كفى تشويش

مروان اسكندر
النهار
15092017

الجو العام ملبد ومن اسباب هذا الوضع الذي يحبط آمال اللبنانيين تعليقات سياسية واقتصادية تلفزيونية او دراسات توزّع وقلما تكون دقيقة.

ان مجال مناقشة الافكار السياسية لا حدود له وعلى العكس مناقشة التحليلات الاقتصادية والمالية أمر ممكن وأكثر الحاحًا لان الاخطاء في التحليلات الاقتصادية والمالية يمكن ان تتسبب باضرار ملحوظة.

هدف هذا المقال مناقشة فحوى محاضرة القاها الدكتور توفيق كسبار في “بيت المستقبل” عنوانها “الازمة المالية في لبنان”، والبعض اعتبر خطأ أن المحاضرة هذه انجزت في رعاية مؤسسة كونراد اديناور و”بيت المستقبل”، والحقيقة كما تبين من صفحة غلافها، هي ان الآراء المعروضة والتحليل من مسؤولية منجز نص المحاضرة وليست ثمة رعاية من مؤسسة كونراد اديناور أو “بيت المستقبل”. والواقع ان مؤسسة كونراد اديناور توفر مساعدة لبرامج “بيت المستقبل” منذ زمن بعيد وليست معنية بآراء المحاضر وتوقعاته.

يدعي توفيق كسبار ان سبب الازمة المالية هو سياسة مصرف لبنان منذ زمن توفير فوائد سخية لودائع المصارف بالدولار ويرى ان الفارق بين الفوائد المحصلة على هذه الودائع والمسددة عليها يتسبب بتراكم خسائر مصرف لبنان. وهو يلقي بعض اللوم على السياسات المالية أي الانفاق والتحصيل وعجز الموازنة.

الواقع ان الافتراضين خاطئان. فالفوائد التي توفرها المصارف المركزية على ودائع العملات الاجنبية ترتهن بالتصنيف السيادي للبلد المعني، وتصنيف لبنان لدى شركة التصنيف “ستاندرد أند بوورز”هو على مستوى ب- ومع ذلك كانت معدلات الفائدة في لبنان تراوح بين 5.35 في المئة لسنة و7.46 في المئة لعشر سنين. ويعتبر المحاضر هذه النسب مرتفعة بالمقارنة مع معدلات الفوائد في الولايات المتحدة والمانيا اللتين تصنفان أعلى تصنيف للقدرة على الايفاء.

في المقابل، المعدلات التي وفرتها دولة كتركيا ذات تصنيف موازٍ للبنان كانت تراوح بين 11.66 في المئة و10.43 في المئة، وحتى بلدان ذات حجم ملحوظ وتصنيف مماثل كالمكسيك والهند وفرت فوائد لسنة بمعدل 7 في المئة في المكسيك و6.07 في المئة في الهند. وفي أندونيسيا التي تحقق معدلات نمو ملحوظة وتستقطب استثمارات كبيرة كانت نسبة الفائدة لسنة 5.56 في المئة أي أعلى بقليل من لبنان.

لقد اسهمت سياسة مصرف لبنان في تثبيت سعر صرف الليرة وتقرير صندوق النقد الدولي الصادر في كانون الثاني 2017 أشار الى هذا الانجاز وأوصى بالمحافظة على ممارسة مصرف لبنان في تثبيت سعر صرف الليرة. ولعل أفضل دليل على الثقة الدولية بلبنان تجلى لدى اصدار سندات بقيمة 3 مليارات دولار في آذار 2017 وقد بلغ حجم الاكتتاب 17.8 مليار دولار توافرت من هذا المبلغ للاكتتاب نسبة الربع من مؤسسات مالية اجنبية منها مصارف اميركية كبرى.

يدعي توفيق كسبار ان ميزانية المصرف المركزي لا تنشر كما يفترض وكما كان الوضع منذ انشاء مصرف لبنان عام 1964، ويعزو عدم النشر الى ان الموجودات الصافية بعد احتساب ودائع المصارف التجارية لدى مصرف لبنان هي سلبية وان مصرف لبنان يعاني خسائر سنوية ملحوظة.

