مع نهاية عهد الحكومة الاولى للعهد، صار واجباً القيام بجردة حساب بيئية، لكي لا تتكرر التجربة الفاشلة في حكومة العهد الثانية (الاولى). أهدر وزير البيئة في الحكومة المنتهية ولايتها، طارق الخطيب، 16 شهراً خرّب فيها كل ملفات البيئة. لم يستطع، بداية، أن ينجز الاستراتيجية الشاملة الموعودة لإدارة النفايات، ولا قانون تنظيم المقالع والكسارات والمرامل وعمل هذا القطاع، ولا ضبط الاعمال في ملف شركات الاسمنت. «الإنجاز» الوحيد الذي سُجّل له انه استقوى على الطيور وفتح موسم الصيد البري، بعدما تحفظ عن ذلك كل من سبقه من وزراء منذ بداية التسعينيات!

لم يتمكّن الخطيب، طيلة 16 شهراً، من إنجاز استراتيجية لادارة النفايات رغم أن المساعدة المجانية التي عرضت عليه من برنامج الأمم المتحدة للبيئة، أعلى سلطة بيئية متخصصة في العالم، لم يحظَ بها وزير قبله. إلا أنه تأخر طويلاً في تسمية ممثلين عن الوزارة للمشاركة في إعداد الاستراتيجية… ثم عاد وطلب من أكثر من طرف، في الوزارة وخارجها، تقديم «رؤية» و«سياسات» و«ملخصات»، من دون أن يخبر فريق الامم المتحدة للبيئة بما يضمر، ومن دون أن يجمع الجميع في فريق واحد للاسراع في انجاز ما هو مطلوب… رغم موافقته الشكلية (في كتاب رسمي) بأن يدير البرنامج الأممي الفريق!
أهدر الوزير فرصة تدخل برنامج الأمم المتحدة للبيئة، ولم ينجح في إنجاز البدائل. أضاع اشهراً عدة، ليرسل الى مجلس الوزراء كل الأوراق التي تراكمت عنده كـ«أفكار وآراء» غير منسجمة استراتيجياً، وغير شاملة لجميع انواع النفايات، ولا تستوفي الشروط الضرورية لتصنّف استراتيجية! مستدركاً بوضعه داخل ما سماه «ملخص السياسات» فقرة تقول بأنه سيتم وضع الاستراتيجية لاحقاً!
لا نستطيع أن نجز ما اذا كان تصرف الوزير مقصودا لتضييع الوقت وتمرير مشاريع مثل اعتماد المحارق قبل إقرار الاستراتيجية، ام بسبب قلة الخبرة وسوء الإدارة لهذا الملف (وغيره من الملفات الحساسة)، او بسبب تدخل التيار السياسي الذي يمثله معه في كل شاردة وواردة، مما زاده إرباكا.
في أي من هذه الحالات، التي يجزم كبار الخبراء في الوزارة بأنها كلها واردة، هناك فشل كبير في ادارة هذا الملف. لا بل تمت اضاعة الوقت وهدر الكثير من المال، لنعود الى ما دون الصفر، حين تنتهي مفاعيل ومواعيد الخطة الطارئة (الممددة) ونعود بعد أشهر الى الازمة نفسها ببقاء النفايات في الشوارع، او وضع الجميع امام خيار وحيد: تمديد الخطة الطارئة مجددا وتوسيع مطامر الشاطئ أكثر واكثر، وزيادة حصص البلديات المحسوبة على الأطراف السياسية المسيطرة (على البلديات والحكومة ومفاصل الدولة) وتكبير المساحات المردومة، تمهيدا للاستثمار فيها… وكل ذلك على حساب سلامة البيئة البحرية، وعلى حساب الأملاك العامة التي ستتحول الى «خاصة» جدا!
لم ينجز الوزير الاستراتيجية اذاً، لا بل وافق على توسيع الخطة الطارئة من دون أن يراجع دفاتر شروطها ومخالفاتها التي طالما كتبنا عنها. وقد تراجع عن كل ملاحظاته الأولية عليها، وتغاضى عن كل الملاحظات التي قدمها «مجهول» في الوزارة على دفاتر شروط المحارق، فعاد ووافق عليه في مجلس الوزراء! وختم «انجازاته» في هذا الملف بتعيين لجنة فولكلورية، كانت مقترحة من قبل برنامج الأمم المتحدة للبيئة، إنما ضمن برنامج مختلف ولأهداف مختلفة… ناهيك عن استعراضات وورش عمل كان أخطرها مع البلديات التي وزع عليها استمارات وطالبها بتحديد ما اذا كانت تريد أن تدير نفاياتها بنفسها او تعلن عجزها وتطالب بالانضمام الى الخطط التي اعدتها الحكومة (اي مطامر الشاطىء حالياً والمحارق لاحقاً). وكأن هناك من يريد أن يفشّل هذه البلديات ليرغمها على الانضمام الى الخطط المركزية البالغة السوء… وكل ذلك من دون استراتيجية تحدد المبادئ والافضليات والخيارات والأولويات والأهداف، على أن تترجم هذه الاستراتيجية بقانون ينظم هذا القطاع والصلاحيات، ويحدد المسؤوليات والمهام، لناحية التجهيز والتشغيل والإشراف، بالإضافة إلى تحديد الأدوار المركزية واللامركزية للبلديات… وبعد كل ذلك يتم مفاوضة الاتحاد الأوروبي ووزارة التنمية الادارية للتوقف عن صرف الاموال في المشاريع الصغيرة الفاشلة غير المكتملة بسلسلة من المعالجات المكتملة… وان تصب مشاريعها ضمن الاستراتيجية المرسومة والخطط التي تقرها الحكومة ويضبطها القانون، تمهيدا لالغاء دور هذه الوزارة في هذا الملف، خلافا لطبيعة مهمة هذه الوزارة كما نبهنا، منذ أن وقع اول اتفاقية حول ادارة النفايات مع الاتحاد الاوروبي وزير التنمية الإدارية كريم بقرادوني العام 2004!
فهل تتدارك الكتل النيابية هذه الاخفاقات اثناء تشكيل الحكومة وتسمية وزير البيئة الجديد؟ للحديث صلة.