كيف شكّل النزاع السوريّ “منجم ذهب” لكوريا الشماليّة؟

 

جورج عيسى
النهار
02092017

 

في الثاني والعشرين من آب الماضي، نقلت وكالة “رويترز” أبرز ما جاء في تقرير صادر عن الأمم المتّحدة مفاده أنّ شحنتين من#كوريا_الشماليّة كانتا تتّجهان إلى سوريا تمّ اعتراضهما خلال الأشهر الستة الأخيرة. التقرير السرّي الذي حضّره خبراء أمميّون وحوّلوه إلى مجلس الأمن بداية آب واطّلعت عليه “رويترز”، تألّف من 37 صفحة. لكنّه مع ذلك لم يعطِ تفاصيل مرتبطة بالمكان والزمان اللذين تمّ اعتراض الشحنتين خلالهما. وأبرز ما جاء فيه أنّ لجنة الخبراء “تحقّق في ما تحدّثت عنه تقارير بشأن تعاون محظور في مجال الأسلحة الكيميائيّة والصواريخ البالستية والأسلحة التقليديّة بين #سوريا وجمهوريّة كوريا الشعبيّة الديموقراطيّة” (كوريا الشماليّة).
وقد اعترضت إحدى الدول الشحنة فيما أعربت دولة أخرى عن اعتقادها بأن البضاعة جزء من اتفاقية وقّعتها شركة “كوميد” مع سوريا. “كوميد” وهي مختصر اسم الهيئة الكوريّة للتعدين وتنمية التجارة، وُضعت على اللائحة السوداء لمجلس الأمن سنة 2009 كما تمّ توصيفها بأنّها الباب الأساسيّ لكوريا الشماليّة للتعاقد وتصدير المواد المرتبطة بالأسلحة التقليديّة والصواريخ البالستيّة. وتذكّر “رويترز” بأنّ مجلس الأمن عاد في آذار 2016 ووضع ممثّلين للشركة على لائحته السوداء. وكانت الشحنتان موجّهتين إلى شركات تعتبر واجهة لمركز جمرايا السوري للأبحاث العلميّة الذي أشرف على برنامج الأسلحة الكيميائيّة منذ سبعينات القرن الماضي. وتحدّثت وسائل إعلاميّة سنة 2013 عن اعتراض السلطات التركيّة سفينة ليبيّة التسجيل كانت متوجّهة إلى سوريا وعلى متنها أسلحة وذخائر وأقنعة واقية من الغاز، أرسلتها كوريا الشماليّة.

وكان مدير المرصد السوريّ لحقوق الإنسان رامي عبد الرحمن قد تحدّث سنة 2013 عن وجود ما بين 11 إلى 15 عسكريّاً من كوريا الشماليّة إلى سوريا، مضيفاً إلى “العربيّة” أنّ من بينهم من يتكلّم اللغة العربيّة ومهمّتهم تقديم خدمات الدعم اللوجستيّ للنظام في دمشق.

دوافع التعاون

يؤكّد كثر أنّ مصالح مشتركة عديدة تجمع قيادتي البلدين اللذين أطلقا مسيرة تعاونهما منذ أواخر ستّينات القرن الماضي. فالدولتان معاقبتان بنسب متفاوتة من الغرب وعلى رأسه الولايات المتّحدة. كما أنّ الأدبيّات السياسيّة للنظامين تقوم على معاداة #واشنطن وتحريض شعبيهما ضدّ الإدارة الأميركيّة على اعتبار أنّها مسؤولة عن معظم مشاكل العالم بما فيها الأزمات التي تعاني منها #دمشق و#بيونغ_يانغ نفساهما. وهذا يشكّل دافعاً رئيسيّاً كي يتّجه رئيسا الدولتين إلى التعاون جدّيّاً في أكثر من مجال، وخصوصاً الميدان العسكري، مع استمرار واشنطن في وصف الولايات المتّحدة لكلا النظامين ب “المارقين”.

