كميل سلامة: مسامرات حميمة تسرقنا من الحرب

 
بديع أبو شقرا ورودريغ سليمان في مشهد من «كلكن سوا»
عبيدو باشا
الأخبار

لا يضع كميل سلامة كاميرا. غير أنه يسلط عين الكاميرا من خلال فتحة قفل الباب، وكل الفتحات الأخرى. ذلك أن الكاميرا تقلص الأبعاد، حين تضخم الشخصيات. سلامة صاحب رأي. لا يطوّر الرأي، إلا من خلال إبراز الرأي بلغة خاصة. لغة وقفٌ. لا لغة وقف كنسي. لغة وقف على قلمه وبصره وإحساسه. المادة الأساسية في عروضه المسرحية هي اللغة. لغة اقتران اللغة الأدبية باللغة البصرية. لا أدب في مسرحيات كميل سلامة.

الأدب، كلام، صوتيات مسموعة، معطوفة على عناصر تعبيرية أخرى. لغة سلامة من كل تلك الأدوات. لغة مسرح، لا لغة هجينة على المسرح. لغة رشيقة. لغة الاكتشاف التدريجي للغة، على المنصة. هناك منصتان عند كميل سلامة. المنصة والمنصة. منصة كتابة المسرح على ورق المسرح. ثم كتابة المسرح على ورق المسرح، أو كتابة المسرح على المسرح. المسرح، عند كميل سلامة، عبارة عن متتاليات، لا تهدف إلا إلى كتابة المشهد. مشهد بلقطات في المشهد الواحد. لا فوتوغرافيا في عمله الأخير، ولو بانت الوحدة الكبرى بالعرض، وحدةً فوتوغرافية. لا يصور الرجل الواقع تصوير المصوّر لمن يرغب في أن يحتوي ذاته في صورة واحدة. لا وقفات تذكارية في مسرحه. ولو لعب التذكر دوراً حاسماً في كتابة «كلكن سوا»، فلأنها مسرحية دفع الذاكرة إلى الأمام. صحيح أن المسرحية ببداية ووسط ونهاية، غير أن الكتابة المزدوجة، هنا، كتابة دفع إلى الأمام.

كتابة بالذاكرة. دفعٌ بالماضي إلى المستقبل، عبر الراهن. غير أن المرآة الكبرى الخاصة بزمن الحرب، بقيت تدور حول الزاوية الموضوعية جداً، في حكاية الصديقين، العالقين في منزل أحدهما، وسط القصف الشديد واشتداد الاشتباك على محاور القتال. وإذ ترتفع المسرحية إلى خدمة الحدث الدرامي، تدور حول الروح الموضوعية هذه، ماسحةً عبر التصوير الشعاعي، الأحاسيس والحالات والوضعيات بين الثلاثة على المنصة. الزوج والصديق (الحبيب السابق للزوجة) والزوجة. مسح بالغطسية. تفسيرها، علو الكاميرا على الديكور، من زاوية محددة. زاوية محددة للرؤية إذن. زاوية، يقرأ كميل سلامة عبرها، سيكولوجيا الشخصيات، من خلال علاقتها بالحرب الأهلية في لبنان. مسرودٌ، يؤطر الحرب بالعلاقة الثلاثية المستحيلة.
لا تتمعن المسرحية في الحرب. الحرب في المسرحية أداة لا عنصر. لا تقترب المسرحية من تفاصيل الحرب، لأنها تقترب بالتدريج من وضع الشخصيات على زوايا التصوير وحركات الكاميرات. لا غرابة. لأن السينما، روح السينما، جزء من وسائل الاتصال بالمسرح في «كلكن سوا». الحرب حاضن لا أكثر. لا تقرأ المسرحية بالحرب. لم تُقرأ الحرب بعد. لم تقرأ بدلالاتها. الحرب صامتة في المسرحية المعبرة عن ضجيج العلاقات المقتول، بين الأصدقاء الثلاثة. لا تؤدي الحرب دوراً لغوياً، لا تؤدي دور تلقي الأبعاد القديمة، بحيث تضحي سلماً يصعد عليه الجمهور. لا كبيان. كعملية إنتاج مستعادة. تسمح العملية بقراءة، حيث القراءة تسهم في تنوير الوعي. لا يسمح الأخير بإعادة إنتاج أدوات الحرب، أو يسهم في ذلك. هكذا تترك الحرب شيفراتها وراء عالم الاتصال الموؤود بين الشخصيات الثلاث. الكلام على الحرب كلام مُعَّلق. لا كلام قراءة أو طرح المادة. مادة تُقرأ، ولو لم تلعب الدور الرئيس. فوَّت العرض الفرصة، حين مال إلى اللسان لا اللغة: شبكة علاقات واصطلاحات وتصويرات وتميزات. الحرب حيلة هنا. لا حياة. هكذا تنتهي الحرب عند قصص الحب وقصص الصراع بين الشخصيات، على أرض تلعب الحرب عليها بصوتها الخارجي، لا بعلاماتها. هذا خيار.
