار… بل استخدام

سركيس نعوم
13112017
النهار

لن يتضمن “الموقف هذا النهار” اليوم جواباً عن سؤال: “ما هي قصة الحريري”؟ الذي ورد في نهايته يوم السبت الماضي، لأنني لم أتوصّل بعد الى غالبية الوقائع التي تسمح بإخبار قصته، وتحليل أبعادها وخلفياتها ونتائجها عليه وعلى البلاد، علماً أنني حذفت السؤال يوم الجمعة لكنه عاد بسحر ساحر. طبعاً لا يمنع ذلك تناول أمور وموضوعات مهمة ذات صلة وإن غير مباشرة بالاستقالة، ولكن بهدف توعية اللبنانيين أو تذكيرهم بحقائق قد تكون غابت عنهم في غمرة تلاحق أزماتهم والمشكلات، علّ ذلك يدفعهم الى التفكير بعقلانية في أثناء بحثهم عن الحلول. الحقيقة الأساسية والأكثر أهمية هي أن لا وجود على الاطلاق لتحالف صادق وجدّي بين دولة صغيرة وأخرى كبيرة سواء كانت إقليمية أو عالمية. فكيف اذا كان “التحالف” قائماً بين قسم من شعب الدولة الصغيرة يمثل حزباً أو ديناً أو مذهباً أو قبيلة أو تجمّع زعامات إقطاعية وبين الدولة الكبيرة. ولا يعني ذلك غياب وجود مصلحة أو مصالح مشتركة بين طرفي “التحالف” المُشار إليه في مرحلة وزمن معيّنين. لكن عدم التكافؤ بين طرفيه في الشكل وفي العدد وفي القوة وفي الامكانات والحاجة الدائمة الى الحماية والدعم والعطف عند الأضعف والأصغر حجماً، يجعل هذا الأخير أسيراً أو رهينة عند الطرف الأكبر والأقوى. ويضعه بين خيارين صعبين ومرّين: إما تنفيذ الأوامر والتوجيهات وإن غير مقنعة له أو مؤذية لمصالحه وأساساً لوجوده، وإما رفض تنفيذها وتحمّل العقاب الشديد الذي قد يطيح ليس بالمصالح فحسب بل بالقضية التي طلب من أجل حمايتها الصغير الحماية من الكبير – القوي، أو التي أغراه بها الكبير – القوي كي يجتذبه الى “تحالف” وينفّذ من خلاله مآربه وغاياته.

والأمثلة على هذه الحقيقة الأساسية كثيرة في العالم والمنطقة. لكن “الموقف هذا النهار” سيشير الى اللبنانية منها الواضحة جداً بل الساطعة بوضوحها مثل نور الشمس، التي عاشتها البلاد أيام حروب الـ1975 – 1990 وما قبل نشوبها بقليل وما بعدها. وتناولها لا يهدف الى تبرير التحالفات التي تمت، أو الى إدانتها بل الى دعوة “شعوب” لبنان الى أخذ العبر منها.

المثل الأول تحالف مسيحيي لبنان مع إسرائيل جرّاء خوفهم كما يقولون من مواطنيهم المسلمين وجيشهم المؤلف من الوجود الفلسطيني المسلح اللاجئ إليه منذ 1948. وهو مكّن هؤلاء من الصمود ومن إيصال رئيس جمهورية ثم أخيه الى الموقع نفسه بعد قتله. لكنه تحوّل أذىً لهم عندما لم يفوا بوعودهم لها ولا سيما بعد ذلك كله. إذ رفض الأول توقيع سلام معها فور غزوها قسماً كبيراً من بلاده عام 1982 فغضبت وهدّدت. كما أبدى الثاني رفضاً مماثلاً وحاول الانقلاب عليها. وكانت النتيجة خسارة “معركة الجبل”، وبداية ضعف بل انهاء القوة العسكرية المسيحية في البلاد، وقرار إسرائيل النهائي ان مسيحيي لبنان غير أهل للثقة.

والمثل الثاني كان التفاهم بين “الجبهة اللبنانية” المسيحية وسوريا (الراحل) حافظ الأسد قبل انتهاء ولاية الراحل الرئيس سليمان فرنجية بنحو سنتين، بعد زيارة أقطابها له ووعده لها بحماية مسيحيي عكار الذين هدّد حلفاؤه وجودهم بموافقة منه. وكان المثل الثالث انقلاب الرئيس أمين الجميل على خط شقيقه ونسجه علاقة تفاهم أو تحالف مع سوريا أعطاها بموجبها ما أرادت وأوله إلغاء اتفاق 17 أيار. لكنها لم تقدم له ما أراد، بل انقلبت عليه واستمرت في استخدام علاقتها الجيدة به لتحقيق أهدافها. وكانت “انتفاضة 1984” مثال على ذلك وغيرها كثير. أما المثل الثالث فكان تحالف الدروز والفلسطينيين في الحرب ومع سوريا المشار اليها نفسها. أعطى الفلسطينيون الدروز والمسلمين الكثير. لكنهم حوّلوهم جزءاً من استراتيجيتهم ووسائل تُستخدم لتنفيذها. وفي النهاية صاروا الحكام في الوسط المسلم كله، فأزعجوا سنّته بهيمنتهم، وهدّدوا شيعته وخصوصاً في الجنوب بمقاومتهم غير المنظمة وبعدم أخذهم أمنهم وأمن قراهم في الاعتبار. وأعطتهم سوريا الكثير. لكنها أخذت أكثر. أخذت السيادة والاستقلال وصادرت الدولة وعمّقت “قبْر” الوحدة الوطنية. ومنعت “حركتهم الوطنية” المتحالفة مع الفلسطينيين من الانتصار. ثم اتُهمت في الجبل باغتيال الشهيد كمال جنبلاط.

طبعاً هناك أمثلة أخرى كثيرة يتصل بعضها بالأزمة الراهنة التي تعيشها البلاد، ولا يمكن إغفالها، وسيتم تناولها غداً.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*