كيف ترى الصين لبنان وسوريا والمنطقة؟ لن تموِّل الصين إعادة إعمار سوريا. دَعِ الذين دمّروا سوريا يموّلون

عليّ أن أشير في بداية المقال أنني ملتزم بشكل استثنائي بعدم التسمية هذه المرة أمام منظمي حلقة ضيقة جدا عُقِدت في بيروت (الكبرى) مع ديبلوماسي أجنبي كبير عن نظرة الصين للشرق الأوسط وسوريا ولبنان يوم الثلثاء المنصرم، أي بعدم ذكر المصدر.

عندما سئل هذا الديبلوماسي عن “تراجع النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط” بدا، وهذا لافت، أنه لم يقبل شمولية هذا التوصيف وشدّد أن الولايات المتحدة الأميركية تبقى مهما حصل القوة المهيمنة في المنطقة. لذلك هو نفوذ “يتراجع قليلاً”.

هذه الملاحظة تستوجب ملاحظات. فالنظرة من الصين إلى الشرق الأوسط لا يمكنها ربما أن ترى تراجع النفوذ الأميركي أو صعود قوة أخرى مكانها وهي التي تعرف وتبني مقياس النفوذ من موقعها كقوة اقتصادية عالمية عظمى وكقوة إقليمية آسيوية كبرى عندما يكون موقع “التراجع” لا يتعدّى بعض المشرق العربي على كل أهميته السورية وعندما تكون أميركا القوة الأولى من مصر إلى كل المغرب العربي ناهيك طبعا عن كونها شريكة أساسية في العراق.

يمكن للبناني أو سوري أو عراقي أو حتى تركي أو إيراني أن يتحدّث عن التراجع الأميركي إلا أن الصين التي هي في سياق هائل متصاعد من التنافس الصعب الاقتصادي السياسي مع الولايات المتحدة من محيطها الآسيوي إلى إفريقيا والشرق الأوسط إلى أوروبا نفسها – والآن في قلب الاقتصاد اليوناني عبر استثمار مرفأ يوناني بكامله والقيام فيه بصناعة السفن الكبيرة… عندما تكون الصين في هذا الموقع التنافسي التعاوني لا يمكنها أن ترى “تراجعاً” أو ضعفا أميركيا بالمعنى نفسه الذي نتحدث عنه من زوايانا حتى لو كان نسبيا صحيحا كما يمكن أن يقال عن تراجع وضع واشنطن في سوريا بعد التدخل الروسي العسكري مقابل الصورة الشاملة التي ترتسم في الحديث عن أو مع ممثلي قوة عالمية أساسية.

يعرّف هذا الديبلوماسي العالم العربي بهذا النوع من الكلمات:

تنظر الصين إلى هذه المنطقة على أن فيه “مجموعة من الدول ذات طابع مميّز هي الدول العربية. فالصين وهذه الدول تجمعها صفة أنها كلها دول نامية. الصين بمعايير الدخل الفردي دولة نامية لا متقدمة بالتأكيد. هذا يتيح أنماطا غير استغلالية في التعاون والاستثمار مع دول الشرق الأوسط.

طبعاً يلاحظ القارئ أننا انتقلنا في جملة الديبلوماسي الأخيرة إلى الكلام ربما الدعائي عن الصين. لكن هذا بحث آخر ويتخطى الشرق الأوسط وحده لأن الصينيين يشددون أنهم “لا يفرضون شروطاً سياسية” في استثماراتهم. نحن خارج العقلية القديمة التي ترى صعود الدول على حساب الآخرين”.

صحيح أن الصين – كاليابان – لا تحمل دعوة ثقافية في نشر نفوذها الخارجي مثل الغرب ومع ذلك تُطوِّر بهدوء لغة سياسية كاملة “الحيادية” حتى عندما تنخرط الصين سياسيا على المستوى الدولي بالمواجهة الديبلوماسية الهامة الجارية حول الحرب السورية وتشكّل الحامي الديبلوماسي الثاني الكبير للنظام السوري في مجلس الأمن.

أهم نماذج “الحيادية” اللغوية والمتماسكة الحديث عن إيران والسعودية. فمن المستحيل خروج كلمة صينية في الصراع السياسي الدائر بين هذين البلدين لأنهما الموردان الأساسيان للنفط إليها وللصين مصلحة دائمة في دعم علاقات جيدة معهما وبين بعضهما البعض.

الديبلوماسية الصينية لم يعد ممكنا وصفها بالصامتة. مع ذلك فإن لغتها ناطقة بـ”حياد” غير حيادي محترف رفيع المستوى إذا قيس بتعقيد الممرات بين المسائل المطروحة. الديبلوماسي المشار إليه يقول عندما يُسأل عن سبب غياب الصين عن تفاصيل التفاهمات الأميركية الروسية على خارطة الصراع في سوريا، يجيب وبنوع من التشديد، ولا أريد أن أسميه التباهي، أن الديبلوماسيين الصينيين موجودون في – وعلى اطلاع على – كل تفاصيل هذه الاتفاقات. الخبر خبران هنا: هو لا ينفي وجودها وهذا مهم في “لعبة الأمم” التي يتقنها الأميركيون ويؤكد “وجوده” فيها أي وجود نوع من “الشراكة” فيها!

