كوثر بن هنيّة: تونس «على كف عفريت»

علي وجيه

كعادتها، تستند كوثر بن هنيّة (1977) إلى أساس حقيقيّ، للوقوف على حال بلد وبنى وقضايا. في «على كف عفريت» (2017 ــ 100 د – متوّج بجوائز مختلفة في قرطاج وبروكسل ومالمو…)، تستوحي السينمائية التونسيّة حادثة هزّت الرأي العام في بلادها عام 2012. طالبة جامعيّة تُغتَصب على يد رجلي شرطة. «فتاة ليلة 3 سبتمبر» (تاريخ الجريمة) عاشت جحيم ليلة كاملة، قبل أن تتمكّن من تقديم شكوى ضدّ الفاعلين.

عدد من مراكز الشرطة والمشافي تضافرت لمنع ذلك، والتستّر على الجريمة. بن هنيّة أخذت لبّ القصّة، للانطلاق إلى نصّها الخاص، الذي يبدأ من حفل طلّابي في فندق محاذٍ للشاطئ. 9 مشاهد طويلة، تغطّي الليلة المشؤومة. كلّ منها يستمرّ مع «مريم» (مريم الفرجاني) بلا تدخّل مونتاجي، على غرار بعض أعمال جيم جارموش وكريستيان مونجيو. خيار يلقي المتفرّج في قلب الورطة. يبقيه ضمن الزمن الحقيقيّ. يضفي حسّاً تسجيلياً مؤثّراً. بالمقابل، هناك عيوب في شريط كهذا، يحتاج إلى تتابع حكائي، وضبط انفعالي، وذكاء في أماكن التكثيف والاختزال والاسترخاء.
هذا أوّل روائي طويل خالص في فيلموغرافيا كوثر، بعد وثائقيين هما: «الأئمّة يذهبون إلى المدرسة» (2010، 76 د.)، و«زينب تكره الثلج» (2016، 94 د.)، فيما يمزج «شلّاط تونس» (2013، 90 د.) بين التسجيل والخيال (ديكودراما أو موكومونتري). في الأوّل، ترافق عدداً من أئمّة المساجد الباريسيّة، ممّن يتلقون كورساً عن العلمانيّة. مفهوم شائك دينيّاً. تُلقى محاضرات حوله في مكان حسّاس، هو المعهد الكاثوليكيّ في باريس. «اصطدام» الإسلام والشرائع عموماً، مع المبدأ الرابع للجمهوريّة الفرنسيّة، يتطلّب أفقاً وحواراً ومرونةً. مبادئ مثل احترام الحريّات وحقوق الإنسان، والقدرة على نقد الذات، تصبح على المحك في أذهان شيوخ حريصين على الدين بطبيعة الحال. الشريط يضع كل ذلك على الطاولة، منتصراً للمسلم المنفتح البعيد عن الصور النمطيّة. «زينب تكره الثلج» وثائقي حميميّ. يلاحق طفلةً مع عائلتها على مدى 6 سنوات.

