كم نحن خارج الموضوع


(1)

المصدر – هنا لبنان
“ريتروسبكتيف”

لم يتعلّم أحد من أحد. الخوري ساير فاروق، والصلح غازل الاردن، وشمعون شارك نوري السعيد ، شهاب خرج من هزلية شمعون ضد الناصرية وارتباط سلام بسفير مصر وابراهيم قليلات المتهم الدائم بقتل كامل مروّه و بطل “المرابطون” في ما بعد .

وحده شهاب ذهب الى المصنع وتحت الخيمة وعلى طرفي الحدود تفاهم مع عبد الناصر. تفاهم الرجلان ليعود كل منهما الى بلده يسيّر أموره بحسب اتفاقهما. يومها عبد الناصر وباسم الامة العربية كان يحكم مصر وسوريا تحت عنوان الجمهورية العربية المتحدة.

مع شارل حلو كان قد مرت من تحت الجسور مياه. انقلابات متكررة في سوريا حتى 1970 .وإنهيارات 1967 تفرز فيما تفرز احد لاعبي الغد الكبار – ياسر عرفات.

لم يعرف شارل حلو كيف يقطّع سنوات حكمه. إتّكأ على اختراع الحلف الثلاثي من جهة ولزّم جنرالا من بيت البستاني ممالأة فلسطينيي عرفات من جهة اخرى عبراتفاق القاهرة. إختل توازن المكتب الثاني الساهر على أمن المؤسسات لا بل الدولة وسوف يسقط بالضربة القاضية فتسقط معه الدولة فور وصول فرنجيّه الى الحكم

في هذا الجو بدأت الحركة الوطنية تغلي ومظاهرات البربير تقض مضجع الوطن وشعارات التحرير والتخوين تنتشر في احياء العاصمة والمناطق. وقد صدّقت يومذاك الحركة الوطنية انها على قاب قوسين أو أدنى من انتصار ما، على فريق ما خائن متعامل مع قوى الشر وفي مقدّمتها إسرائيل.

وفي هذه المعمعة “الموت لإسرائيل” تجارة رابحة

جاء سليمان فرنجية الصديق الكبير لحافظ الأسد آخر الإنقلابيين وفاتحة “الإرعابيين” مبعث الإستقرار في القطر الشقيق . غير ان هذا الشقيق وخلف الف ستار، تارة بالتعاون مع الفلسطينيين جيش السنة وقفّاز الحركة الوطنية وطورا بالتحالف مع الجبهة اللبنانية حامية الحمى كما تردد، اجتاح لبنان.

السلاح يأتي من ليبيا الى سوريا الى الفلسطينيين و منه الى الحركة الوطنية اللبنانيّة التي أذاقها عرفات الأمرّين.
ومن العراق وليبيا … يأتي السلاح عبر البحر تمرّره اسرائيل تارة و تمنعه طورا بحسب ميزان قوى المتقاتلين ودائما بحسب ميزانها.

والسيرة عندنا هي ، هي. فبعد الغرام بعبد الناصر انتقل ولَهُ جميع ساستنا الى الاسد. يشتمونه في السر ويمدحونه بالعلن وهو إن لم يضرب كل واحد منهم على حدة، ضربهم ببعضهم حتى استحال لبنان جمرا ونارا.

ليبيا ومصر ، سوريا والحاكم العسكري عرفات والعراق وايران أمدّوا سياسيينا و”ملازمينا” او “جنرالاتنا” لا فرق… ولا يزالون، بأطنان من المال و السلاح.

احترقت بيروت واحترق الجبل للمرّة المئة….. وصار السفر من المطار ضربا من المحال و من جونيه ضربا من الإنتحار وارتسمت حدود الحزن بين نهر الموت والمدفون ومات من مات فوق الجسر وتحته وفي كل ما بين بين و شلّع ما كان فوق كل اعتبار وسقط الجميع في المعصية ا ودفعنا ودفعوا الثمن ولا نزال!

ثم ظهر في لبنان رجل استثنائي لا يدّعي البراءة . جاءنا قويا من رمل الصحراء ومفاهيم الصحراء وثراء الصحراء.

