كل زعيم في العراق يُريد أن يكون “صدام حسين”؟

سركيس نعوم
النهار
13072018

لا تزال الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة تعتقد، واستناداً إلى خبرة عراقيّة عميقة وطويلة لها، أن السيّد مُقتدى الصدر رجل الدين والزعيم الواسع الشعبيّة في العراق زئبقي وأنّه ليس في جيب أحد. هذا ما يقوله مُتابعون لبنانيّون لها بعضهم قريب جدّاً منها. ويُضيفون أن البعض في بلاده وخارجها ظنّ أنّه خرج من جيب إيران وصار في جيب المملكة العربيّة السعوديّة، ولا سيّما بعدما زارها قبل أشهر تلبيّة لدعوة رسميّة من وليّ عهدها الأمير محمد بن سلمان، وبعدما قرّرت هي بعد الزيارة فتح قنصليتين لها واحدة في النجف والأخرى ربّما في كربلاء. وهذا الظنّ غير صحيح في رأيهم. ذلك أن الشخص الذي يطمئن إليه ويثق فيه الصدر أكثر من أي شخص آخر في العالم هو الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله. وقد ظهر ذلك واضحاً أكثر من مرّة في أثناء حواراته وحتى مفاوضاته أو مباحثاته مع إيرانيّين، إذ كان يقول عند وصولها إلى نقاط مُحدّدة: أريد ضمان السيد نصرالله، فكانوا يُجيبونه: لماذا هو؟ نحن إيرانيّون ونحن نبحث معك، لكن ذلك لم يكن ليدفعه إلى تغيير رأيه وموقفه.

ويُتابع هؤلاء الخوض في شخصيّات العراق وأحزابه فيقولون إن رئيس الحكومة الدكتور العبادي ينتمي إلى حزب الدعوة، وإن الرئيس السابق للحكومة المالكي ينتمي إلى الحزب نفسه، وإن إيران كانت تريد الثاني رئيساً للحكومة لكن المرجع السيد آية الله السيستاني رفض ذلك فتولّى العبادي رئاستها. طبعاً أتى الأخير من لندن إلى بغداد وهو يحظى بتأييد واشنطن وسياسته الأساسيّة كانت رسميّاً ولا تزال عمليّاً السعي مع آخرين لتحويل الاصطفافات الطائفيّة والمذهبية وطنيّة. لكنّه لم ينجح في ذلك، إذ اضطرّ في الانتخابات النيابيّة الأخيرة، وبعد تصاعد شكوك في تعرضها للتزوير إثر صدور نتائجها في صورة غير رسميّة وبعد قرار مجلس النوّاب إعادة الفرز يدويّاً، إلى الاصطفاف مذهبيّاً. طبعاً لا أحد يعرف إذا كان العبادي سيُكلّف تأليف الحكومة الجديدة أو إذا كانت إيران ستؤيّد ذلك. علماً أنها لم تعد قادرة على إعادة المالكي إلى هذا الموقع. لكن ما يعرفه العراقيّون وأحزابهم الكثيرة وسياسيّوهم أن حزب الدعوة خسر الكثير من شعبيّته بعد تولّيه السلطة طيلة إثنَي عشر عاماً. والدليل أن عدد النوّاب المُنتمين إليه الذين فازوا في الانتخابات لا يتجاوز التسعة. وعلماً أيضاً، يضيف المُتابعون والقريبون أنفسهم، أن السيد مقتدى الصدر حقّق نصراً انتخابيّاً مُبهراً رغم حصول بعض التزوير في دائرة أو أكثر من الدوائر التي كان له مرشّحون فيها. وعلماً أيضاً أن رجل إيران في العراق اليوم هو هادي العامري “زعيم” “الحشد الشعبي” التنظيم العسكري الذي تشكّل من مجموعات عدّة لمواجهة “داعش” وتحرير العراق منها، والذي يحاول بواسطة الانتخابات التحوّل حزباً أو فريقاً سياسيّاً له جناح عسكري ينتظر أن تتأسّس الدولة العراقيّة في صورة جديّة كي تستوعبه في جيشها وشرطتها وأجهزتها الأمنيّة.

هل الكتل النيابيّة الشيعيّة تتعاون أو ستتعاون مع بعضها بعد الانتخابات؟ انّها تتعاون يُجيب المُتابعون والقريبون أنفسهم. فـ”تيّار الحكمة الوطنيّة” بزعامة السيد عمّار الحكيم وتحالف “سائرون” بزعامة السيد الصدر والعبادي يتعاونون. والصدر والعامري يتعاونان. ولم يبقَ خارج التعاون إلّا المالكي. ويعني ذلك في النهاية أن الكتلة السياسية – النيابيّة الشيعيّة تبقى واحدة في صورة عامّة ومُقرِّرة في العراق انطلاقاً من كون الشيعة يُشكّلون الغالبيّة ديموغرافيّاً فيه. وهذا أمر لن يتغيّر أيّاً تكن التدخّلات والاغراءات.

ماذا عن العراق إقليميّاً ودوليّاً في هذه المرحلة؟

هناك محور إقليمي مُهمّ تتزّعمه إيران الإسلاميّة، يُجيب هؤلاء. والرئيس السوري بشّار الأسد لاعب أساسي فيه. و”حزب الله” لاعب أساسي فيه أيضاً. لكن العراق ليس لاعباً استراتيجيّاً فيه. والأسباب كثيرة منها طبيعة العراقيّين التي لم تتغيّر رغم تغيّر الظروف وتبدّل الحكّام والحروب والاحتلالات. فهم عندما يُقرّرون إرسال أولادهم للتعلّم في الخارج فإنّهم يختارون عواصم الغرب ومدارسه وجامعاته لذلك وفي مُقدّمها لندن. حتّى الذين لجأوا إلى دول شمال أوروبا من العراقيّين في أثناء حكم صدّام حسين، وكانوا يتلقّون منها إعانات ماليّة شهريّة تُمكِّنهم من العيش كونهم لاجئين، يرسلون ابناءهم إليها للتعلّم أو ربّما للعيش. وهم سيبقون كذلك. وهذا يعني أن العراقيّين لا يتوجّهون في صورة عامّة إلى إيران التي آوتهم وساعدتهم ودرّبتهم وسلّحتهم وسلّمتهم بـ”مساعدة أميركا” العراق على “طبق من دمّ”. أمّا المملكة العربيّة السعوديّة فإنّها لا تمتلك توجّهاً فعليّاً أو سياسة عراقيّة جديّة. كما أن إمكاناتها لا تسمح لها بأن تقود محوراً استراتيجيّاً آخر أي مواجهاً أو موازناً للمحور الذي تقوده إيران.

في أي حال، يلفت المُتابعون والقريبون أنفسهم إلى الحقيقة الآتية: “معظم زعماء العراق يريد كل منهم أن يكون “صدّام حسين” أي نسخة عنه”. وتجدر الإشارة هنا إلى أن العراق لم يشهد استقراراً إلّا في فترتين. واحدة في تاريخه القديم عندما حكمه الحجّاج بن يوسف الثقفي بقوّة السيف والقمع والمشهور قوله: “يا أهل العراق، يا أهل… انني لأرى رؤوساً قد أيْنَعَت وحان قطافها”. أمّا الثانية وهي حديثة فكانت أيّام الراحل صدام حسين وبالسلاح الحديث بدلاً من السيف”.

كيف يرى المُتابعون اللبنانيّون القريبون من إيران أنفسهم وبعضهم قريب منها وضع أميركا في إيران اليوم؟

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*