يرافقها من تونس إلى حياة جديدة في كندا، إثر رحيل الأب، ودخول رجل جديد على حياة الأم. عمل مينماليّ، محمول على الظهر. بين 2009 – 2015، تكبر زينب أمام عدسة بن هنيّة، التي تتولّى التصوير بمفردها حفاظاً على التلقائية والعفوية. تمرّ بتطوّرات ومفاجآت، ما يمنح الشريط الصبور عمقاً خلّاباً. يقول الكثير عن الهويّة والعائلة والنضج ، في معادل لـ «صبا» لينكلاتر. منه استوحت كوثر الروائي القصير «يد اللوح» (2013، 24 د.). «أميرة» تشبه «زينب» في المرور بصدمة فقدان الأب، ورؤية رجل جديد مع والدتها. يظهر ذلك في رفضها حضور حصص الكتّاب في المسجد، والاختلاط مع التلاميذ. لتحقيق ذلك، تقوم بلصق يدها بمسند كرسيّ خشبي. «شلّاط تونس»، قائم أيضاً على قضيّة حقيقيّة، أثارت جدلاً واسعاً مطلع القرن. ثمّة من يمرّ مسرعاً على درّاجة ناريّة، ليجرح أرداف النساء غير المحجّبات/ المحتشمات بمشرط حاد. في رحلة ساخرة للبحث عنه، اعتمدت صانعته بنيةً مخاتلةً بين الواقعي والمتخيّل، وبين الحقيقة والتمثيل. فتحت الأفلمة على واقع مأساوي لشريحة من مجتمعها. رصدت نظرة متخلّفة للمرأة رغم الحراك المدنيّ وتطوّر القوانين. هكذا، يمكن فهم تطوّر واحدة من أبرز أسماء السينما التونسيّة الجديدة. الجيل الذي قرأ بوادر/ أسباب الثورة سواءً عن قصد أو من دونه. احتفى بها، ثمّ انتقل سريعاً إلى نقد ما بعدها، حرصاً على نضجها وتخليصها من الرواسب والسلبيّات. كذلك، طرح الراهن والملح والمسكوت عنه في المجتمع التونسي كالهجرة والهويّة الجنسيّة، مقترحاً أسلوبيّات مغايرة وطازجة، بتوقيع أسماء مثل محمد بن عطيّة، وليلى بوزيد، وعلاء الدين سليم، ومهدي بن عطيّة، ورجاء عماري، ونضال شطا، وفارس نعناع، ووليد مطّار، وإلياس بكّار، وشارة عبيدي، وهند بوجمعة، وأنيس الأسود، ومهدي برصاوي…
نعود إلى «على كف عفريت». من ميّزاته أنّه متعدّد مستويات القراءة. يقود أحدها إلى الآخر بسلاسة ودون تلقين. قضيّة الفتاة تحيل على بنية رسميّة – مجتمعية كاملة. قطاعات مثل الأمن والصحة تحتاج إلى إعادة تقييم جذري. النظرة إلى المرأة المغتصبة مشوّهة لدى كثيرين. هي الضحيّة وليست الجلّاد، الذي يفترض أن يحقق العدالة هنا. الفساد المستشري، حتى أنّ البن يُسرَق من ماكينات القهوة. استخدام شعارات المسؤوليّة التاريخيّة، وحب الوطن لتبرير سحق الفرد والكرامة. التخويف من الإرهابيّين والسرّاق والميليشيات والعصابات أسلوب أمني مكرور. كل ذلك يخرج الفيلم من محلّيته، رغم إخلاصه لمعطياتها. هذا واقع جامع لعدد من الدول العربيّة وغيرها. أسلوبية المشاهد فرضت لويَ عنق بعضها، لتتفق مع التصوير المستمر. أبقت على ما لا يفيد في بعض المفاصل، على حساب اللازم في أخرى. ساهمت في بعض الترهّل والتكرار، خصوصاً بعد وصول «مريم» إلى مركز الشرطة الرئيس. إنّه السؤال شبه الدائم في الأعمال الأولى لمخرجين: هل الانسياق وراء شكل مغرٍ، يبرّر تطويع المضمون بأيّ ثمن؟ المأخذ الأكبر هو إدارة الممثّل. البطلة لم تكن حاضرة دوماً، رغم تفانيها، وتوهّجها في بعض اللحظات. يبدو أنّ بن هنيّة وجدت طلبها في ملامحها الطفوليّة وجسدها اللافت. كذلك الأداء الكاريكاتوري للمغتصبين، بغية إظهارهم ككلاب مسعورة. كان يمكن الاكتفاء بلقطة الكلاب الحقيقيّة خلف الأقفاص، للتعبير عن ذلك دون مبالغات. تماماً كما خروج البطلة إلى النهار كـ «سوبروومان» برداء أبيض على كتفيها، الذي قال الكثير من دون شرح مباشر. لا يهم أن نعرف مصير الجناة، طالما أنّ «مريم» تغلّبت على الذات والخوف والترهيب، ضمن شريط يستحق التقدير إلى حدّ كبير. ماذا عن القادم؟ روائي قصير كوميديّ بعنوان «بطيخ الشيخ».

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*