كفى تبديد للموارد

مروان اسكندر
النهار
12052017

شدّد تقرير صندوق النقد الدولي الذي قدّمه المدير التنفيذي الى السلطات اللبنانية في نهاية شهر كانون الاول 2016 على ان السياسة المالية في لبنان غير رشيدة، وان استمرار ازدياد الدين سيهدد مستقبل لبنان في المستقبل القريب، وطالب التقرير باقرار موازنة 2017 وبصورة خاصة الى اعتماد سياسة تحصر العجز الناتج من سوء التغذية في مصلحة كهرباء لبنان. وأشار الى ان 40 في المئة من العجز في موازنة السنوات الاخيرة كان يعود الى فاتورة دعم الكهرباء وان هذا الامر لا يجوز استمراره.

مشروع الوزير سيزار ابي خليل لاستئجار باخرتين بطاقة انتاج 800 ميغاوات وبكلفة استئجار تبلغ 900 مليون دولار سنويًا عدا تكاليف اللقيم أي المازوت الضروري لإنتاج الكهرباء من الباخرتين الاضافيتين، سيرفع الكلفة السنوية الى أكثر من 1,8 مليار دولار، وهذا الامر ينذر باضرار مالية كبيرة للبنان، الذي يحتاج الى تحقيق وفورات في أقرب وقت إن في نطاق توليد الكهرباء وتوزيعها، أم في تفعيل شبكة الاتصالات والانترنت على مستويات مقاربة لما هي في الاردن وقبرص.

نبدأ بموضوع الاتصالات الخليوية والانترنت، لان موضوع الكهرباء هو الفاجعة الكبرى، ويؤثر أساساً على خدمات الانترنت.

رسوم التخابر في لبنان هي الاعلى في المنطقة، علماً بأن معظم بلدان هذه المنطقة تحظى بمعدلات دخل أعلى مما يحقق اللبنانيون، الذين يعانون اغفال السلطات حاجات تجهيز البلد للمنافسة الفعلية.

كثيراً ما نتحدث عن انجازات اللبنانيين في الخارج ومن هؤلاء أولاد الوزير السابق ميشال اده، الذين انشأوا شركة لتقويم الاوضاع الاقتصادية للبلدان وعملاتها، واصبحت شركتهم “موركس”  من الشركات المميزة في هذا المجال، وتقدر قيمتها بملياري دولار في اسواق المال العالمية.

الشركة، وان انطلقت من باريس، ولها مكاتب منتشرة عالميًا ما بين هونغ كونغ، ونيويورك وموسكو الخ…، ركزت نشاطها في ايرلندا لسبيين رئيسيين: أن خدمات الاتصالات ممتازة وتكاليفها معقولة، ومعدل الضريبة على الارباح لا يتجاوز الـ15 في المئة، وتكاليف المعيشة مقبولة.

لو توجه وزير الاتصالات الى سليم اده رئيس شركة موريكس ليسأله كيف يمكن لبنان ان يستقطب قسماً كبيراً من فريق عمله في الخارج لكان الجواب السريع: تأمين خدمات الاتصالات على المستويات الاوروبية ومقابل اسعار معقولة، والامران غير متوافرين وتاليًا لن يقبل على لبنان الفنيون العاملون في شركة موريكس والناشطون في مختلف انحاء العالم.

نعود الى موضوع الكهرباء الابعد تأثيرًا ومصدر الخطر الاساسي على زيادات حجم الدين العام دون حسيب أو رقيب.

يؤكد الوزير ان الحاجة ملحة لتوفير الطاقة في أسرع وقت لكفاية الحاجات في فصل الصيف الذي قد يشهد اقبالاً على زيارة لبنان، وتالياً ضرورة التعاقد مع شركات توليد الكهرباء من بواخر عائمة يمكن استقبالها في وقت قصير. ومن ثم يتابع ان رسوم الاستهلاك سترفع تدريجاً، وان انجاز معمل بطاقة 1000 ميغاوات يمكن تحقيقه مع القطاع الخاص كما استئجار بواخر نقل الغاز المسيل وتأمين الغاز لقيمًا لمحطة دير عمار ومحطة الزهراني.