رسائل وهدايا و “تقدير كبير”

ذكر تقرير أعدّته صحيفة “ذا دايلي أكسبرس” الإلكترونية أنّ مقالاً صدر في صحيفة كوريّة شماليّة أشار إلى أنّ الرئيس السوريّ بشّار الأسد “يقدّر كثيراً” كيم يونغ أون. فيما كتبت صحيفة أخرى أنّ كيم تلقّى هديّة عندما زارته شخصيّة سوريّة رفيعة المستوى. وكان الزعيم الكوري الشمالي قد وجّه رسالة تهنئة إلى الأسد بعد إعادة انتخابه أميناً عاماً لحزب البعث قال فيها إنّ “إعادة انتخابكم هو تعبير عن الدعم الثابت والثقة العميقة لقيادة الحزب وجميع أعضائه بكم”. ووصف قيادة الأسد بال “حكيمة” مشيراً إلى أنّ حزب البعث والشعب السوريّ “يدافعان عن السيادة والكرامة ووحدة أراضي” البلاد، ويفشلان المخطّطات التي ترسمها “القوى العدائيّة”.

وحين هاجمت الولايات المتّحدة قاعدة الشعيرات العسكريّة في نيسان الماضي، أصدر الزعيم الكوري بيان إدانة وتضامن مع سوريا، واصفاً الخطوة الأميركيّة بأنّها “عمل غزو متهوّر”. تبادل الرسائل بين الرئيسين ليس عرضيّاً، فقد هنّأ الأسد نظيره بمناسبة عيد ميلاد الزعيم الكوريّ الأسبق كيم إيل سونغ والذكرى الخامسة لانتخاب كيم.

مأساة للسوريّين منجم ذهب للكوريّين

يشير الكاتب في مجلّة “كوارتز” الأميركيّة ستيف مولمان أنّ النزاع في سوريا كان مأساة بالنسبة لملايين السوريّين، لكنّه شكّل مردوداً جيّداً لكوريا الشماليّة. وينقل عن دراسةلأستاذ العلوم السياسيّة في جامعة “أنجيلو ستايت” الأميركيّة بروس بيكتول قوله إنّ سوريا هي “منجم ذهب لكوريا الشماليّة”. بيكتول الذي أصدر عدّة كتب عن تلك البلاد أضاف: “كان هذا (الصراع) أفضل شيء حصل لكوريا الشماليّة طالما أنّ سوريا لم تقع”.

مولمان كتب أيضاً عن تقارير تحدّثت عن إرسال بيونغ يانغ لجنود ومستشارين إلى سوريا، وقد كسب هؤلاء خبرة من النزاع والتي سيستعين بها النظام الكوريّ في أيّ حرب مقبلة. وكان بيكتول قد لفت النظر إلى أنّ الكوريّين راقبوا كيفيّة استخدام الجنود السوريّين للسلاح الكيميائيّ كي يعلموا آليّة استخدامه أيضاً في أيّ نزاع محتمل تشهده شبه الجزيرة الكوريّة. وبذلك، بعدما كانت دمشق واحدة من أهمّ زبائن كوريا الشماليّة، أصبحت بالاشتراك مع إيران، أهمّهم بحسب بيكتول.

من يموّل؟

لكنّ هذه المساعدة التقنيّة والعسكريّة تفتح نافذة تساؤل حول هويّة مموّل تلك العمليّات. فدمشق لا تستطيع دفع التكاليف التقنيّة التي غالباً ما تكون مرتفعة، كما أنّ بيونغ يانغ بحاجّة ماسّة للسيولة من أجل تطوير برامجها العسكريّة. لذلك يعتقد مراقبون أنّ طرفاً ثالثاً تدخّل ليموّل الشحنتين الأخيرتين اللذين تحدّث عنهما التقرير الأممي.

يرى المدير التنفيذي لمؤسسة “الدفاع عن الديموقراطيّات” مارك ديوبوفيتز أنّ هنالك احتمالاً كبيراً في أن تكون إيران هي وراء التمويل. ونقل موقع “ذا دايلي بيست” الأميركي قوله: “من المعقول أن يكون أكبر داعم ماليّ وعسكريّ للأسد قد دفع ثمن الشحنتين”. لكن مع ذلك، يمكن أن تكون صورة هذا التمويل “معقّدة” كما يقول خبير الشؤون الكوريّة في المؤسّسة نفسها أنتطوني رودجييرو. وينقل “الدايلي بيست” عنه ايضاً إشارته إلى أنّه “من غير الواضح ما يجب أن يقدّمه السوريّون كسلعة” إلى بيونغ يانغ. هذا قد يؤشّر إلى إيران – لكنّ المعاملات الماليّة لكوريا الشماليّة “تقاد من خلال شبكة من الشركات الأماميّة (الواجهة) لذلك، ليس من السهل تتبّعها” بحسب رودجييرو.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*