إلا أن تفويت الفرصة، من كميل سلامة بالذات، علَّق المسرحية على الشخصيات. لم يخفِ هذا، تعاقب الحرب على الشخصيات، وتدخلها في حركاتها ونقلاتها في الفضاء والزمان، من خلال تقنيتين بسيطتين، متميزتين ببساطتهما: الحاضر والماضي. الأحداث والفلاش باك. شيء كالبانوراما. شيء كالترافلينغ. الأخير شيفرة سينمائية، الشيفرة الأكثر اختصاصاً بالسينما، من قوتها على إضفاء ديناميكية فنية، بشرط عدم المبالغة والإفراط في استخدامها. وهذا ما حدث. كميل سلامة السينمائي الهوى في المسرح، لم يفرط في استخدامها، لأنه الأدرى بأن الإفراط، يؤدي إلى نتائج عكسية. الفلاش باك، صوت تشبيهي في المسرحية، كما هي الحرب. الحرب ليست الحرب هنا. هنا الحرب اصطلاح خطاب الحرب لا خطابها. موسيقاها التصويرية. ضجيج القذائف وأصوات الاشتباكات على خطوط التماس. الحرب ليست سؤالاً. الحرب جواب، حين تبقى في خلفيات الصور والمشاهد على الخشبة. هكذا تغيب الحرب وتغيب المخيّلات الخاصة بالحرب وويلاتها الأيديولوجية والدينية والاجتماعية والسياسية .
يلعب الحوار دوراً درامياً مهماً عند كميل سلامة، بالتصريح والتعبير، من خلال الصراع الخفي بين الشخصيات، لأن دور الحرب في المسرحية دور إعلامي، لا دوراً درامياً. تعليق صوتي على النص. رجلان صديقان قديمان. زوجة الأول، الهادئ، المبتسم خارج البلاد. أخذت الأولاد، حين مكنتها سفارة بلادها من الخروج الآمن، من حرب غير آمنة. زوجة الأخير، حبيبة الأول السابقة. تزوجت من تزوجته بعدما وجدت في غياب حبيبها، شيئاً غير منطقي، غير مقنع، غير معقول، غير مقبول. يعلق أحدهما عند الآخر، تحت وطأة اندلاع معركة. وإذ يخرج، يقنصه مسلح برأسه. عنصر التشويق. هذا ما يشير إليه كثيرون بالعينة المنتقاة.
لا اعتراض على عدم قراءة هيمنة الحرب على التحكم والتوجيه عبر السياسة العامة. لا عبر علاقة الحرب بالأفراد كأفراد يحتكمون إلى بعض قوانين الحرب بدون الاحتكام إلى الحرب كحرب، بتوزيعاتها الكثيرة. لا تتجلى المظاهر السياسية هنا. هنا، تغيب المظاهر الاجتماعية. تبرز المظاهر وتحدد علاقة الإنسان بعالمه في لحظات الأزمة. هنا، تحتكر الحرب شخصين، ثم ثلاثة. هنا، يحتكر الأشخاص الثلاثة، الحرب. لن تمنح الصرخة الأخيرة الحرب، كلية الحضور، حين يصرخ من نجا «… اختكم كلكم». الحرب جزء هنا. لا حرب.
