لأميركا أربعة أهداف آخرها سوريا

 

سركيس نعوم
النهار
29082017

الموضوع الثاني في الشرق الأوسط، الذي يُثيره المسؤولون الأميركيّون والديبلوماسيّون الأجانب والمحلّلون البارعون أنفسهم، هو إيران ودورها في سوريا والموقف
الأميركي من التطوّرات الحالية ومن الدور الروسي فيها. وهم يتساءلون، في ظل انشغال إدارة ترامب بالتعامل مع الاضطراب الذي يسود علاقات حلفاء أميركا في الخليج، عن المسؤولين في فريقه الرئاسي الذين يُفترض أن يكونوا في مواجهة مستمرّة لإيرانٍ عدائيّة، وأن يكونوا يحاولون وضع استراتيجيا لسوريا حيث حليف إيران بشّار الأسد يكسب المزيد من القوّة يوميّاً. والتقارير التي نُشرت قبل مدّة عن قرار الإدارة الأميركيّة التوقّف عن استخدام الـ”سي. آي. إي” لمساعدة المتمرّدين على الأسد، هي الإشارة الأحدث إلى أن الولايات المتحدة خفّضت طموحاتها في سوريا. وربما دفعها إلى هذا القرار تشجّعُها بحقيقة أن التدفّق الكثيف للاجئين الذي هدّد بإغراق أوروبا قد انتهى، واقتناعها بأن ذلك يسهّل تركيز الإدارة في واشنطن على ما تعتبره التهديد الفعلي الوحيد للأمن القومي وهو “داعش”. وقد عبّر عن ذلك وبصراحة فظّة مسؤول رئيسي فيها بقوله: “لدينا أهداف محدودة. الهدف الأوّل هو إنهاء الحملة العسكريّة لـ”داعش” التي بدأت عام 2014. والهدف الثاني هو العمل لإقامة بيئة مستقرّة في المناطق التي كانت يوماً تحت سيطرة “داعش”، وذلك من أجل الحؤول دون بقاء جذور عميقة يمكن استغلالها لتكوين “راديكاليّة” سُنيّة من نوع جديد ربما تكون أكثر خطورة. والهدف الثالث هو حماية حلفائنا، وفي مقدّمهم الأردن وإسرائيل، من تهديدات مصدرها سوريا. أما الهدف الرابع والأخير فهو التشجيع على خفض العنف في الأخيرة بالعمل مع الروس على وضع “تصميم” لتسوية سياسيّة لسوريا في المستقبل. ومجرّد اعطاء “مستقبل” سوريا وتسويتها السياسيّة وصيغتها المرتبة الرابعة في الأهداف التي يفترض أن تسعى أميركا إلى تحقيقها يعني”، في رأي المسؤول نفسه، “اعترافاً أو تسليماً بقدرتها المحدودة على التأثير في الأحداث في سوريا أو على ضبطها. وقد قاد ذلك الإدارة إلى تجديد جهودها لإشراك الروس الذين يمتلكون قدراً معقولاً من التأثير على الأسد. وحتى مع هذا التأثير”، يقول المسؤول نفسه، “فإن الأسد لا يعوِّل على الروس كثيراً وثقته بهم غير مُطلقة. علماً أن آخرين يقولون أنه من الصعب معرفة كيف يرى الروس مصالحهم في سوريا”. أمّا إيران فتبقى “اللاعب الرئيسي”. والانتقادات الموجّهة إلى السياسة السورية للإدارة تلاحظ أن طهران ضاعفت استثمارها في نظام الأسد، وربحت وعزّزت موقعها في “المشهد” السوري. ومن شأن ذلك السماح لها بجسر برّي دائم مع “حزب الله” حليفها في لبنان. طبعاً، يضيف المسؤولون الديبلوماسيّون الأجانب والمحلَّلون أنفسهم، أن تقدّم إيران تحقّق عندما وافق ترامب “مرّتين” على مضض على أنّها تنفّذ “الاتفاق النووي” كاملاً. ويُشاع هذه الأيام أنه لن يكرّر هذا الخطأ مرّة ثالثة. لكن عليه أن يعرف أن إقدامه على ذلك يعني انسحاب أميركا منه. وهذا أمر يراه خطأ كبيراً الذين انتقدوا “الاتفاق” في السابق. وقد عبّر عن ذلك مسؤول في الكونغرس بالقول: “لن يكون لدينا حلفاء لمساعدتنا على تنفيذ العقوبات، والإيرانيّون سيكونون أحراراً لاعادة بدء مشروعهم النووي أو بالأحرى لاستئنافه”. والذين عارضوا “الاتفاق” لا يريدون التخلّي عنه الآن، بل يريدون أن تبدأ أميركا وحلفاؤها العمل لمواجهة احتمال حصول إيران على حريّة تطوير برنامجها النووي بعد انتهاء مدّة “التجميد” المحددة بـ 10 سنوات من “الاتفاق”.

هل يعني كلام هؤلاء وتحليلاتهم أن الأسد حقّق النصر في الحرب التي يخوض منذ سنوات لاستعادة السيطرة على سوريا كلّها، وللبقاء على رأسها حاكماً رغم كل الويلات التي شهدتها في عهده؟

يعني في نظر مُتابعين جدّيين أنه حسّن وضعه كثيراً بسبب استشراس إيران و”حزب الله” في الدفاع عنه ثم روسيا بعدما استنجدت بها طهران تلافياً لانهياره. لكنّه لا يعني أن سوريا وصلت إلى نهاية حربها. فهي لا تزال في المرحلة قبل النهائيّة. والنهائيّة لا يعرف أحد ملامحها بعد. فهي ترتبط بمواقف روسيا وأميركا وإيران واستطراداً إسرائيل. وقرار الأسد رغم عناده لم يعُد ملكه مئة في المئة. وأميركا رغم أخطائها السورية لا تزال الدولة الأعظم وإسرائيل حليفة لها ولروسيا ولا حل في المنطقة لها من دونها. وإيران ستكون دولة أساسيّة إقليميّاً. والباقي أي حقوق الشعوب والمبادئ فتفاصيل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*