لإعمار سوريا تُفضِّل روسيا أميركا وأوروبا… لا الصين!

سركيس نعوم
النهار
06112018

في السابع عشر من شهر أيلول الماضي توصّل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى اتفاق مع الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان في “سوتشي” جنّب إدلب مدينة ومحافظة وجواراً عمليّة عسكريّة سوريّة نظاميّة داهمة هدَّدت نحو مليونين ونصف مليون مُقيم فيها من أبناء لها ونازحين إليها. وأثار ذلك في حينه ولا يزال يُثير أسئلة عدّة أبرزها الآتي: ماذا دفع تركيا وروسيا إلى اتفاق كهذا؟ كيف يصبُّ الاتفاق، الذي يمنع الرئيس السوري بشّار الأسد من استعادة مناطق من مقاتلين يُهدِّدون المصالح الروسيّة، في أجندة بوتين لمرحلة ما بعد انتهاء الصراع أو الحرب في سوريا؟ هل يستطيع الأطراف كلّهم دعم الاتفاق وتأييده؟ وإذا كان الجواب سلبيّاً ماذا يمكن لهذا الاتفاق أن يُنجز؟

عن سؤال: لماذا تحتاج تركيا إلى اتفاق “سوتشي” المُتعلّق بإدلب؟ يُجيب عاملون جديّون في مركز أبحاث أميركي نشيط وواسع الاطّلاع بالقول إنّها كانت “مكعومة” ولذا دفعت في اتجاه البحث فيه وإنجازه. فموقفها في سوريا ومنها كان في ذلك الوقت خطراً أو على الأقل محفوفاً بالأخطار. أولاً لأن قوّاتها العسكريّة مُتمركزة على أطراف إدلب التي تُسيطر عليها “المعارضة”، وذلك من أجل ردع أي محاولة من نظام الأسد لاستعادتها بالقوّة. وإذا نُفِّذت محاولة كهذه فإن خطر اصطدامها بالقوّات التركيّة هناك كبير وإن حاولت القيادة السياسيّة في أنقرة تلافي ذلك. ومن شأن هذا الأمر دفع تركيا إلى وضع أكثر تعقيداً. وثانياً لا بُدّ أن تُسفر أي عمليّة هجوميّة عسكريّة سوريّة واسعة على إدلب عن نزوح مئات الآلاف من أبنائها اللّاجئين إليها عنها، وعن محاولتهم دخول تركيا التي ستجد نفسها مُضطرّة إلى اتّخاذ إجراءات وتدابير غير مُستحبّة على الحدود لإبقاء هؤلاء داخل سوريا، أو إلى تحمّل عبء اقتصادي ثقيل جدّاً إذا قرّرت استقبالهم على أرضها، ولا سيّما في ظلّ أزمتها الاقتصاديّة والنقديّة الصعبة. وثالثاً إذا بدت تركيا مُتواطئة مع سوريا وأيضاً مع روسيا في موضوع استعادة إدلب بالقوّة العسكريّة فإن المجموعات المعارضة، حتّى التي منها تدعمها أنقرة، قد تُنفِّذ هجمات انتقاميّة على تركيا. وهي قد تستهدف وحدات عسكريّة لها مُتمركزة في إدلب وشمالي حلب أو أهدافاً داخل أراضيها. وقد وُجّه إنذار واضح ومُحكم بهذا المعنى إلى أردوغان بواسطة “فيديو” صُوِّر على الحدود التركيّة وجاء فيه: “إذا بعت إدلب فسيكون ذلك جدارك ونفقُنا . وسنبلغ منطقة “الريحانلي” في أقلّ من ساعتين”. في اختصار سيخلق هجوم عسكري سوري واسع النطاق على إدلب ظروفاً تجعل تركيا تخسر السيطرة على وضع هو هشّ أساساً.