ان هذا الادعاء بالغ الخطورة والخطأ. فموجودات مصرف لبنان الصافية تفوق الـ3.5 مليارات دولار وكسبار لم يحتسب موجودات مصرف لبنان بالعملات الاجنبية لفترات متوسطة وطويلة، وهو لم يراجع حسابات مصرف لبنان التي تقدم سنويًا الى وزير المالية كما تنشر في الجريدة الرسمية. والبرهان، وقد كانت هذه الموجودات الصافية عام 1993 75 مليون دولار واصبحت 3.5 مليارات دولار. والتزامًا لقانون النقد والتسليف يحول مصرف لبنان الى وزارة المالية نسبة مرتفعة من ارباحه وقد حول في الفترة ذاتها (1993-2016) ما يساوي 4.5 مليارات دولار وهذا أفضل دليل على كفاءة ادارة مصرف لبنان وتأمينه المصلحة العامة.

ينتقد كسبار عملية الهندسة المالية التي انجزت صيف وخريف 2016 وهو يعتبر ان هذه العملية انجزت لانقاذ مصرفين من المصارف الكبرى وانها زادت ارباح المصارف 5 مليارات دولار وذلك دون أي منفعة للاقتصاد سوى زيادة أرباح المصارف.

والواقع ان هذه العملية وفرت منافع لـ35 مصرفًا وثلاث شركات مالية وقد اشترط مصرف لبنان عدم توزيع هذه الارباح من أجل تقوية رساميل المصارف، لا لأنها ضعيفة، فالمصارف اللبنانية تساوي رؤوس أموالها واموالها الخاصة وسطيًا أكثر من 15 في المئة من التزاماتها، وهذا المستوى كان مطلوبًا تحقيقه في المصارف الاوروبية عام 2015 ومن ثم أرجئ هذا الالتزام حتى 2019، في حين حققته المصارف اللبنانية منذ ثلاث سنوات.

وعملية الهندسة المالية انجزت بتشجيع المصارف على استقطاب ودائع بالدولار من الخارج مقابل تحفيز تمثّل في شراء مصرف لبنان سندات بالليرة تحملها المصارف تساوي قيمتها قيمة الاموال الوافدة، ووفر مصرف لبنان المنفعة بشرائه السندات دون حسم الفوائد التي تستحق على مدى فترة الاستحقاقات وكان هذا هو التحفيز. واشترط مصرف لبنان تقاسم المنفعة بالتساوي مع المصارف، وكانت النتيجة توسع الاقراض بالليرة وتحسن اداء الاقتصاد بحيث يتوقع نموه بنسبة 2.5 في المئة سنويًا، اي نسبة النمو المتحققة في الولايات المتحدة. كما ارتفعت نسبة اقراض القطاع الخاص من القطاع المصرفي بشكل ملحوظ.

وقد اسهمت نتيجة العملية (الهندسة المالية) في رفع احتياط مصرف لبنان الى مستوى 43 مليار دولار – وصندوق النقد الدولي يعتبر هذا المستوى كافيًا لمواجهة اية مصاعب – كما ارتفعت ودائع غير المقيمين – وهذا أفضل برهان على الثقة – بنسبة 8.9 في المئة خلال شهر نيسان 2017 مقارنة بنتائج شهر نيسان 2016 عندما اقتصر ارتفاع ودائع غير المقيمين على نسبة 1.5 في المئة، وارتفاع الودائع الاجمالية كان بنسبة 8.3 في المئة عام 2017 في حين كان الارتفاع على مستوى 3.8 في المئة عام 2016.