واضح ان الوزير يستهين بعقل اللبنانيين وكفاية العديد منهم وبينهم من زودوا دبي في وقت من الاوقات مولدات استعملت لكفاية حاجات مدينة سياحية متطورة. ويجب التشديد على الحقائق الآتية تداركًا لاهدار الموارد المالية وزيادة الدين العام دون مبرر:

اولاً: هنالك في لبنان طاقة من المولدات الخاصة تكفي حاجات اللبنانيين مدى 24 ساعة، وهنالك بالتأكيد حاجة الى ضبط رسوم عدد كبير من المولدات الخاصة وكبح أطماع مشغيلها.

ثانيا: شبكة التوزيع مهترئة والخسارة التقنية في التوزيع على الشبكة نسبتها 17 في المئة، كما أن السرقات تناهز الـ20 في المئة، ولذا فإن أي تعاقد مع سفينتين لتوفير 800 ميغاوات، يعني أن الكمية التي تتحصل عنها مدفوعات من المستهلكين توازي 500 ميغاوات فقط، فيكون المكلف اللبناني يسدد تكاليف 1,6 كيلووات/ ساعة بينما يتوافر له فقط استعمال كيلووات/ ساعة واحد.

ثالثاً: ما دامت الطاقة متوافرة لدى القطاع الخاص، وما دامت خبرة كهرباء زحلة تبرهن، نظراً الى قرب الانتاج من شبكة التوزيع وحصر العمل في نطاق جغرافي معقول، ان الخسارة سواء على الشبكة أو نتيجة السرقات لا تتجاوز نسبة 5 في المئة، فإن المستفيدين من خدمات شركة كهرباء زحلة، الذين يدفعون 30 في المئة اقل مما كان عليهم دفعه لمصلحة كهرباء لبنان وأصحاب المولدات الخاصة معًا، يستطيعون التمتع بـ95 في المئة من طاقة الانتاج مقابل 63 في المئة يمكن ان تتوافر من انتاج البواخر التي يوصي الوزير باستقدامها.

رابعاً: استنادًا الى المعطيات المتوافرة، خسارة تقنية بنسبة 17 في المئة على الشبكة وسرقات بنسبة 20 في المئة، وطاقة خاصة كافية، وعجز اداري يتجلى في الاعتماد على مدير عام يسير شؤون الكهرباء من دون الاستعانة الا ببعض افراد عائلته، وتردّ مستمر في توفير الكهرباء، يصح التساؤل لماذا لم ينجز معمل دير عمار المتعاقد عليه عام 2013؟ ولماذا لم تنشأ هيئة ادارة قطاع الكهرباء التي صدر القرار بتأليفها عام 2005؟ ولماذا التأخير في استقدام بواخر توفر الغاز لقيماً لمعمل دير عمار ومعمل الزهراني فترتفع طاقة التشغيل في المعملين ما يساوي 400 ميغاوات؟

خامساً: اذا كلفنا أصحاب امتياز الكهرباء في بعلبك، وأصحاب القرار في محطة قاديشا، وأصحاب امتياز كهرباء جبيل، وفريقاً يقبل مهمة تأمين مولودات حديثة للنبطية، مسؤولية تأمين الكهرباء 24/24 ساعة خلال ستة أشهر، يمكن التأكيد ان النتيجة ستكون ايجابية. وعن سبيل ربط المولدات الجديدة، المشابهة لما توافر في زحلة، بالشبكات القائمة يمكن تفادي الهدر التقني، والسرقات، وتأمين الكهرباء لجميع اللبنانيين.

التفكير الصحيح يقضي ببرنامج لايقاف الهدر المالي، ومعالجة الهدر التقني، واستعمال الغاز في دير عمار والزهراني، والسماح لاصحاب الامتيازات في بعلبك وجبيل وقاديشا والنبطية بالعمل على اسس وتقنيات تشابه ما حققته شركة كهرباء زحلة.

هذا هو المنهج الوحيد الذي يستجيب لحاجات اللبنانيين وتوصيات الهيئات الدولية، وهو المنهج الوحيد الذي يثبت اننا تجاوزنا مرحلة العقم في التفكير بقضايا الكهرباء والاتصالات . ومن المؤسف ان نسمع رئيس الوزراء ينتقد مؤتمراً صحافياً لوزراء “القوات” عبروا خلاله عن بعض ما يشعر المواطنون بانه مشروع صفقة على حسابهم وحساب ابنائهم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*