لئلا يدفع الثمن الثالث!


نبيل بو منصف
النهار
22102018

 

لعل الاشهر الستة التي مرت منذ تكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل حكومته الثانية في عهد الرئيس ميشال عون باتت أكثر من كافية لالقاء الضوء على مفارقة تتخفى وراء المخاض الصعب الذي تخضع له ولادة هذه الحكومة خصوصا في أيامها الاخيرة. هذه المفارقة تتجاوز الإطار المباشر للمناورات والمعارك السياسية والإعلامية الصاخبة الى واقع الرئيس المكلف تحديدا في مواجهة اوضاع مجمل الافرقاء الآخرين حلفاء كانوا او خصوما. والحال ان مجريات عملية التأليف سواء انتهت الى نهاية سعيدة او ذهبت في اتجاهات مجهولة تبرز في خلفيتها الثمن المضاعف الذي تكبده الرئيس الحريري منفردا بين زعامات القوى الرئيسية جراء مماشاته قانون الانتخاب الهجين الطائفي والنسبي الذي اجريت الانتخابات النيابية على اساسه. ذلك ان الرئيس الحريري وتياره الذي كان ولا يزال يشكل الاكثرية الساحقة في الشارع السني تلقيا ضربة مؤلمة جراء مماشاة قسرية لقانون انتخابي كان الحريري أصلا مناهضا له بقوة ومن ثم كانت تسوية لم تؤثر ايجابا في رفع مستويات التعويض الانتخابي والسياسي للحريري مع انها ادت خدمات جلى للافرقاء الآخرين. تمركزت معظم نتائج الانتخابات في مكاسب كبيرة للافرقاء الآخرين الذين كانوا واقعيا شركاء الحريري في الحكومة الاولى في عهد عون فيما تراجعت مكاسب الحريري جراء عوامل عدة كان اشدها ايلاما عليه تسليمه بذاك القانون في المقام الاول. لم يطل الامر كثيرا ليبدأ الفصل الثاني من تداعيات القانون ونتائج الانتخابات على الحريري تكرارا من خلال انحراف عملية تأليف الحكومة في اتجاهات جامحة نحو تغيير قواعد اللعبة حتى من خلال اختراقات وتجاوزات موصوفة للدستور نفسه. حاصرت تداعيات الانتخابات الرئيس المكلف في عنق الزجاجة من خلال استقواء فريق العهد وتياره اولا بنتائج الانتخابات لأحداث قواعد سياسية وأعراف تتجاوز النص والمفهوم الدستوري لمعنى إمساك الرئيس المكلف بقواعد تشكيل الحكومة ومعاييرها ولو ملزما دستوريا بالتوافق مع رئيس الجمهورية. كما حوصر بمعارك تصفيات الاحجام والحصص بين الثنائية المسيحية العونية القواتية بالدرجة الاولى ليخلص المخاض الآن الى كمين نصب عشية الولادة المفترضة ودس لغم اضافي امامه يتمثل بتمثيل سنة الفريق “الممانع”. لسنا ندري ما اذا كان الحريري في وارد مراجعة ذاتية لمجمل المأزق خصوصا انه لا يبدي اي تراجع عن اقتناعاته بالمضي في التسوية القائمة منذ انتخاب الرئيس عون مهما رتبت عليه تنازلات. ومع ذلك لا يمكن تجاهل الأثر الخطير والعميق للثمن الذي سيرتبه تكريس أعراف وقواعد فرضها هذا المخاض بقوة الابتزاز والاستقواء وتصفية الحسابات وزيادة مكاسب للافرقاء الذين يجمعهم محور اقليمي يجد نفسه متفوقا في المنطقة وعبر لبنان ايضا. وبذلك من حق كثيرين ان يتخوفوا من المهلة الاخيرة قبل الولادة المتأخرة والمرجأة تكرارا للحكومة من منطلق ان الفريق الآخر الذي اختار التوقيت الموجع لفرملة الولادة بدوافع داخلية واقليمية مكشوفة يراهن ضمنا على الخاصرة الرخوة لدى الحريري التي تجعله يتمسك بالتسوية ولا يبارحها تحت اي ضغوط… الا اذا فاجأتنا الايام بما لا نحسب لإمكان حدوثه!

nabil.boumounsef@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*