لا أحد “من فوق”!


نبيل بومنصف
النهار
31082018

ربما لا يجوز من الناحية “الاخلاقية” والمبدئية إحباط الناس مسبقا حيال الآمال المتعاظمة على حكومة جديدة يكاد التعويل عليها يوازي حجم الكوارث والازمات التي يعيشها اللبنانيون . ومع ذلك يذهب تعظيم الآمال على الحكومة العتيدة الى حدود خطيرة من شأنها ان تترك تداعيات اشد اذى عليها لاحقا من أي منحى واقعي يتعامل مع واقع الحال بلا أوهام . يمعن الافرقاء السياسيون في صناعة أسطورة وهمية عن الحكومة المقبلة من خلال معارك الاحجام والحصص من جهة كما من خلال طرق تعامل معظمهم مع الازمات المتراكمة من جهة أخرى . لنأخذ مثلا كارثة تلوث نهر الليطاني التي تعد اكبر وأخطر الكوارث البيئية والإنمائية والصحية التي ضربت لبنان في تاريخه الحديث . هذه الكارثة يحلو لبعضهم ان يغسل أيديه منها لمجرد ان يرمي الكرة في ملاعب افرقاء سياسيين آخرين . وما ينطبق على الليطاني ينسحب على الواقع المالي ايضا حيث ينبري افرقاء الى تحميل جهات سياسية ومالية ومصرفية تبعة الخطر الذي يحدق بالواقع المالي وكأنهم براء من كل سياسات العقود السابقة . وبما ان الشيء بالشيء يذكر يصح مقياس المقارنة السلبية نفسه على عمل مجمل الحكومة السابقة التي تصرف الاعمال راهنا لجهة مقارباتها للكوارث الكبيرة التي ضربت وتضرب لبنان قبل بدء ولايتها وبعد استقالتها الحكمية بفعل الانتخابات النيابية . انها الحكومة الاولى في العهد العوني مهما جرى غسل الايدي منها ولو سميت الحكومة اللاحقة التي يجري العمل الشاق على استيلادها بحكومة العهد الاولى . والمسألة ليست هنا بل في معادلة محورية وأساسية يجري تغييبها تماما عن مجريات المخاض الحكومي الحالي . نفهم تماما اصرار الرئيس المكلف سعد الحريري على حكومة توافق وطني تضم كل الافرقاء لانه يدرك تماما ان اي اطار آخر للحكومة لن يجعلها تحكم . لكن هذا الإطار القسري للحكومة لن يسقط حقيقة مدوية وهي ان حكومة تصريف الاعمال الحالية التي جاءت مع بداية العهد والتي كانت بدورها حكومة توافق وطني فضفاض بامتياز لم تضع حدا مطلقا لازمات وكوارث ضربت البلد بل تفاقمت في ظلها كوارث كبيرة من مثل أزمات النفايات وتلوث الليطاني وانفجار أزمات التعليم الخاص في ظل سلسلة الرتب والرواتب المنذرة الآن على أبواب أيلول بانفجارات جديدة ولا داعي لإيراد المزيد المتصل بملفات الفساد وغيرها .. ولا يمكن اي فريق سياسي ان يتنصل من مسؤولية المشاركة الجماعية في الحكومة السابقة ليمارس سياسات الغطرسة والوقوف “من فوق” لاطلاق دروس التعفف في وجه الاخرين ما دام ثمة اصرار مجددا على انخراط الجميع في السلطة وهذه المرة في حكومة مرشحة لان تحصد الرقم القياسي في طول الولاية في جمهورية لبنان البائس . لذا سيتعين على اصحاب الخطاب الفوقي التحلي ببعض التواضع فعلا لان الإفاضة في الزهد المصطنع باتت تشكل إحدى مساخر هذا الزمن الرديء . ولا بد من التذكير تكرارا بان حكومة الوفاق الوطني بمعايير تضييع المسؤوليات باتت صنو الفشل الوطني ان لم يكن أكثر .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*