كفى غطرسة

مروان اسكندر

31 آذار 2017
النهار

الحكم الرشيد في أي بلد يتمثل في العمل المنتظم لتأمين الخدمات الرئيسية للمواطنين على أفضل وجه ضمن الامكانات الطبيعية والمالية المتاحة. ولتحقيق جوهر الحكم الرشيد يجب ان يتمتع البلد المعني بقوانين تسري على الجميع من دون تمييز لمصلحة فئة على أي فئة أخرى أو أي مواطن على مواطن آخر.
ان هذه القيم متوافرة في بلدان قليلة ونحن لسنا منها بل نحن بعيدون كل البعد عن السعي الى تحقيقها ومع ذلك نجد ان عددًا من الوزراء والنواب في سعيهم الى نهش قدرات المواطنين المتآكلة يتصرفون في العلن وكأنهم هم من يسعى الى خير المواطنين وصون مستقبل البلد وهم أبعد ما يكونون عن استهداف المنفعة العامة والصفة الغالبة على تصرفهم وتصريحاتهم هي الغطرسة، والغطرسة تتمثل في ادعاء التزام المصلحة العامة وتصوير الانجازات غير المحققة بأنها من صنع ايديهم اليوم أو غداً. نقول بالفم الملآن كفى غطرسة وكفى ادعاءات ليست للحكم ولم نشهد مظاهرها منذ مطلع القرن الحادي والعشرين.
العجز عن تأمين حاجات اللبنانيين، ونعددها استنادًا الى ما هو متوافر في البلدان الحديثة والمتطورة والتي يحكمها رجال دولة: المياه، الكهرباء، خدمات الصرف الصحي، مستويات التعليم الحديث، العناية بالبيئة، اعتماد قوانين تساوي بين الناس وقضاء يفصل في الخلافات في وقت معقول وتوفير خدمات الاتصالات بفاعلية وتكاليف متدنية.
نحن متخلفون في لبنان في كل مجالات الانجاز المطلوبة، بل الحقيقة ان الحكام يجب ان يواجهوا دعاوى على تقصيرهم في تأمين المياه، وكمياتها بالتساقط وافرة، والعلم على مستويات متطورة، وفرص العمل، وخدمات الاتصال وكل ذلك ضمن موازنات تراعي الامكانات مع تحقيق التحصيل الدقيق والحقيقي.
ما الذي تحقق من كل ما هو مطلوب وما هي الادعاءات أو التوصيات التي تقرب من الادعاءات، أي التوصية بتبني الخيارات الاعلى كلفة لتأمين خدمات اساسية في حين أن الخيارات البديلة متوافرة ومعروفة لكنها مهملة لدى المسؤولين.
الحكم الفاشل يبحث عن مصيدة تبدو مهيأة للتهجم، وهكذا كان قطاع المصارف، وهكذا يريد وزير الطاقة ان يصور خدمات توافر الكهرباء، فلنبحث في الادعاءات لوزير المال، ووزير الخارجية – بصفته رئيس حزب وطني يتمتع بقاعدة شعبية – ووزير الطاقة.
وزير المال يقول إن المصارف – وهذه لها جمعية منتظمة عرضت توفير مليار دولار مقابل التخلي عن رفع الضريبة على الفوائد المحققة من 5 الى 7 في المئة أي بنسبة 40 في المئة.
انه يعرف تمام المعرفة ان جمعية المصارف لم تقدّم له أي عرض، وانه يعرف ان عملية الهندسة المالية التي قام بها مصرف لبنان طوال ستة أشهر، اسهمت في تمكين البلد من استقطاب مليارات الدولارات، وان ارباح العملية خاضعة بالتأكيد لضريبة الدخل، وان الضريبة بنسبة 15 في المئة تؤتى ما يسمح بتبني سلسلة الرتب الرواتب شرط تحقيقها على ثلاث سنوات على سبيل المثال. وهو يعرف، ويجب أن يعرف، ان اصدار سندات دين ثلاث مليارات دولار واقبال مصارف لبنانية واخرى اجنبية على الاكتتاب بهذا المبلغ أو أكثر لم يكن ليتحقق لولا نتائج عملية الهندسة المالية.
يعرف وزير المال، ويجب ان يعرف، أن أرباح المصارف التي بلغت 1,8 مليار دولار عام 2015 كانت تمثل معدل ربحية – قياسًا بمجمل رؤوس اموال المصارف – لا يزيد على 11 في المئة وهذا مردود مقبول بحسب التوقعات في مختلف النشاطات التجارية. ويجب ان يعرف الوزير وبعض النواب المنتظمين لانتقاد المصارف ان معدلات الربحية على العمل المصرفي في دول الخليج العربي، وفي تونس والمغرب، تزيد على نسبة 14 في المئة قياساً برؤوس أموال المصارف المعنية.
مواقف الوزير يبدو انها انطلقت من تبرمه من انتقاد صندوق النقد الدولي للسياسة المالية مقابل اطرائها للسياسة النقدية والامر ذاته تجلى في تقرير وكالة بلومبرغ.