«كلكن سوا» مسرحية سياسية بالضرورة، غير أنها لا تقدم الحرب كمنظم آخر للحياة، لأنّ الحرب ليست مستودع جثث ولا متحف مدافع وبنادق رشاشة. الحرب حيوات بحياة واحدة. صورتها المسرحية في معالجاتها الفنية، لا تدفع إلى إدراكها، في بيئتها السوسيوتاريخية. الحرب ثقافة، بشروطها الداخلية والخارجية وشروط هيمنتها على المستويات هذه. تمتلك الحرب وسائل وقدرات تواصل، لا تحضر في المسرحية. لم تبسط الحياة، إذ حصرت حضورها بنزوات ثلاثة أفراد. هكذا أضحت بتوجه، بدون حضور التوجهات الأخرى. لا غياب للإمتاع. لا غياب للتسلية. لا غياب للبحث في المصادر الأولى. مصدر أول، ما يدور على الخشبة. مصدر ضد خدمة السياسة العامة. ضد تبريرها. خاض اللبنانيون حروبهم على معاداة الواقع باستعمال هيئات ووسائل وتقنيات، ندرت في « كلكن سوا». التسلية والإمتاع من استعمال «الساتير» كوحدة فنية، لا تختلف توظيفاتها مع احتفال كميل سلامة بحقوق الفرد المدنية وسط حرب عسكرية، منتجت حضور الناس بعنف جديد. نموذج لإبادة جديدة. لا يمين ولا يسار. لا أيديولوجيا عند طرف ولا فكر شمولياً عند طرف آخر. لا ثورة على النظام. لا دفاع عن النظام. الحرب كتلة هنا. تسبب الضرر فقط، لا تحرر ولا تقيم العلاقات بين الثقافة والفن والسياسة وكل فروع علوم الاجتماع. هذه مسرحية رجع صدى بسيط. مسرحية أثر ضيق من آثار هائلة. لا أخبار ولا معلومات ولا آراء ولا اتجاهات ولا مشاعر إلا حول حدث واحد. لا مشاعر حول قضية. الحرب قضية. هكذا هي. تجهل الثقافة الحرب حتى اليوم بالنأي عن مفاهيمها وحقائقها وفروضها.
خبرة كميل سلامة بالاتصال بالجماهير لا غبار عليها. الـsatire أحد مناهج الاتصال المحببة لديه. هكذا ابتعد عن الدعاية، حين مسخَر العلاقة بالحرب. حين أقامها على علاقة رجلين، أحدهما لا يشتم إلا بعد موت صديقه والآخر يدور حضوره على مستوى واحد، لا على مستويات. لم تفتأ المرأة تذكّر بضرورة عودة الملامح القديمة، في لحظات خضوع الزوج إلى عملية جراحية دقيقة في الرأس. هذه أضعف مقاطع المسرحية الهجاءة. كلام على مناطق الدماغ، في وقت إجراء العملية الخطرة في دماغ بديع أبو شقرا. منطقة الخيال ومناطق الإحساس والمناطق الأخرى. استكناه الموت في هذه اللحظة، ليس عسيراً. غير أن الإدارة المتميزة لكميل سلامة، على مساحة المسرح، يصمد الشخصية المقنوصة، بعمق المسرح، خلف ستار، على علو من المنصة وفق صورة جامدة، لا تتجانس وقيم الهوية الجمالية في المسرحية. قيم واقعية، يوقن المشاهد أن اختراقها، سوف يصادر الواقع ذاته، بعيداً من تلوينات الواقع.
