كيف روى فؤاد شهاب ملابسات الانتخابات الرئاسية عام 1970؟

النهار
23102018

الرئيس فؤاد شهاب.

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف مقالاً كتبه عزّت صافي في “النهار” بتاريخ 9 أيار 1998، حمل عنوان “كيف روى لي فؤاد شهاب ملابسات الانتخابات الرئاسية عام 1970”.

بعد ربع قرن على غيابه يعود الرئيس فؤاد شهاب الى الذاكرة السياسية من خلال مناسبة بدأت “عائلية” ثم استحضرت اصواتاً عاصرت عهده واخرى تابعته، او درسته، والنتيجة كانت جملة امثولات استخلصت وجاءت بمعظمها شهادات له والباقي عناوين مستعادة لخطب وبيانات تعلن اليأس من النظام. لعلّ الرئيس شهاب هو الاوفر حظاً بذكراه بين الرؤساء الذين سبقوه والذين جاءوا بعده. فهو الوحيد الذي بقي من عهده ما يصلح للبحث والمراجعة والاختبار في مختلف التجارب السياسية والادارية والاجتماعية. وقد يكفيه ان يقال انه وضع الاساس لدولة المؤسسات التي استمرّت بعده، وان على عجز وخلل. وكلما طال الحوار وتوسّع الجدل واحتدم الخلاف حول تجربة فؤاد شهاب واسلوبه في الحكم ونظرته الى الادارة والاصلاح السياسي والديموقراطي كان ذلك تأكيداً على ان الرجل استطاع ان يخلق في البلاد تياراً يحمل اسمه بغير حزب ولا تنظيم. ولذلك لم يكن ممكناً لهذا التيار ان يبقى ويعيش لسبب بسيط هو ان ما كان يسمّى “النهج الشهابي” لم يكن سوى برنامج اصلاحي اداري اجتماعي في اطار من الادبيات الوطنية والاخلاقية من دون ان يرتكز الى قاعدة ترقى الى مستوى عقيدة او قضية تتخطّى بابعادها مفهوم الحكم. لكن ذلك “النهج”، على بساطته وعلى قصر مدى طموحه وضيق تطلّعاته المستقبلية، كان له تأثيره الايجابي الواسع والعميق في اوساط اجيال موزّعة في المجالات السياسية والادارية والثقافية والجامعية والنقابية وقد وجدت فيه تعبيراً رسمياً عن رفض عقلية الفساد واتجاهاً للتحرّر من الارتهان لسلطة الاقطاع والنفوذ المالي والطائفي. ذلك الواقع اللبناني البائس المنشغل بالمظالم والاهمال لاصحاب المؤهلات والكفايات والحقوق المشروعة والذين يتجنبون ذلك السعي الى الحصول على بطاقة توصية من زعيم سياسي او مرجع ديني جعل من النهج الشهابي حلماً يستحق الانتماء اليه، وهو حلم يجسّد حقاً طبيعياً من حقوق المواطن في اي بلد آخر يطبق مبدأ العدالة والمساواة امام القانون. وفي غياب هذا الحق الطبيعي في لبنان برز الرئيس شهاب ممثّلاً امل المحرومين في الرعاية والانصاف، وساعد على ذلك ان صاحب النهج جاء بعد حرب اهلية عجزت الاحزاب عن لجم ألسنة نيرانها الطائفية. ولم يكن المواطن القروي المنسيّ في المناطق النائية بعيداً عن تأثير موجات التيار الشهابي الذي وصل الى معظم تلك المناطق عبر اسلاك الكهرباء وانابيب المياه والآليات الزراعية التي راحت تشق الاراضي الوعرة وتستنبتها ارزاقاً تخفّف من عبء الفقر وتحدّ من إغراء النزوح الى المدن بحثاً عن العمل على مقربة من المدارس