كيف نعيش من دون صحافة؟

 

الياس خوري
Jun 19, 2018
القدس العربي

 

حال الصحافة كحال شهداء  لبنان وجلّهم صحافة

لم يخطر في بالي يوماً أنني أستطيع أن أعيش من دون قراءة الصحف.
وأنا لا أتكلم هنا عن هيمنة الانترنت، فللانترنت فضائل عديدة أهمها أنه كسر جدار الممنوعات بشكل نسبي، وسمح لنا بقراءة ما نشاء من الصحف من خلف الكومبيوتر.
تعودت على شرب القهوة أمام الكومبيوتر، صحيح أن الأمر لم يكن سهلاً في البداية، لكنك لا تستطيع أن تبقى خارج زمنك، فصارت القراءة الصباحية للصحف والأخبار على الانترنت جزءاً من نمط حياتنا الجديدة.
أنا أتكلم عن الفراغ الفكري والسياسي الذي ضرب الصحافة اللبنانية بلعنتين:
الأولى اسمها الخواء، والثانية اسمها اللامصداقية.
وأنا لا ألوم الصحف أو ما تبقى منها وحدها، ولا أعتقد أن المال السياسي الذي كان جزءاً من الصحافة اللبنانية منذ الخمسينيات هو المسؤول.
إذاً لماذا لا تصمد أي جريدة أكثر من خمس دقائق بين أيدي القراء.
لا تقولوا أنه عصر السرعة والانترنت ووسائل الاتصال الاجتماعية، فلا شيء يستطيع أن يحجب مقالاً فكرياً أو سياسياً عميقاً، ولا شيء يمنع الناس من القراءة سوى الخواء واللامصداقية.
والمسؤولية ليست مسؤولية الصحافيين، ماذا يستطيع الصحافي اللبناني أن يكتب في زمن جبران باسيل؟ أو في هذا الزمن العربي الذي يحتله الكيميائي من جهة، وكوليرا الأصولية من جهة ثانية.
كيف تستطيع أن تحلل مسار تشكيل الحكومة اللبنانية، عندما تكتشف أن فدرالية الطوائف قررت تحويل النظام الفدرالي غير المعلن إلى بنية السلطة، وأن هم السياسيين اللبنانيين بعد الانتخابات النيابية لا علاقة له بالدين العام أو إفلاس الدولة أو إخراج لبنان من الصراع الاقليمي الوحشي أو وقف الإنقلاب الزاحف الذي يمارسه حزب الله…
فالسياسة اللبنانية ماتت، إنها تدور اليوم حول لعبة لغوية إجترحتها عبقرية وزير الخارجية والتي بدأت بتغيير اسم المغتربين الى منتشرين، وتواصلت مع تغيير إسم اللاجئين السوريين إلى نازحين، ووصلت إلى ذروتها مع افتعال معركة دونكيشوتية مع مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة.
باسيل يحك على جرحين:
الأول هو العظامية اللبنانية على الطريقة السعيد عقلية، وهنا يأتي الإصرار على الانتشار بدل الاغتراب. ينسى الوزير أن اللبنانيين اغتربوا بسبب الفقر والجوع وهرباً من الحروب والموت. اغتربوا بحثاً عن مأوى، ولم ينتشروا كالفاتحين. عدم رؤية الواقع وتجاهل الحقيقة، هي آفة لبنانية مستعصية، فلا تزال المهرجانات السياحية الصيفية تتوالى، رغم عدم وجود السياح، ورغم الشطآن المنهوبة والملوثة والجبال التي تقضمها الكسّارات والنفايات التي لا تجد لها حلاً سوى في تلويث البحر.
أما الوجه الباسيلي الآخر فهو رفض الاعتراف بواقع اللجوء السوري، فالسيد باسيل ووالد زوجته الرئيس، كانا منذ بداية المأساة السورية التي صنعها نظام وحشي قرر أن مصير سوريا هو الخراب، متعاطفين ومتحالفين مع نظام بشّار الأسد. هذه العقدة من اللاجئين الفقراء تحك جرحاً طائفياً، وتوقظ وهم تحالف الأقليات ضد الأكثرية. والوزير ينسى أن جزءاً من المأساة صنعه مقاتلون لبنانيون ذهبوا «للدفاع» عن «مقام السيدة زينب»، فساهموا في طرد السوريين وتهجيرهم من بلادهم.
ونأتي أخيراً إلى المشكلة المفتعلة مع مفوضية اللاجئين، وهي ليست سوى مقدمة لعودة نفوذ النظام السوري إلى لبنان، التي بدأت طلائعه مع «الودائع» السورية في المجلس النيابي الجديد. هل سأل الوزير اللبناني نظيره السوري إذا كان نظام الأسد مهتماً بعودة اللاجئين، وما معنى القانون رقم 10 الذي يسعى إلى تجريدهم من أملاكهم؟
إنها حفلة تنكرية لا يستطيع أحد فهمها بشكل منطقي، فالسياسة اللبنانية خرجت عن المنطق، وصارت لعبة كلمات متقاطعة، تبدأ بمحاربة الفساد وهي مهمة على الفاسدين القيام بها! ولا تنتهي إلا على أعتاب المحاصصة الوزارية التي تلغي النظام الديمقراطي بشكل فعلي.
ماذا نقرأ إذا كنا سنفتتح صباحاتنا بتحليل البديهي الذي نعرفه ونحاول أن نتحايل عليه كي لا نقول ما يجب أن يقال. وللإنصاف فإن من هم مستعدون لقول الحقيقة باتوا مهمشين أو خارج اللعبة. فبيروت فقدت غوايتها، ولم تعد صحافتها تجد القدرة على الاستمرار إلا بشق النفس، والصحافيون هم في النهاية جزء من النظام السياسي والاجتماعي الذي يتآكل.
أما الأخبار العربية فإنها لا تقل عبثية ولا جدوى عن الأخبار اللبنانية، فلقد وصلت الوقاحة بالأنظمة العربية حدوداً غير مسبوقة. نزعت الأنظمة جميع أقنعتها، ومن لم ينزع القناع بنفسه تكفل نتنياهو بإزالته، أو عليك أن تقرأه في تصريحات إيرانية أو روسية أو أمريكية، تكشف كل شيء وتعري النظام العربي.
لا يبقى سوى ملاحقة أخبار القصور وكواليس مؤامرتها، أما حكايات الناس العاديين فلا تجد لها مكاناً إلا حين ينفجر الوضع كما حصل في عمان مؤخراً، أو حين تسيل الدماء الفلسطينية أمام بوابات غزة المقفلة.
كيف نقرأ وماذا ونحن نرى الشرطة الفلسطينية تسحل المتظاهرين في رام الله لأنهم طالبوا برفع الحصار عن غزة، أو ونحن نتابع مآسي نساء لبنان اللواتي يخطف منهن أبناؤهن بقوة قانون ذكوري لا يزال مصراً على أن المرأة اللبنانية لا تستطيع منح جنسيتها لأبنائها بينما تمنح الجنسية لرجال المافيات والأغنياء.
أين تقع المشكلة؟
هل المشكلة في الصحافة التي صارت هامشاً في حياتنا أم في زمن الانحطاط الذي حوّل حياتنا إلى عبء لم نعد قادرين على احتماله؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*