يده في جيبه ونظراته الى البعيد. ارتبط به كبار العالم فصادقهم . لاقى مصير من سبقه وشابهه بالحجم والإدراك : إميل البستاني صاحب الضحكة العريضة والعلاقات الواسعة ، يوسف بيدس الذي جعل من إنترا جزءا من إمبراطورية مالية لبنانية متراميّة الأطراف . غير أن النجاح في لبنان وللبنان ممنوع.

نادى الحريري بالحياء وقال “يلّي استحوا ماتوا” و”ما حد ا أكبر من بلدو” دعا السّاسة الى النهوض ببلد كسرته الحرب. ساير الجميع ووزّع على الجميع وخبر المواقع لا سيما المواقع السورية فلم يرحمه أحد.

سارت مظاهرات لا تشبهها مظاهرات ورفعت رايات وسقط الشهيد تلو الشهيد ولأسباب داخليّة وإرادات خارجيّة إنتهى الدّور وبدأت أدوار.

في الخارج كل يرمم بيته ويحصّن داره وفي الدّاخل بيت بلا سقف، بالإذن من غسان تويني، والكل يهدم عندنا ويحصّن عنده. اسرائيل تشن حرب 2006 تدمّر ما دمّرت وإيران تعلن الانتصار عام 2010 .

احتُلّت المدينة احد عشر شهرا وخرّبت بيوت الناس ! وحكم من لم تمنحه اكثرية اللبنانيين ثقتها وما لم يمنحه اللبنانيون منحه لهم السلاح. فعاث الفساد وعاث العهر حتى افْتَعل في الإقتصاد ايَما إفتعال. (1)

انتصارات شكرا سوريا عام 2005 ورئيس وزراء لبنان بالأرض وانتصارات الوهم على اسرائيل والف لبناني بالأرض، اما انتصارات قم على النجف فاطاحت بالعراق التي اصبحت شبه رماد وطحنت سوريا على وقْع “الموت لأمريكا” أيضا وأيضا… ولما آن أوان التفاوض صار الشيطان قديسا على حساب حمص وحلب وتدمر والموصل والرمادي وصنعاء وعدن وسائر حضرموت هناك وسائر المشرق هنا.

كتب سمير عطا الله عام 2013

“ارسل هتلر الى باريس المحتلة جنرالا من الرايش الثالث يدعى ديتريتش فون شوليتز. حسب الفوهرر جميع الحسابات، الا واحداً: سوف يهيم فون شوليتز بجمال باريس وحجارتها وعطر آدابها. فلما أمره باحراق مدينة الاضواء، تمنع فون شوليتز. فعاد الفوهرر يسأل رئيس اركانه: هل باريس تحترق؟ تلك الجملة اصبحت عنوان كتاب، وفيلماً هائل الانتاج. الجمال يهزم قباحة الدمار، وجنون الخراب وشبق الحرائق.
في 27 نيسان 1969 صدرت نتائج الاستفتاء على مجموعة اصلاحات طرحها شارل ديغول: 65% يؤيدون. اعتبر ديغول تلك النسبة اهانة له وخطأ في حق فرنسا. صباح 28 نيسان اصدر بيانا من سطرين: “قررت التوقف عن ممارسة مسؤولياتي. يعتبر هذا الأمر نافذا منذ ظهر اليوم”. اعطى نفسه من الوقت نصف نهار ومضى الى كولومبي وبقي هناك. لم يدمر فرنسا التي صنع مجدها الحديث. لم يدك باريس بالميراج.” (2)

قم يا نزار! وانظر، فحتى الله لم يعد باستطاعته ان يتعهد الكرمة لا باليمين ولا باليسار….

ألمأساة الكبرى أننا خرجنا على منطق الأشياء، فخرجنا من الزمان! لذا صار من السهل أن تقع الكارثة ونصبح خارج المكان

(1) عام 2010 كان معدّل النمو 9% في 2015 ما دون 1%
(2) من مقالة سمير عطاالله في النهار 09012013

شربل نجار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*