والمستشفيات. لقد اشعلت لمبة الكهرباء في بيوت الفلاحين والعمال في المناطق النائية “ثورة” ابتهاج وولاء للرئيس شهاب الذي اكتشف كم هو اللبناني الفقير طيب وعفوي ومتجاوب مع الدولة عندما تؤمن له حقاً مشروعاً. وبالنسبة اليّ شخصياً فقد كان مقال صغير كتبته في جريدة “الكفاح” العام 1960 اصف فيه شعوري وذهولي عندما رأيت للمرة الاولى لمبة مشعشعة في العريشة امام بيتنا في ضيعتي الشوفية البعيدة طريقاً الى مقابلة الرئيس شهاب في القصر الجمهوري في صربا. ففي اليوم التالي لصدور ذلك المقال فوجئت باتصال هاتفي يقول: “هنا القصر الجمهوري. لقد حدّد فخامة الرئيس موعداً لك يوم الثلثاء الساعة الحادية عشرة قبل الظهر. فالرجاء ان تكون هناك قبل ربع ساعة من الموعد”. للوهلة الاولى لم اصدّق الاتصال الهاتفي. فانا لم اطلب موعداً لمقابلة الرئيس شهاب، ولم يكن يخطر في بالي ان اطلب مثل هذا الموعد الذي لم يكن يتيسّر لبعض الزعماء والنواب والسياسيين. ولم يسبق لي ان التقيت الرئيس شهاب. ولكن صباح اليوم التالي تكرّر الاتصال للتأكّد من الحضور فكنت في القصر في الموعد المحدّد. وعندما دخلت مكتب الرئيس وجدته واقفاً فبادرني قائلاً: “قرأت مقالك عن لمبة الكهرباء في ضيعتكم. اعجبني وصفك لشعورك عندما رأيت اللمبة، وطبعاً هذا شعور كل ابناء ضيعتكم وكل ضيعة تصلها الكهرباء. ويهمني ان اعرف ذلك. ولذلك طلبت ان اراك واتعرّف عليك ولاقول لك: شكراً…”. والحقيقة اني في تلك اللحظات كنت مأخوذاً بكوني امام الرئيس شهاب ولم اكن اعرف الغاية من دعوتي الى القصر الجمهوري فقلت للرئيس كلمات قليلة خلاصتها: نحن الذين علينا ان نشكرك يا فخامة الرئيس. ثم تحرّك لديّ الحس الصحافي بسرعة فقلت: هل يُعقل ان احظى بهذه الفرصة لمقابلة فخامتك ثم اغادر بكلمة “شكر” فقط؟ وابتسم الرئيس شهاب، وكان جلس وراء مكتبه ودعاني الى الجلوس، ثم قال بلهجته الكسروانية: “ليك… انا والجرنالجييه مش صحبه كتير… اذا بدّك تعمل معي جرنالجي بتطلع سلتك فاضيه…”. قلت: يا فخامة الرئيس، انا مش جرنالجي حرتقه. انا اسأل واكتب الجواب الذي اتلقّاه. ولن اسأل فخامتك الا في ما يتعلق بالاوضاع العامة في البلاد وبالخطط التي تنوي الدولة تنفيذها. سكت الرئيس برهة وبدا عليه انه وثق بسلامة نيتي فسألني: واذا استقبلتك بين وقت وآخر هل تتصرف بالمعلومات من دون الاشارة الى مصدرها. ثم هل تكتم السر؟ قلت: بالتأكيد. ولكن هناك رجلاً واحداً فقط لا استطيع ان اكتم السر عنه. سأل: مَن هو؟ قلت: كمال جنبلاط… ومرة اخرى صمت الرئيس برهة ثم قال: عندما تطلب موعداً سوف اهتمّ بطلبك واستقبلك حسب ما تسمح ظروفي… وغادرت القصر الجمهوري وتسهّلت مواعيد لقاء الرئيس شهاب تكراراً حتى الاسبوع الاخير قبل وفاته المفاجئة في منزله في جونيه. وباستثناء مساعدي الرئيس لم يكن احد يعلم بالمقابلة غير صديقه الكبير كمال جنبلاط الذي على ما كان بينه وبين شهاب من اختلاف في بعض المواقف السياسية الداخلية والعربية فقد كان يجمعهما ود غير معلن واحترام متبادل. وقد كانت مقابلتي للرئيس شهاب في بعض الاحيان مناسبة لعرض وجهة نظر او تفسير وجهة نظر بين المختارة وجونيه. وعندما اخذ بعض اركان “النهج” في صيف 1970 يتحدّثون امام الرئيس الذي كان قد ابتعد عن السلطة ست سنوات حكم خلالها الرئيس شارل حلو، وكان هؤلاء الاركان يبدون اقتناعهم بضرورة ترشيح نفسه للرئاسة مرة اخرى سألته مرة اذا كان يفكّر جدياً بالموضوع واذا كان ثمة احتمال بقبوله الرئاسة اذا عرضت عليه بزخم سياسي متعدّد الاتجاه فردّ بابتسامة خفيفة وسؤال: – هل يقبل كمال بك؟ لم اكن املك اي جواب او مجرّد تكهّن بصدد السؤال. ولكن عندما اجتمعت بكمال جنبلاط بعد ذلك نقلت اليه سؤال الرئيس شهاب فتجاهل الموضوع كلياً ولم يعلّق بكلمة. ولكن كان واضحاً في تلك الفترة ان ملف “المكتب الثاني” تضخّم لدى جنبلاط وطفح فوقه الغضب في جميع الاوساط الحزبية التقدمية اليسارية والمنظمات الفلسطينية. والى كل ذلك كان العميد ريمون اده الصديق المحترم لكمال جنبلاط يقف حاجزاً منيعاً امام عودة “الشهابية” بأي مرشح الى الرئاسة. وكانت “جبهة الوسط” وقطباها الرئيسان صائب سلام وسليمان فرنجيه على خط الدفاع ضد “الشهابية”. ولذلك عندما اعلن الرئيس شهاب عزوفه عن الترشيح ودفع الياس سركيس الى الامتحان سقط سركيس في ذلك الامتحان امام جنبلاط ونجح فرنجيه. ولكن بعد انتهاء المعركة روى لي الرئيس شهاب قصة “عناد الكبرياء” بينه وبين جنبلاط وبين المختارة وجونيه والقاهرة. وهي قصة يفهم من روايتها بلسان الرئيس شهاب ان المسألة كانت تحتاج الى كلمة من جنبلاط لشهاب او كلمة من شهاب لجنبلاط. ولكن الكلمة لم تلفظ. قال لي الرئيس شهاب: علمت ان كمال بك تلقّى دعوة من الرئيس جمال عبد الناصر لزيارة القاهرة. وقد جاءت تلك الدعوة في فترة تتطلّب حسم موقف كمال بك من موضوع معركة الرئاسة، وقدرت ان الدعوة كانت من اجل التمني على كمال بك بأن يتفاهم معي لأتشجّع على قبول خوض المعركة. والحقيقة (والكلام لشهاب) لم يكن ممكناً ان افكّر في موضوع ترشيحي للرئاسة مرة ثانية من دون تفاهم مسبق مع كمال بك. وتابع الرئيس شهاب (وكان يروي لي التفاصيل على الشرفة الجنوبية المكملة لصالون منزله في جونيه) قائلاً: فجأة اتصل كمال بك بي بعد طول انقطاع نسبي وقال انه سيأتي لزيارتي فرحّبت واستقبلته هنا. وكان مرحاً وقد تحدّثنا في مواضيع كثيرة فكرية وفلسفية واجتماعية ولم يمر في حديثنا ولا موضوع داخلي، ولم يبدر مني او منه اي تلميح الى مسألة الرئاسة. وانتهت الزيارة ووقف كمال بك مودعاً ورافقته الى قرص الدرج الخارجي وفجأة توقّف وقال لي: نسيت قلّك اني رايح على القاهرة لزيارة الرئيس عبد الناصر… بتوصّي شي؟ فأجبته: سلّم لي على سيادة الرئيس… وتروح وترجع بالسلامة. واضاف الرئيس شهاب شارحاً لي: غاب كمال بك بضعة ايام. وعلمت من الصحف انه عاد من القاهرة. وجاءت المفاجأة الثانية، فقد اتصل بي قائلاً: “رحنا وجينا. بلكي ان صار معي وقت بمرق بزورك. عندي مشوار صوب كسروان وراح اتصل قبل ما امرق…”. وتابع الرئيس شهاب: وطبعاً رحبت. وايضاً قدرت ان هناك شيئاً ما وإلا ما كان في داعي يزورني كمال بك مرة ثانية بعد عودته من لقاء عبد الناصر في القاهرة. وقد جاء وكان ايضاً مرحاً وجلسنا نتحدّث في كل المواضيع الفلسفية واللاهوتية وحكى لي عن مصر والفراعنة وآثارهم وحضارتهم ووصف لي حال القاهرة التي تزدحم بالملايين… ثم وقف مودّعاً ورافقته الى قرص الدرج الخارجي. ولم يقترب احدنا من موضوع الرئاسة. ثم روى الرئيس شهاب الفصل الاخير من قصة “عناد الكبرياء” بينه وبين جنبلاط. قال: بعد انتهاء المعركة التي لم اترشّح فيها بفوز الرئيس فرنجيه تلقّيت من القاهرة تفاصيل الجزء الاخير من لقاء الرئيس عبد الناصر مع كمال بك. وفي التفاصيل ان كمال بك عندما وقف مودعاً الرئيس عبد الناصر في نهاية اللقاء سأله: “بتوصي شي سيادة الرئيس”؟. فردّ عبد الناصر: سلامتك كمال بك… وعلى فكره… انتو عندكم انتخابات رئاسة قريباً… وعلّق جنبلاط: – صحيح… شو رأي سيادتك؟ قال عبد الناصر: – “الرأي رأيكم كمال بك… بس انا بشهد ان علاقتنا مع الرئيس شهاب من 1958 الى 1964 كانت ناجحة ومفيدة لنا جميعاً”. وتوقّف الرئيس شهاب هنا ليستنتج: اتصوّر ان كمال بك عندما زارني قبل ان يسافر الى القاهرة كان يضع في حسابه ان يطلب منه الرئيس عبد الناصر ان نتفاهم ونتعاون على اتخاذ قرار مشترك بشأن معركة الرئاسة. وعلى اساس هذا الاحتمال قد يجد كمال بك نفسه مدعوّاً الى اللقاء معي فيظهر وكأنه جاء تلبية لرغبة عبد الناصر، وهو لا يريد ذلك، ولهذا زارني قبل سفره الى القاهرة حتى اذا سمع مني اني ميّال الى الترشيح اكون قد طلبت الرئاسة منه فاذا عاد وسمع من الرئيس عبد الناصر طلب تأييدي فلا بد ان يأخذ هذا الطلب في الاعتبار فيعود الى لبنان وقد يرى من الناحية الادبية ان يزورني ويبلغني موافقته على طلب الرئيس عبد الناصر فيشاع في الاوساط الاعلامية والسياسية انه لبّى ارادة رئيس مصر، وانا اعرف ان كمال بك لا يقبل ان يقال انه اتخذ قراراً بناء لرغبة احد، حتى لو كان جمال عبد الناصر. ولذلك جاء قبل السفر حتى يقال انه اخذ المبادرة الى تأييد ترشيحي وذهب الى القاهرة ليبلغ الرئيس عبد الناصر قراره ثم يعود ليقول لي: مبروك… ويضعني امام الامر الواقع مع ضمانة الفوز. ولكن – ينهي الرئيس شهاب – المسألة كانت تحتاج الى كلمة من كمال بك او كلمة مني. وكل منا نحن الاثنين كان ينتظر كلمة الآخر. ولم يقل احد هذه الكلمة”. هكذا انتصر “عناد الكبرياء” وانتهت المعركة لا لمصلحة شهاب ولا لمصلحة جنبلاط في ما بعد. هل كان استنتاج الرئيس شهاب في ذلك الوقت في محله. هل كان صائباً ودقيقاً؟ الجواب في ضمير الرجلين الغائبين الكبيرين. لكن المعركة في العام 1970 كانت اكبر من ان تنحصر في نطاق رجلين مهما بلغ عنادهما لا يمكن ان يقرّر اتجاه دولة كانت دخلت مرحلة التحوّلات الخطيرة على الصعيد الداخلي بابعاده الاقليمية والدولية. والرئيس شهاب كان يدرك الاسباب والخلفيات المتشابكة التي باعدت بينه وبين صديقه كمال جنبلاط. إلا ان الكبار الذين يحفظون في صراعاتهم الاحترام المتبادل يلجأون احياناً الى التعبير عن هذه الصراعات بالكلمات البسيطة التي تتميّز بالادب وقد تأخذ طابع الالغاز التي لا يفهمها الا هم. ولو عاش فؤاد شهاب الى ما بعد العام 1973 لكان له تفسير اوضح واشمل للاسباب والعوامل التي بدأت تفجّر لبنان انطلاقاً من نتائج هزيمة 1967. لقد ذاق الرئيس شهاب مرارة انكسار صديقه الكبير القائد جمال عبد الناصر في حرب 1967. وكعسكري استوعب معنى ان يواجه القائد شعبه بعد الهزيمة وليس لديه ما يقدّمه اليه سوى الحزن والاعتذار والامل مع الثقة بأن الشعب اقوى من الهزيمة وستكون له فرصة اخرى. وفي تلك الليلة من حزيران شاهد الجنرال المتقاعد والرئيس السابق فؤاد شهاب الرئيس جمال عبد الناصر على شاشة التلفزيون وهو يقدّم استقالته الى شعب مصر والى الامة العربية فيهبّ الشعب المصري والامة العربية وخصوم عبد الناصر في كل مكان وتنطلق صيحة واحدة “لا” تعيد القائد الرئيس الى منصب المسؤولية ليتابع الحرب بعدما خسر معركة. ولعلّ الرئيس شهاب تذكّر في تلك الليلة كيف استقال هو في 20 تموز 1960 وكيف هبّ النواب من “شهابيين” ومعارضين ليقولوا له “لا” كانت تتردّد في مختلف المدن والمناطق اللبنانية، ويعود الى القيادة، وهو كان ربح معركة صغيرة في “حرب الاصلاح السياسي والاداري والانمائي” واراد ان ينسحب من الحرب. لقد غلبه الطبع العسكري الذي ابقاه جنرالاً في السياسة. فهو لم يستطع ان يتعامل مع السياسيين الذين لا يروق له اسلوبهم بالروح التي تفرضها عليه طبيعة الديموقراطية التي كان حريصاً على حمايتها واحترامها. كان ديموقراطياً لكنه، حسب تعبيره، لم يكن “يطيق الزاحلة”. لم يكن يجهل طبائع السياسيين، وهي الى حد كبير من طبائع اللبنانيين عامة. والمثل الشهير الذي كان يردّده يدور حول المرأة التي سُئِلت عن معاش ابنها الموظف الصغير فلم تذكر معاشه ولكنها قالت انه “يطلع براني”! كان يتوقّف عند مثل هذه التفاصيل الصغيرة التي كانت تشكّل في رأيه صورة مصغّرة للمشكلة الكبرى في البلاد: الفساد والغش والتحايل على القانون وانتهاك النظام وتسخير الادارة لمصالح الزعماء والرأسمال وارباب الصفقات واعتماد مبدأ انتزاع اللقمة من فم السبع عملاً بشريعة “الشاطر ما يموت”! بعقله الرافض لهذا النمط من الحياة العامة على مستوى السياسة والادارة، وبطبعه الذي يمقت الخداع والتزلّف، وبشعور المستغني عن الزعامة وعن الثروة. وبشبه اقتناع مسبق بأن تغيير الزعماء والنواب والسياسيين شبه مستحيل… وباصرار ثابت على عدم العودة الى ارتداء بزة الجنرال لاصدار البلاغ الرقم واحد مهما كانت الاوضاع ومهما بلغت الاغراءات، قبل فؤاد شهاب منصب الرئاسة في العام 1958. ولكنه منذ اللحظة الاولى لتسلّمه المنصب بدا وكأنه “تفضّل” وقبل المهمة بغير ارادته. ولكن – للانصاف والتقدير – تحمّل المسؤولية والواجب كجنرال مدني فما فرط بلحظة فيها خدمة ومنفعة عامة. لقد انتقل من وزارة الدفاع الى القصر الجمهوري وهو يعرف النواب فرداً فرداً، وقد حمل معه “ملفاتهم” وملفات ومعظم المتعاملين بالشؤون العامة، ولذلك كان عندما يستقبل احداً منهم كان يطلع على “ملفه” ثم يروح يستمع اليه وهو يتحدث، وقليلا ما كان يستفيض في الكلام، لكنه كان يرسم ابتسامة معبّرة على وجهه عندما يلاحظ ان الزائر ذهب بعيداً خارج “مضمون” الملف. وقد روى لي مرة ان احد الوزراء بدأ “يقبض” بطرق مختلفة مبالغ كانت تعتبر في ذلك الزمن “زهيدة”. وجاء ذلك الوزير مرة الى مقابلته وراح يشرح له مشاريعه وحرصه على النزاهة في ادارته وراح الرئيس شهاب يرسم ابتسامته المعبرة على وجهه الى ان تضايق من “نزاهة” الوزير فقال له: “يا معالي الوزير … وجعتلي راسي بخبرياتك. عم تقبض دفعات زغيرة ما بتحرز. عملّك شي ضرب بشي خمسين الف ليرة وريّحني…” (كانت الخمسين الف ليرة في تلك الايام تحكي)!. هذا دليل على ان ادارة الرئيس شهاب لم تكن كلها مثالية ونزيهة. وهو كان يعترف بذلك، لكنه كان يقول باستغراب وحيرة “مرات كنت اعرف… وطنّش… شو بعمل؟!”. لكن اذا كان الرئيس شهاب ورث ادارة سياسية وادارية غير صالحة فانه وافق، او تساهل، في حالات كثيرة على امور واجراءات وقرارات لم تكن تتوافق تماماً مع “نهجه” السياسي والاداري. ففي عهده دخل الرأسمال التجاري غير السياسي وغير النزيه الحياة النيابية عبر نواب لم يكن يتصوّر احد ان الممكن ان يكون لهم حظ ودور في السلطة والسياسة. وكان معروفاً ان هؤلاء جاءوا ب “ترتيبات” اجهزة كانت تضع الرئيس شهاب امام واقع عنوانه “هذا هو البلد”. ولكن لم يكن بوسع الرئيس ان يعفي نفسه من مسؤوليات تلك “الترتيبات”. والاهم من ذلك ان التساهل بمثل هذه “الترتيبات” قاد بالتدريج الى زج الرئيس شهاب في خصومات مع القوى الديموقراطية الاصيلة في البلاد، وخصوصاً مع كمال جنبلاط ومع العميد ريمون اده الذي طلّق العهد الشهابي وذهب الى تصنيف اعداء لبنان في ذلك الوقت بثلاثة: الشهابية والشيوعية واسرائيل. وقد سألت الرئيس شهاب بعد تلك المعركة التي سجّل فيها اده في اطار (الحلف الثلاثي) انتصاراً ادّى الى هزيمة الشهابية في العام 1970: – هل كان من المفيد محاربة العميد بهذه الحدّة وهو الرجل الديموقراطي النزيه الذي يمثّل حقاً المبادئ التي اتّسم بها عهدك في بدايته؟ اجاب الرئيس شهاب: – ابن اده ما بيحبني. ويمكن معو حق. لان لو ما قبلت انا الرئاسة كان يمكن يكون هو صاحب الحظ. وعلى كل حال العميد معروف بانو بيعمل من الحبة قبة!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*