كيف سترث الصين دور الولايات المتحدة


مروان  أسكندر
النهار
22062018

على رغم انشغال مشاهدي برامج التلفزيون على المحطات الدولية بمجريات نهائيات بطولة العالم لكرة القدم في روسيا شاهدت برنامج فريد ذكريا الذي يراجع التطورات الدولية “السياسية والاقتصادية الدولية في برنامج اقتصادي سياسي اسبوعي يبث على شبكة “سي إن إن .

برنامجه الاخير شمل مقابلة مع وزير خارجية سابق لبريطانيا ورئيس سابق لحزب العمال، وجه اليه سؤال ما هو دور الصين في المستقبل استنادًا الى مواقف الرئيس الاميركي من التعامل مع كندا وفرض رسوم بمعدل 25 في المئة على مستوردات من الصين الى الولايات المتحدة بقيمة 35 مليار دولار قد ترتفع الى 50 مليار دولار.

أجاب المسؤول البريطاني السابق، بأن سياسات ترامب انفعالية وغير مدروسة تستند الى قضايا آنية، وتقويمه لمفاعيلها غير دقيق، في حين أن سياسات الصين، ومن أهمها حديثاً التمهيد للاتفاق الاميركي مع زعيم كوريا الشمالية، سياسات بعيدة المدى تهدف الى تعزيز دور الصين عالمياً، إن على صعيد ضمان أمان شبه الجزيرة الكورية، أو على صعيد توثيق العلاقات السياسية والاقتصادية للصين عبر تنفيذ مشروع طريق الحرير. فالصين مصممة على تنفيذ هذا المشروع الذي، إن شمل الهند بالاضافة الى بلدان عدة أخرى كباكستان واليونان ودول الخليج سيشمل دولاً تشكل في مجموع انتاجها 35 في المئة من حجم الاقتصاد العالمي. وبما ان الصين، التي حسنت أوضاعها المالية الداخلية حاليًا، تنمو بمعدل 7 في المئة سنويًا مقابل نمو لم يتجاوز2.5 في المئة في الولايات المتحدة، سوف تتجاوز حجم الاقتصاد الاميركي مع انقضاء عشر سنين يكون خلالها مشروع طريق الحرير قد تطور الى حد بعيد.

بعد مقابلة المسؤول البريطاني سابقًا وسماع تحليله، أجرى فريد زكريا مقابلة مع سوزان رايس مستشارة الأمن القومي أيام رئاسة أوباما، وقد عرضت رأيها بأن ترامب اهان كندا في صميم كيانها حينما اعتبر ان رئيس وزرائها طعنه في الظهر وان كندا تستفيد من التعامل مع الولايات المتحدة أكثر بكثير من استفادة الولايات المتحدة.

الصديق والاقتصادي اللبناني – الكندي العريق في معرفته بالاقتصاد الكندي الدكتور عاطف قبرصي، وهو عضو في لجان حكومية كندية متعددة تتناول الشؤون الاقتصادية، يؤكد ان صادرات كندا الى الولايات المتحدة لا توازي 40 في المئة من مستورداتها من الولايات المتحدة وتالياً إذا كانت ثمّة خسارة، وتبادل البلدين يستند الى اتفاق التجارة الحرة بين كندا والولايات المتحدة والمكسيك الذي أُنجز من أيام رئاسة كلينتون، فالخسارة تصيب كندا، ولذا فإن وصف ترامب لرئيس وزراء كندا بعيد عن الحقيقة، ولعلّ الاهانة التي وجهت الى كندا تمثلت في تهجم للمستشار الاقتصادي للرئيس الاميركي على رئيس وزراء كندا قائلاً إنه يستحق أن يكون في جهنم.

بالنسبة الى التعامل مع الاتحاد الاوروبي، يرى الاقتصاديون من ذوي الخبرة ان الرسوم على مستوردات الصلب والألومينيوم من الاتحاد الاوروبي لن تؤثر الى الحد الذي يفترضه الرئيس الاميركي. فعلى سبيل المثال، سيارات “مرسيدس” لن يصيبها قرار ترامب لان شركة “مرسيدس” تنتج السيارات في الولايات المتحدة ويمكنها التوفيق بين حاجات السوق الاميركي وقدراتها على الانتاج محليًا في الولايات المتحدة.