الديبلوماسي – وقد بدا لي قياسا بخبرتي المتواضعة في الحكم على مستوى الديبلوماسيين من عيار شخصي ومهني محترم – يأخذ موقفا لافتاً حين يقول في اللقاء المغلق الذي نظمه معهد الدراسات المستقبلية (FSI):

“بصراحة الصين ليست مستعدة لتمويل إعادة إعمار سوريا. دعوا الذين دمّروا سوريا يدفعون أموالا. الشركات الصينية طبعا مستعدة للاستثمار الواسع في هذه العملية ولكن ليس التمويل”!

ربما لأنه يتكلم في بيروت يشدد على أهمية لبنان للصين بسبب بيئته المتنوعة التي لا مثيل لها في المنطقة وحرياته ولكنه يضيف عنصرا ثالثا مع العنصرين الأولين: القطاع المصرفي في لبنان.

إذن يريد العقل الاقتصادي الصيني لبنان ولكنه، إذا جاز لي التعبير، يريد “التحالف” مع القطاع المصرفي. كأن عنوان لبنان الاقتصادي، صينياً، هو القطاع المصرفي. أشعر أن لهذا التشديد قيمة ما وأترك للخبراء تحديد معنى أهميته خصوصا أن بعضاً من ديناميته ظهر في التعاون مع مصارف لبنانية كبيرة يقول الديبلوماسي أنها لن تقتصر عليها وحدها. لكن الديبلوماسي الكبير يقول أن حجم التبادل التجاري بين الصين ولبنان بات يبلغ ملياري دولار سنوياً ثم يضيف – مبتسماً- معظمها صادرات صينية إلى لبنان. (قلنا له: لا تقلق فهذا الخلل بنيوي ودائم مع معظم الدول ولا تغيير له في لبنان) وهو أيضا يتبنى أهمية لبنان كـ”محطة” في إعادة إعمار سوريا.

يفاجئنا الديبلوماسي بالرقم التالي:

غادر الصين السنة الماضية في رحلات سياحية وتجارية إلى الخارج، أكثر من مائة مليون صيني (135 مليوناً) أنفقوا 109 مليار دولار.صحيح أن نصفهم ذهبوا إلى هونغ كونغ (التي باتت سياديا تابعة للصين منذ 1997 مع نظام سياسي مختلف) لكن الرقم يبقى كبيرا جدا: أي حوالى 67 مليونا تصدرهم الصين سنويا. يريد إذن أن يقول: تصوّروا لخطة سياحية لبنانية كم تستطيع أن تغرف من هؤلاء ومن رقم الإنفاق الضخم هذا.

في اللغة الديبلوماسية الصينية دعوة واحدة: اهتموا معنا بطريق الحرير الجديدة. ودعا الديبلوماسي مراكز الأبحاث اللبنانية لدراسة واسعة لهذا المشروع الصيني الكبير.

اللغة الديبلوماسية الصينية كالمنمنمات الصينية: لوحة كبيرة وتفاصيل متناسقة لا لوحة من دونها.

لكني أود أن أنهي هذا التقرير الصيني بما ورد في كتاب مهم صدر عام 2011 واشتريته من إحدى مكتبات ملبورن في أوستراليا التي كانت يومها كمصدر مواد أولية للصين ذات اقتصاد صيني التبعية تقريباً.

في كتابه “سباق على التفوّق” حول الصراع الصيني الأميركي للسيطرة على آسيا يكتب أستاذ العلاقات الدولية في جامعة برنستون آرون ل. فريدبرغ التالي في الصفحة 279 من الطبعة الأولى باللغة الانكليزية ( 360 صفحة) الصادرة عن دار نشر “دبليو دبليو نورتون كومباني” في لندن ونيويورك:

” من غير المرجّح أن تكون الصين قادرة على تحسين وضعيتها قريباً.لأنها لا تستطيع تزويد نفسها بحاجاتها من المصادر عبر البر. لهذا سيكون عليها أن تستورد الطاقة ومصادر أخرى عبر البحر مستخدمةً سفناً مضطرة لقطع مسافات طويلة قريبة أو متقاطعة مع طرق يستخدمها منافسوها قبل أن تصل إلى مرافئها على الشواطئ الشرقية”. ربما هذا المقطع، من كتاب يبحث في عناصر القوة والضعف لدى الصين وأميركا، يستطيع أن يساهم في فهم أهمية طريق الحرير الجديدة للصين التي تنقسم حسب خارطتها الصينية إلى طريقين: بري أوروبي آسيوي (الحزام) و بحري آسيوي إفريقي أوروبي (الطريق). البحري يمر بإسرائيل ولبنان وسوريا والبري يمر بتركيا وإيران من أصل 62 دولة يشملها أو يقترب منها ويدعم بناها التحتية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*