كل العصور إلا النهضة

 


سمير عطاالله
29112017
النهار

في مثل هذا الوقت قبل اربعين عاماً، قام “الرئيس المؤمن محمد انور السادات” بزيارة تردّد العالم في تصديقها حتى وهي تُبثّ عليه مباشرة من القدس. ترجل رئيس مصر من طائرته ليصافح رموز الاحتلال الاسرائيلي والهزيمة العربية: بيغن، دايان، وغولدا مئير.

حملته ركبتاه، لكن يده كانت تمسح، لحظة وراء لحظة، جبينه المتعرق كمن أصيب بحمّى. عكست علامات التوتر على وجه السادات علامات الذهول في عواصم العالم ومدنه وفيافيه وبواديه. الوجوه الباردة الوحيدة التي لم تفاجأ، كانت وجوه مستقبليه.

لم يكن يتوقع أن يزور حاكم عربي اسرائيل، وخصوصاً القدس، وخصوصاً انور السادات، الذي كانت غولدا مئير تعتبره “ألدّ أعداء اسرائيل وممثلاً يستحق جائزة الاوسكار” كما روى نجيب محفوظ في ما بعد. لكن الرئيس “الاضحوكة”(1) الذي لم يتوقع أحد أن يكون هو من يخلف جمال عبد الناصر، لم يخلفه فحسب، بل تجاوز سيناء ليهبط بالمظلة في جوار المسجد الاقصى.

منذ تلك اللحظة، انقلب العالم العربي الذي عرفناه منذ 1948 والحرب التي أدت الى نكبة العرب، فـ”الوطن القومي اليهودي” الذي وعد به اللورد بالفور (مائة عام الآن)، لا يحظى باعتراف صغير متسرِّب، بل باعتراف رئيس مصر. ورئيس مصر لا يزور “أبطال حرب الأيام الستة” في تل أبيب، بل في القدس: يريد أن يستعيد بالسلم، ما خسرته مصر في الحرب.

هذا مشهد. المشهد التالي، كان الموقف من قفزة السادات. انتفض العالم العربي، المعروف يومها بلاغيّاً بـ”الوطن العربي”، يشتُم ويُهاجم ويلعن ويرغي. تزعم الانفلات العبثي صاحبة القضية الأولى، منظمة التحرير الفلسطينية، التي سوف تكون أول من يصالح مصر كمب ديفيد، في مرحلة المصالحات. ورأت بغداد في خيانة القاهرة فرصة ذهبية لاستعادة العصر العباسي. وهبّت في عروق دمشق ذكريات بني أميَّة. ولعلع معمر القذافي، ثم سار على مصر يريد ضمها الى مشروع “الكتاب الأخضر”!

كنا في قمة “اللاءات الثلاث” فاصبحت القمم تعقد تحت شعار، ليس بليغا فحسب، بل شاعري ايضاً، “الصمود والتصدي”. هل خطر لأحد فصل مصر عن الهجوم على السادات؟ هل خطر لمراهقي الفكر العربي، أن عزل مصر عن العالم العربي هو أهم احلام اسرائيل الخبيثة؟ هل تساءل عربي ماذا سيحدث للعروبة كأمّة إذا تحوّل العرب الى فرقة شتم وإهانات وتخوين، لأكبر بلد عربي؟

لم يكتف فرسان العروبة بالحرب العلنية على مصر وبمقاطعتها واعتبارها العدو الأكبر قبل اسرائيل، وإهانة الشعب المصري والتاريخ المصري والفرعون وحتى محمد عبد الوهاب. بل كان يحدث ما هو أكثر غباوة من ذلك، الآن نعرف من مذكرات عمرو موسى(2) أن دول “الصمود والتصدي” حاولت طرد مصر من كتلة عدم الانحياز والحياد الايجابي و”الاسيوي الافريقي”. وخلال مؤتمر في كوبا، قال فيديل كاسترو للمطالبين: أنا لا أقبل أن يحدث ذلك في كوبا. انتظروا مؤتمراً في بلد آخر.

بدأ تخوين مصر وإهدار كرامتها وازدراء تاريخها وتجاهل سجلها المتألق في الوطنية والقومية والحريات، تفجر العدوانيات العربية بعضها لبعض. وأدى استسهال العداء لمصر الى سهولة العداء والتخوين بين حزبي البعث في العراق وسوريا. وامتدت هذه الحالة من الغرائز دون توقف حتى بلغت ما بلغته اليوم.

يقول الدكتور علي أومليل في رائعته “مرايا الذاكرة”(3) الآتي: “بسطت أوروبا سلطانها على البحار، وحاصرت أوطانك، فهبط قومك الى اعماق النفس يتصوفون. الجذبةُ والرعشة البكر كلما اشتد “الحال” بالمتصوف. فقد قومك السيطرة على المكان فتحصنوا في أعماق النفس. التصوف تربية على الموت. عزلة الكبرياء. زهد في الدنيا، أو انسحاب مدروس منها”.

الف قتيل ومصاب بالتفجير والرصاص على المصلين المتصوفين في مسجد سيناء. الفسحة الأرضية التي استعادها السادات بالتفاوض مع الاسرائيليين، يقتل فيها “المنفذون” 300 مصلٍّ من الزهّاد وهم يضرعون أن يحفظ الله مصر. “داعش” يحيّيكم من مسجد الروضة.

من الذي يحاول أن يدك” سلامة مصر ومعها ما بقي من سلامة العرب؟ لم يعد هنري كيسينجر حاضراً كي نوجه التهمة إليه. ووزير الخارجية الاميركية الحالي بالكاد يعرف اين سيناء على الخريطة. لكن بعدما حدث في العراق وسوريا وليبيا والصومال، وبعد انقسام ما بقي من فلسطين الى “اقليمين”، على طريقة الاقليم الشمالي والاقليم الجنوبي أيام الوحدة المصرية – السورية، بعدها تبدو مصر الهدف الأهم للفكر الهمجي. كذلك ترعى دول اسلامية مثل تركيا، أو عربية مثل قطر، وبكل اعتزاز، كل ما يسيء الى مصر ووحدتها. لكن الواضح ان الإرهاب مسألة أكثر تعقيداً، وإن كان مصب الأذى ونتائجه واحدة.

يعيق “الاخوان المسلمون” في مصر بكل علانية حالة الاستقرار العام. وبالاضافة الى مصر، اظهروا طموحات سياسية كثيرة في الامارات والسودان والسعودية وغيرها. ومرة قال لي الامير نايف بن عبد العزيز إنه لم يفتح بلد لـ”الإخوان” أبوابه كما فعلت السعودية، لكنهم قابلوا ذلك بالنكران.

مصر، شيء آخر، كما دلَّت مضاعفات خروجها واخراجها من الدائرة العربية. لكن التبلد والصدأ اللذين تراكما على عقولنا لن يمكنانا من رؤية ما نُرغم على أن نراه. يوم “مجزرة المصلين” في سيناء، كان مقتل 300 مصل في مسجد النبأ الأول على قنوات العالم. لكن ليس على معظم قنوات العرب. هنا في لبنان كانت الاهميات لأخبار ازمة حكومية عمرها مائة عام، وسوف تبقى مائة عام قابلة للتجديد. أو للتمديد. يُشعرك هذا الموقف من مقتل 300 عربي أعزل ساجد لربه، بأن الجريمة ليست فقط في وحشية الجزار، بل في اعتياد الضمير العربي هذه اليوميات التي تشكل في مجموعها عصراً دموياً مريباً.

إذا اعتبرنا، واعتبر العالم العربي، أن مصر دولة منفردة وتقيم في معزل (كرنتينا) لا علاقة لنا به، فسوف تكون النتائج أفظع مما حدث في سوريا والعراق وليبيا. لقد أثبتت وحدة الوباء العربي أنها أقوى بكثير من وحدة العافية والأمل. ودائماً كانت التفاحة المهترئة هي التي تعدي اخواتها، وليس العكس.

لا تزال الاستحالات الكبرى احلال السلم بين العرب والعرب. وفي الماضي كان لبنان هو الدولة الوحيدة المشرّعة على الخارج، لكن الآن الصورة التذكارية في سوتشي حول سلام سوريا لا تضم زعيماً عربياً حتى من باب اللياقة. وروسيا – ربما من منتجع سوتشي أيضاً – تقترح دستوراً بديلاً على سوريا، ذات يوم “قلب العروبة النابض”، كما دللها عبد الناصر خلال وحدة بارقة وانفصال صاعق. كان الحلم قيامة العرب، هو الآن ترميم العروبة. ذات يوم كتب سعيد عقل نفسه، نشيد “العروة الوثقى” من أجل عيني امرأة. كانت ثمة فسحة في القلوب ترعاها العقول. وكان حرم الجامعة الاميركية عصبة طلاب الأمة واساتذتها، ومن “الكلية السورية الانجيلية” كان يخرج دعاة داروين والنشوء والترقي. ولم يكن لبنان وحده الشرفة الى نهضة العرب، فقد عينت سوريا المسيحي اللبناني فارس الخوري رئيساً للوزراء مرتين، وكان القبطي مكرم عبيد في مصر ثاني مصطفى النحاس وريث سعد زغلول في أبوة الأمة. بدأ كل شيء بالتغير عندما صار العسكري العربي يعين نفسه ويرمي المنتخبين من النوافذ الى السجون. بعد حسني الزعيم في دمشق، ظهر اللواء عبد الكريم قاسم في بغداد، ذبح أهل القصر ثم اطلق الهائجين “يقصّبون” الهاربين منهم.

مجزرة مسجد الروضة ارتكبها التنين الذي ولد في تلك الايام من رحم العنف وشرعية القتل والفتك والهلاك. دفن العرب في مسيرة دموية مريعة عصر النهضة، أو بالاحرى عصر التجدد والرؤية المستقبلية، رافعين الشعارات الفاشية التجهيلية، بعدما كانت قضت على أوروبا من قبل وحولتها الى أنين وركام وهزائم تقرع لها طبول النصر المجوَّف. الجسر من رماد عصر النهضة كان لا بد أن تكون نهايته عند بداية عصر “داعش”. “الربيع في هذه البلاد عمره قصير” يقول علي أومليل، مدوِّن أحزان الجهل والخرافة “ثم هو غير مضمون”.

(1) نجيب محفوظ صفحات من مذكراته، رجاء النقاش، مركز “الاهرام” للترجمة والنشر.

(2) كتاباه، عمرو موسى، دار الشروق.

(3) مرايا الذاكرة، علي أومليل، المركز الثقافي العربي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*