وفي تقديرات رايس أن خطوات الرئيس الاميركي تُهدّد النظام العالمي للتبادل بضرر كبير قد ينعكس انكفاء في حركة التجارة العالمية وتوسعًا في المبادلات الاوروبية وخصوصاً مع دول أصبحت أعضاء في الاتحاد وحققت نجاحات اقتصادية ملحوظة مثل بولونيا وتشيكيا وسلوفينيا. والأوروبيون باتوا مدعوين الى زيادة التعاون في ما بينهم والانكفاء عن السوق الاميركي، وهذا النهج تدعو الى تحقيقه المانيا، التي، في المناسبة، تفوق صادراتها الصادرات الاميركية.

الصين لديها برامج مدروسة لسنوات تتجاوز استهدافات الولايات المتحدة، واحتياطها من الدولار يشكل دائمًا عثرة في وجه السياسات الاميركية، ومن المؤكد ان استعمالها لبعض ما تكدس لديها من الدولارات والذهب سيمكنها من تجاوز أي عقبات اضافية قد يلجأ ترامب الى ابتكارها.

اذا أقرت الصين فرض رسوم على استيراد المنتجات الاميركية التي مراكز انتاجها في الوسط الاميركي حيث حظي ترامب بدعم انتخابي ملحوظ، قد يخسر الجمهوريون غالبية مقاعد الكونغرس في الانتخابات المنتظرة قريبًا، وهذا الامر يعني ان قدرة ترامب على فرض سياسات في مجال التجارة الخارجية والاستثمار قد تصبح محدودة، فتكون النتيجة الاضرار بالنظام العالمي وتعريض الولايات المتحدة لاضرار قد تفوق توقعات ترامب لتحقيق فوائد اقتصادية لبلاده.

العالم اليوم يمر في مرحلة يسودها القلق على مستقبل الاقتصاد العالمي، ذلك ان دول الاتحاد الاوروبي، على رغم محاولتها رص الصفوف، تتعرض لضغوط، منها ضرورة انقاذ ايطاليا من مشكلة الديون المصرفية الجامدة، وربما حاجة اليونان، وان هي حصلت على تسهيلات حديثاً، الى تسهيلات اضافية. كذلك اسبانيا التي حققت خلال السنتين المنصرمتين أفضل معدل للنمو في الاتحاد الاوروبي، باتت لديها حكومة جديدة لا تحظى بأكثرية مريحة في مجلس النواب، كما ان قضية كاتالونيا لا تزال تخيم على المناخ السياسي في البلاد.

قبل التوجهات الاميركية الجديدة والتي تبدت بشكل فاقع خلال اجتماع الدول السبع في كندا، ومطالبة ترامب بإعادة روسيا الى هذه المجموعة، كانت الصورة للتوقعات المستقبلية تبدو متفائلة الى حد ما، واذا بالموقف الاميركي يبعثر الآمال في تحقيق معدلات نمو مقبولة ويقلبها الى توقعات سلبية. واذا كان للبلدان الصناعية ان تتجاوز هذه المصاعب فالمطلوب ربما من جديد تأمين تسهيلات كبيرة من صندوق النقد الدولي، ربما كان مظهرها الأول تأمين قرض بـ50 مليار دولار لحكومة الارجنتين التي عانت التضخم والعجز عن الوفاء بالتزاماتها. وعلى سبيل التذكير، كانت الارجنتين في الثلاثينات من انجح الاقتصادات العالمية، وكان لديها احتياط من الذهب يفوق ما كان متوافراً للولايات المتحدة.

السياسات الاشتراكية لحكومة بيرون في الخمسينات والستينات أطاحت الاحتياط الذهبي وحولت الارجنتين الى بلد مدين متثاقل النمو، ومهدت لسيطرة الاستخبارات وتعاظم القيود الاستخبارية واختفاء آلاف المواطنين دون معرفة مصيرهم.

اليوم مقابل سياسات ترامب، ويجب التأكيد ان دور الدولار غير معرض للانتقاص، ومخاوف حاجات ايطاليا، وامكان تكريس الأوتوقراطية المطلقة في تركيا، وظهور حالة من الجفاء بين بريطانيا والولايات المتحدة، الأمر الذي قد يباعد بين البلدين بالنسبة الى سياسات صندوق النقد الدولي، يبدو ان الاقتصاد العالمي معرض للاهتزاز وقد تكون طفرة بعض القروض المؤشر الأوّل لتبدل التفاؤل الى تشاؤم والاستناد في المقام الأوّل الى قدرات الصين على الانقاذ، لكن الصينيين بعدما جهدوا ونجحوا الى حد بعيد لن يفرطوا في نجاحاتهم ما داموا قادرين على ضبط الأوضاع.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*