في صدد الهندسة المالية، رأى كسبار انه كان من الافضل تملك اسهم في المصارف بدل رفع رؤوس اموالها، الامر الذي يساعدها على استقطاب ودائع اضافية مستقبلاً مع التزام الشروط الوقائية الدولية الجديدة. وهو أشار الى خبرة الولايات المتحدة وبريطانيا في هذا المجال وكأنه لم يراجع نتائج تملك بنك اسكوتلندا الملكي “رويال بنك أوف سكتلند” الذي كلف الخزينة مئات ملايين الجنيهات ولا يزال حتى تاريخه يعاني خسائر تفوق المليار جنيه سنويًا ويصيب الخزينة جزء غير يسير من هذه الخسائر.

لا يجوز اطالة المقال أكثر مما عرضنا، علمًا بان ثمة موضوعين يستحقان الاهتمام ويستوجبان البحث.

يقول المحاضر إن السياسات النقدية في عقد الثمانينات وحتى اوائل التسعينات كانت سياسة متزنة واسهمت في حماية الاقتصاد وتفادي الاضرار، وللعلم كان كسبار موظفًا في تلك الفترة في مصرف لبنان في دائرة الاحصاء.

ويبدو ان الاحصاء غاب عن ذهنه ويجب تذكيره بان سعر صرف الليرة اللبنانية في تاريخ انتخاب امين الجميل رئيسًا خريف 1982 كان 4 ل.ل للدولار وقد ارتفع سعر الصرف عام 1987 الى 500 ل.ل وبلغ عام 1989 نحو 700 ل.ل للدولار وفي شباط 1992 كان السعر على مستوى 880 ل.ل للدولار وبلغ في ايلول 1992 نحو 2850 ل.ل للدولار ونتيجة ذلك كانت استقالة الحاكم ونوابه وبعض كبار موظفي مصرف لبنان، فهل كانت تلك السنوات سنوات انجاز؟

اخيرًا يقول كسبار إن سياسات مصرف لبنان اضعفت المصارف ولعل تذكيره ببعض الارقام الحقيقية مفيد. عام 1992 كانت الودائع المصرفية توازي 6 مليارات دولار. عام 2016 اصبحت 166.4 مليار دولار اي ارتفعت 28 ضعفًا. وكانت الاموال الخاصة توازي 135 مليون دولار وقد اصبحت 18.2 مليار دولار.

اخيرًا، وليس آخرًا، واستنادًا الى دعوة كسبار لتملك اسهم المصارف عند انجاز عملية الهندسة المالية نذكره بان بداية مسؤولية رياض سلامة استوجبت دعم مصرف الاعتماد اللبناني بـ100 مليون دولار، فكانت النتيجة مع الادارة الرشيدة للدكتور جوزف طربيه تحقيق ربح خلال ثلاث سنوات بلغ 64 مليون دولار لمصرف لبنان. وقيادة مصرف لبنان منذ عام 1993 حققت 37 عملية دمج أو تصفية لمصارف متعثرة، وعملية معالجة بنك المدينة عام 2003 اسفرت عن تفادي خسارة المودعين لأي مبلغ على رغم ان المستثمر الاساسي في المصرف كان قد رفع رأس ماله بمقدار 1.2 مليار دولار ولم يفقد أي مودع شرعي أي دولار.

لقد خصص مصرف لبنان 100 مليون دولار لتمكين شركة طيران الشرق الاوسط من الاستمرار وقد اصبحت الشركة توفر ربحًا يتجاوز الـ60 مليون دولار سنويًا لمصرف لبنان.

وفات المحاضر ان يحصي الموجودات العقارية المتوافرة لمصرف لبنان نتيجة عمليات التصفية والتي تقدر قيمتها بأكثر من 3.5 مليارات دولار.

معالجة موضوع بالغ الاهمية كتاريخ مصرف لبنان مدى ربع قرن يستوجب استقلالية في الرأي وابتعاداً عن التبسيط ودراسة أعمق مما هو متوافر في المحاضرة التي تفحصنا بعض جوانبها فقط، وليت المحاضر نبّه رؤساءه حين كان في مصرف لبنان في سنوات انهيار الليرة الى ما كان يفيدهم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*