* * *

ننتقل الى مواقف رئيس “التيار الوطني الحر”، عندما يقول نحن اول من مد يده الى جيوب الاغنياء. هل هو يمزح يا ترى؟ وهو خص المصارف بلفتته هذه التي يرى أنها تعبر عن حرص فريقه على المال العام. وبعد شرح موضوع المصارف اعلاه نود ان نتوجه اليه بسؤال وحيد: هل تدرك، حضرة الوزير، ان وصلة المنصورية لتأمين الكهرباء على شبكة التوتر العالي، تسمح بزيادة التوزيع الفعلي بنسبة 10 في المئة او يزيد، وانك مع الحزب الذي ترأسه والذي له قواعد أساسية في منطقة المنصورية لم تتمكن من انجاز هذه الوصلة، وان التوفير الذي يتحقق أهم بكثير من جيوب الاغنياء؟ ونهاية يسرني، حضرة الوزير، انك التفت الى موضوع تهريب الهواتف الخليوية الذي اشرت اليه في مقالي السابق.

* * *

المواقف المعلنة لوزير الطاقة، بعضها يبعث على التفاؤل وبعضها يبعث على التساؤل. هو يقول إن برنامج السعي الى تأمين الكهرباء 24/24 ساعة يومياً في مختلف المناطق اللبنانية يستند الى القانون الصادر عام 2010، وإن الاستهدافات بالفعل تحققت ما عدا البسيط منها. ويعطف حديثه بالتوصية باستئجار باخرتين بطاقة 800 ميغاوات وكلفة 450 مليون دولار سنويًا لكل باخرة، وهو كان المفاوض الرئيسي نيابة عن وزير الطاقة جبران باسيل عندما انجز التعاقد عام 2013 مع الباخرتين العاملتين حالياًً.
حضرة وزير الطاقة، البرنامج القانون كان موجهًا الى زيادة طاقة الانتاج، وتعديل التعرفة، وتطوير المعامل المهترئة، فماذا تحقق سوى نسبة من تطوير منشآت معمل الزوق؟ لقد انجزت الوزارة اتفاقًا لإنشاء معمل بطاقة 500 ميغاوات في منطقة البداوي، وتوقف العمل لخلاف على استحقاق الضريبة على القيمة المضافة على المتعهد أو لا، ومن المعروف ان هيئات الدولة لا تلزم القيمة المضافة، وانها تستثنى من عقود الانشاء. لكن المشروع لم ينفذ، والوزير يوصي بتنفيذ مشروع بطاقة 1000 ميغاوات، ويوصي بإنشاء محطات لاستقبال بواخر الغاز المسيل وتغويز المستورد ليكون لقيمًا للمعمل الجديد وربما المعامل القائمة في البداوي والزهراني. ولا شك في ان هذا التوجه يتماشى مع ما أوصينا به مراراً وتكرارًا منذ خمس سنوات ويزيد. لكن ما نستغربه ان الوزير وبعض زملائه يشيحون عن عرض صيني بانجاز معمل بطاقة 1000 ميغاوات مع الاستعداد لتشغيله وتوفير الطاقة منه لمصلحة كهرباء لبنان بكلفة لا تتجاوز 40 في المئة من كلفة انتاج معاملها المهترئة والمتقادمة. والعرض لا يلقى انتباهًا، والصينيون ان هم سمح لهم بتشغيل المصنع لن يكلفوا الدولة قرشًا واحدًا وسينجزون محطة لاستقبال الغاز المسيل وتغويزه للاستعمال كلقيم في المعمل الجديد، وفترة انجاز المعمل هذا لا تتجاوز السنتين في حال توقيع عقد في وقت قريب.
اننا نوصي باعتماد هذه المنهجية دون استئجار باخرتين عملاقتين، وخصوصاً بعد تجديد عقد الباخرتين المستأجرتين منذ 3 سنوات ويزيد، والوزير يعلم ان طاقة المولدات الخاصة باتت تزيد على طاقة انتاج مصلحة كهرباء لبنان، وتؤمن الكهرباء على الخطوط القائمة عن قرب فلا تتعرض الكميات للسرقة كما هو الحال على شبكة مؤسسة كهرباء لبنان. واللبنانيون العاديون المشتركون في المولدات الخاصة يعانون ارتفاع تكاليفها ويدفعون اشتراكات سنوية تزيد كلفتها على 1,5 مليار دولار سنوياً.
أخيراً، نلفت الانتباه الى أمر عصي على ما يبدو على اللجنة النيابية الخاصة بموضوع الاتصالات. لا شك في انكم تعلمون ان خدمات الانترنت سيئة للغاية، وان شبكة الالياف البصرية التي بدأ بتنفيذها الوزير شربل نحاس لم تكتمل، وقد تستفيقون على عجزكم التقني عندما تعرفون ان حزمة الخدمات التي توفر بكلفة 120 دولاراً شهريًا في لبنان كلفتها في فرنسا ما يعادل 13 دولاراً شهريًا، وهناك الخدمة لا تنقطع والشركات العاملة أربع – وهنا لا نعرف من له حق ومن عليه حق واللجنة النيابية تتقن الكلام لا التشريع والحزم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*