لا استراتيجية عربية لمواجهة إيران!


روزانا  بومنصف
النهار
24112017

 

تركز الاهتمام الاساسي لدى اوساط سياسية عدة على محاولة معرفة ما اذا كانت الملابسات التي رافقت اعلان الرئيس سعد الحريري استقالته من الرياض في الرابع من الشهر الجاري هي جزء من استراتيجية عربية متكاملة من اجل مواجهة تمدد النفوذ الايراني في المنطقة، والذي تم التعبير عنه في فصل آخر غير استقالة رئيس الحكومة اللبنانية تحت هذا العنوان في البيان الذي صدر عن وزراء الخارجية العرب الاحد الماضي في القاهرة.

وينقل متصلون بمراجع عربية رفيعة ان هذه الاستراتيجية العربية ليست قائمة او موجودة فعلا انطلاقا من ان لا خريطة طريق فعلية بمراحل محددة تقوم على مواجهة ايران، لا بل هناك تمايز في مواقف الدول العربية لجهة اقتناع البعض منها بان الالتقاء مع واشنطن على مواجهة ايران والعمل على الحد من نفوذها لا يفترض في اي من الاحوال ان تخوض الدول العربية حربا بالوكالة عن واشنطن في وجه طهران في حال كانت هذه النية موجودة لدى العاصمة الاميركية، وفق ما تقول هذه المراجع، لعدم وجود استعداد لدى دول عربية عدة للسير بمعركة لا مصلحة لها فيها. فيما يعتبر البعض الآخر ان ما تواجهه المملكة السعودية في اليمن تحديدا لجهة التهديد الفعلي لأمنها يجعلها رأس حربة في النزاع مع ايران التي تموّل الحوثيين وتمدّهم بالسلاح، علما ان ليس في مصلحة واشنطن ايضا سيطرة الحوثيين على باب المندب والمناطق المجاورة. ومع ان المعلومات المتوافرة لدى هذه المراجع تفيد بتنسيق او بتلاقٍ قوي بين المملكة السعودية والادارة الاميركية في موضوع التصدي لنفوذ ايران، الا ان شيئا من ذلك لا يشمل الملف اللبناني انطلاقا من ان احدا لا يريد وجعا اضافيا للرأس مصدره لبنان اقله في هذه المرحلة، ما ادى الى مداخلات دولية فاعلة وقوية من اجل معالجة الملابسات التي رافقت استقالة الرئيس الحريري ومحاولة اعادة لملمة الوضع اللبناني الى الحد الممكن، انما على وقع عدم اهدار الفرصة التي اتاحتها الاسباب التي اعلنت لهذه الاستقالة. ذلك ان الوضع الذي شكا منه الحريري والذي يُختصر بعنوان كبير يقع تحت عنوان “النأي بالنفس” الذي لم يلتزمه لبنان الرسمي في العام الماضي، كان موضوع شكوى واستياء كبيرين وانتقادات تفاعلت في محطات متعددة على الصعيد الدولي كان ابرزها اخيرا تراجع لبنان الدولة امام “حزب الله” في معركة جرود عرسال قبل ان تعود وتمسك بزمام الامور بالنسبة الى جرود الهرمل والقاع.

يقول هؤلاء المتصلون بمراجع عربية ان المرحلة المقبلة تحمل مؤشرات قد يكون ابرزها: اعادة تحييد لبنان عن مظاهر الصراع الايراني – الخليجي او تفاعلاته، انما على وقع عدم السماح بالعودة الى ما قبل اعلان الرئيس الحريري استقالته. وهذا امر ممكن على قاعدة ان الحريري اظهر انه اعطى فرصة جديدة للبلد في ظل ما يقارب الانهيار الاقتصادي والمالي الذي كان يلوح في الافق على وقع استقالته، وان الكرة باتت في ملعب كل من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون من اجل انقاذ عهده، و” حزب الله” الذي غدا مسؤولا اكثر من اي وقت مضى في حال عدم تقديم اي تنازلات للبلد في ظل مسؤوليته في الدرجة الاولى عن تردي الاوضاع مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج، ما يهدد شريانا حيويا حياتيا مهما للبنان واقتصاده. واستقالة الحريري بهذا المعنى قد تتيح حصد نتائج ايجابية نسبيا على رغم ظروفها والملابسات الصعبة التي شابت اقامة رئيس الحكومة في المملكة السعودية، والتي اكدت حصولها مصادر ديبلوماسية عربية وغربية تقول انها لم توافق إطلاقاً القيادة السعودية على هذه الخطوة. لكن رُبَّ ضارة نافعة في نهاية الامر لفتح الباب امام اعادة تصويب المسار السياسي لموقف لبنان خارجيا كما داخليا، والذي كان يخضع لاعتقاد بان فوز فريق 8 آذار يتيح فرض سياسة خارجية كانت آخذة في التصاعد من دون رادع او من دون حرص على توازنات البلد في الداخل كما في الخارج، ما سيحتم على هذه القوى تحديد اولوياتها في ضوء جملة المعطيات المستجدة على اساس ان انقاذ البلد باتت تتحمل هي مسؤوليته في هذه اللحظة وفي اي اتجاه سيكون قرارها، وفي مقدمهم رئيس الجمهورية. وينسحب التقدير نفسه بالنسبة الى استعادة الحريري ما كان يعتقد على نطاق واسع انه خسره خصوصا لدى طائفته ومناصريه منذ التسوية الرئاسية التي ادت الى انتخاب العماد عون رئيسا للجمهورية، فضلاً عن اثباته مدى الحاجة الداخلية اليه كصمام امان مالي واقتصادي وليس فقط على الصعيد السياسي، بينما لم يكن يعترف له بهذا الموقع او حجم هذا الدور في سياق المكابرة حول انتصار فريق وتنازل الفريق الآخر امامه. فثمة امور كشفت في سياق التطورات الاخيرة. من المؤشرات ايضا انه بقطع النظر عن مآل الوضع اللبناني، على اهمية تحييده، فان مسار التطورات في المنطقة قد لا يحمل في طياته حربا بين اسرائيل و”حزب الله” وفق ما سرى من سيناريوات على اثر تفسير مفاعيل اعلان الرئيس الحريري استقالته على خلفية ان هناك تنسيقا سعوديا مع اسرائيل من اجل ان توجه الاخيرة ضربة موجعة الى لبنان، لكنها قد تحمل ضربة اسرائيلية مباشرة لايران على وقع انزعاج اسرائيلي معلن وواضح من عدم ضمان حدودها من التمدد الايراني في سوريا وعدم مراعاة الولايات المتحدة وروسيا مطالب اسرائيل الى الحد الذي تطلبه في إبعاد ميليشيات ايران و”حزب الله” عن حدودها وعن الجولان. والتعويل راهناً على ما يجري فعليا في الملف السوري باعتباره يمكن ان يحدد معالم المرحلة المقبلة في معظم اتجاهاتها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*