لماذا تريد روسيا اتفاق “سوتشي”؟

يُجيب الباحثون الجديّون في المركز الأميركي نفسه بالقول إن لموسكو يداً أكثر حريّة عندما يتعلّق الموضوع بإدلب، ولهذا فإنّها تستطيع أن تضع “أجندة” أكثر طموحاً. إذ كانت تستطيع رغم الاحتجاجين التركي والغربي دعم هجوم النظام السوري لاستعادتها. علماً أنّها قد تفعل ذلك مُستقبلاً. لكنّها تُعطي الأولويّة الآن إلى الجهود الديبلوماسيّة الواسعة. إذ منذ كانون الثاني 2017 ألقت موسكو ظلالاً كثيفة على “مسار جنيف” الذي تقوده الأمم المتّحدة بواسطة المحادثات التي قادتها مع سوريا في “أستانا” و”سوتشي”. وهي تابعت مسارها هذا مع داعمي الأسد من الكبار وفي مقدّمهم إيران وتركيا التي تصرّفت ولا تزال تتصرّف كضامن للمعارضة وذلك ربّما لإعطاء “الأجندة” الروسيّة مزيداً من الصُدقيّة. وبوجود تركيا على الطاولة تمكّنت روسيا من تحويل مبادراتها تسويات بتطعيمها بعناصر براغماتيّة من المعارضة، محاولة بذلك إعطاء النظام السوري “قشرة” من المكاسب ولا سيّما على صعيد شرعيّة الديبلوماسيّة. طبعاً، يضيف هؤلاء، قامت روسيا بأمور عدّة عام 2017 و2018 كان أبرزها عقد مؤتمر في “سوتشي” للبحث في دستور جديد لسوريا. لكن الأسئلة التي طُرحت بعد ذلك كانت الآتي: لماذا صرفت روسيا الوقت والمال والقوّة والنفوذ والفاعليّة لإعطاء “الأجندة” الديبلوماسيّة أولويّة؟ ولماذا لم تُساعد الأسد بكل بساطة لاستعادة البلاد كُلِّها بالقوّة العسكرية بدلاً من إضاعة جهودها في “أستانا” و”سوتشي” و”جنيف”؟

والجواب عنها كلّها هو أن أنظار روسيا كانت مركّزة على إقناع الغرب بتمويل إعادة بناء سوريا بعد انتهاء حروبها. علماً أن دمشق تستطيع التوجّه إلى الصين ودول أخرى لتمويل إعادة البناء. لكن روسيا تُفضِّل تمويلاً أوروبيّاً وأميركيّاً، والسبب رغبتها في أن تكون المُحاوِر الوحيد بين الغرب ودمشق. طبعاً لا تزال شروط الغرب الحاليّة للتمويل غير مُلائمة لموسكو لإصراره على انتقال سياسي مضمون من الأمم المتّحدة يكون بديلاً من الأسد. وفي هذا المجال يأمل بوتين في تأمين تسوية سياسيّة أقل من تغيير النظام يقبلها الغرب، وتتضمّن دستوراً جديداً وانتخابات يستطيع الأسد وموسكو التأثير في مجرياتها وحدودها. لكن ليس واضحاً حتّى الآن إذا كانت أميركا وأوروبا ستقبلان ذلك. علماً أن الروس يأملون في توظيف مخاوف أوروبا من موجة نزوح سوريّة جديدة إلى دولها. وهم ربّما لا يزالون يأملون في نجاح رهانهم. وعلماً أيضاً أن أي صدقيّة لتسوية سياسيّة تحتاج إلى “ختم” مفاوضي المعارضين السوريّين. كما أن استمرار المشاركة التركيّة في التفاوض حيوي جدّاً. وفي هذا المجال ربّما يكون هدف روسيا من اتفاق منع الهجوم العسكري على إدلب إبقاء تركيا مُنخرطة في جهودها الديبلوماسيّة. ذلك أنها تعرف انها تمتلك القدرة على إدارة الأوجه الأمنيّة والضربات المُرتدّة في عمليّة عسكريّة واسعة شمال سوريا، وتعرف أن تركيا لا تستطيع ذلك. وهذا ما دفعها إلى التسليم لأنقرة بدور.

هل ستدعم تركيا و”المعارضة السوريّة” اتفاق إدلب أو ستستمرّ في دعمه؟

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*