يحق للجميع إبداء الرأي في الموضوعات المطروحة. تحديد الأجناس والمعالجات الخاصة بها. غير أن إبراز الجانب الشخصي، وحده، بالحرب، ذوّب الحرب في مساحات الشخص والآخر. بدل أن تذوب الشخصيات في الحرب. ذلك أن الحرب لا تتشكل على معطيات الحرب الراهنة، بتجلياتها المجتمعية، قدر ما تفعل على الصفات المرجعية للشخصيات. شخصيات ميسورة، تحيا وراء جدار من العزل الفكري والعزل الاجتماعي. البيت حصن منيع. العلاقة بين الثلاث شخصيات، قصيدة. الروح الفردانية أقوى من أي خطاب. جنون الحرب صناعة مهندسة على قياس الشخصيات. ما يحدث على المنصة مبتور. لا بيئة واضحة. لا صميم. توأمة أو ما يقرب التوأمة بين الشخصيتين، حتى على صعيد الملبس. العلاقة بين الشخصيتين، وحدها، بيئة تجمع وتفرق، باللفظ لا بالشكل. لا يغيب الصدق عن رسم الشخصيات. كل شخصية شهادة. هذه واحدة من ميزات «كلكن سوا» وواحدة من سلبيات المسرحية، لأنّ الشهادة تغيب ملامح الشخصيات بميزاتها المورفولوجية (علم التشكل). التركيز على ذلك، من أهمية دور الفنان في القضايا الإشكالية. فهناك علاقة وثيقة بين الفن وشخصية الإنسان من خلال رصد التغيرات الطارئة على الفرد والجماعة، من اعتبار الفنان ترجمان أحوال الإنسان، خصوصاً تحت ظروف العيش تحت وطأة حرب استدمارية، تملك معاول الهدم الهوياتي بإحياء الهويات الأخرى في المختبرات البحثية على الأرض.
شخصيات مهتزة على زلازل الأرض. كل شخصية مفتاح في فضاء يتعقبه الإخراج خطوة بخطوة، على آمال واسعة وبساطة أوسع. الأخيرة قلب المسرحية. بساطة لا تبسيط. بساطة ضد كل ما له علاقة بالطاعة. عدسة تصويرية تلازم الطاقم، بموجات حضوره على النمط المطلوب. شخصيات تزرب القفار في دواخلها. لن تلبث القفار هذه أن تجتمع في مشهد المستشفى. يلعب الرمز دور الواقع، بحضور كرسي واحد، طويل، بفضاء عريض. واقعية وترميز. يكثف الأخير المساحات والحالات. رأي الممثلين بأدوارهم واضح. غير أن حضور كميل سلامة في طبقات حضور بديع أبو شقرا ورودريغ سليمان وباتريسيا نمور، حوّل الشخصيات إلى شخصيات نفيسة. لا يرى كميل سلامة التمثيل إلا كقضية مصيرية. الأداء يكثف الصراع بين الداخل / الداخل والخارج / الداخل. شخصيات حزينة. شخصيات نايات، لا تهتم إلا بذواتها. شخصيات معطلة. مفارقة من مفارقات العرض، أن تتظهر الشخصيات، شخصيات بكماء، حتى في لحظات امتلاكها ملكات الكلام والصوت. تبحث عمن تسمعه رأيها وهي تتوزع، تحقق الحضور أو اقتباسه. النص أمانة، تستوجب التجسيد. يجسد بديع أبو شقرا ورودريغ سليمان وباتريسيا نمور، الشخصيات، باعتبارها شخصيات تعبّر عن جيل. الإخراج إخراج نصي. لا تخييل إذن. الإخراج مؤتمر مطيع لقيم وتقاليد النص ذي النزعة الواقعية. لا يصنع الديكور فرادته (جورج الأسمر) إلا من ترجمته خصائص ومميزات النص. اشتغل الأسمر على بعض التفاصيل المنعشة. تأويل الحضور بالشكل واللون. الخط الموڤ، على البار والأساسات الأخرى، يدخل في مواجهة صريحة مع الأجواء المظلمة، المكتوبة على بوصلة العرض. يمنح كميل سلامة السلطة للآخرين على منصته، غير أنه لا يسمح إلا بتحميض الصور في مختبراته. الكل جنود هنا. لذا تكثر صور الكفاح في المسرحية. هكذا يلتحق كميل سلامة بذاته في مسرحيته الجديدة. لا يخون الرجل نفسه بصموده على وسائله الأكثر تأثيراً. الساتير، الهجاء، ضرورة إخضاع السلطة للناس. لا العكس. مسرحه إشكالي. الإشكالية من ميزات مسرحه. الإشكالية الأجمل في مسرحه. هكذا يميط اللثام عن الموقع الأخير في اللحظة الأخيرة. لكل من في السلطة «… اختكم كلكم».

«كلكن سوا» نص وإخراج كميل سلامة ـــ 20:30 مساء كل خميس وجمعة وسبت وأحد ـــ «مسرح دوَّار الشمس» (الطيونة، بيروت) ـ للاستعلام: 01/381290

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*