«كفرناحوم»: ميلودراما النهاية السعيدة

 


إلياس خوري
Sep 25, 2018

 

 

بعد نيل فيلم «كفرناحوم» لنادين لبكي جائزة لجنة التحكيم في مهرجان «كان» السينمائي، نشب سجال حول الفيلم، كان بطله النائب في كتلة حزب الله نوّاف الموسوي. النائب الذي لم يشاهد الفيلم غرّد ضد المخرجة وفيلمها، فكتب على صفحته في «تويتر»: «بلا لبكي وبلا وجع راس، وقت الجدّ ما في غير سلاحك بيحميك». واندلعت حرب على وسائل التواصل الاجتماعي، ما لبثت أن همدت، عندما وضع لها العقلاء في حزب الله وفي جريدة «الأخبار» حدا، وانتهت الحرب باحتفالية كبرى بالمخرجة وبفيلمها على صفحات جريدة «الممانعة».
من الواضح أن النائب المحترم لا يمتلك معرفة فنيّة كافية تؤهّله لشنّ حرب على فيلم سينمائي احتُفي به بشكل غير مسبوق في لبنان، كما أنه لا يمتلك خبرة الأب الدكتور عبده أبو كسم رئيس المركز الكاثوليكي للإعلام، هذا المركز الذي صار «بعبع» الرقابة على جميع الأنشطة الثقافية والفنية في لبنان، وكان قد منع فيلم «الراهبة»، آخر إنجازاته.
فات السيد الموسوي أن الرقابة اللبنانية «مطيّفة»، أي رهينة سلطات الطوائف، وأن المسألة أكثر تعقيدا من تغريدة مرتبكة تشير إلى «لبكة» حزب الله أمام الأعمال الفنية، وفشله في منع عرض فيلم زياد الدويري «القضية رقم 23»، في بلد قائم على توازن دقيق بين سلطاته الطائفية.
غير أن تغريدة الموسوي رفعت الستار عن مشكلة حقيقية تواجهها «المقاومة الإسلامية»، ويواجهها الإسلام السياسي بكل تياراته، وهو العجز عن اختراق المبنى الثقافي-الفني العربي، ما جعله يتحوّل إلى أداة للقمع. فمن محاولة اغتيال نجيب محفوظ في مصر، إلى قمع السينما الايرانية، وصولا إلى الداعشية المتوحشة في عدائها للمرأة والثقافة، وهذه مسألة تحتاج إلى مبحث خاص بها.
شكلت تغريدة الموسوي والردود الصاخبة عليها ضغطا نفسيا على مشاهدي فيلم «كفرناحوم». فالعلمانيون ذهبوا إلى مشاهدة الفيلم بقرار مسبق بضرورة الإعجاب به ودعمه ضد من افترى عليه، والأصوليون المتأثّرون بالموسوي وبفضائيّة «المنار»، سوف يتخذون موقفا معاكسا.
بعيدا عن هذا السجال العقيم، ذهبت لمشاهدة الفيلم كي أتمتع بالفن والسينما. فالناس تذهب إلى قاعة السينما من أجل المتعة. والحقّ يقال إن شخصية الطفل السوري زين (زين الرافعي)، بطل الفيلم، آسرة ومحببة وتدخل القلب، كما أن الأثيوبية راحيل (يوردانوس شيفراو) وابنها الرضيع يوناس، وعلاقة الرضيع بزين، أعطت الفيلم طابعا إنسانيا عميقا.
بعد خروجي من قاعة السينما، فكّرت أن العلاقة بين الطفلين تكفي لصناعة فيلم جميل ومؤثّر، وأن كل العناصر الأخرى، من عائلة زين إلى القاضي إلى شخصية «سبايدر مان» إلى رجال الشرطة المفعمين بالحنان، كانت مجرّد زوائد من الممكن الاستغناء عنها.
لا بد في البداية من أن أسجّل للبكي جرأتها، فقد صنعت فيلما بطلته خادمة أثيوبية وتقوده شخصية طفل سوري، في بلد يعاني من العنصرية المفرطة ضد العاملات الآسيويات والأفريقيات واللاجئين السوريين. «كفرناحوم» ليس أول عمل فني يعالج واقع العاملات الآسيويات، فقد سبق لروجيه عسّاف في مسرحية «جنينة الصنايع» (1996)، أن قدّم هذا الواقع برؤية جذرية تدين السلطة وبعض شرائح المجتمع اللبناني، كما أن المخرجة زينة دكّاش قدمت أعمالا مسرحية تعالج المسألة.
غير أن شجاعة المخرجة بقيت في حدود العطف والتعاطف، ولم تصل إلى التماهي. الكاميرا، رغم الجهد المبذول الذي اقتضى ستة أشهر من التصوير، بقيت خارجية، لأن العين التي ترى وضعت البيئة الاجتماعية التي تروي قصتها خارج ممارسات السلطة وخارج البنية الاجتماعية اللبنانية. عائلة زين، وهي عائلة لبنانية، بقيت غامضة الملامح، لا نعلم عنها شيئا سوى بؤسها ومناخ الكراهية والقمع الذي يهيمن عليها، كأنها صارت جزءا من مجتمع اللاجئين والأجانب، أما السلطة بممارساتها الوحشية ضد اللاجئين والعمال الأجانب، وسجونها المرعبة، فبقيت خارج أي إدانة، كأن ما يجري في لبنان لا علاقة للبنانيين به. (سبق لرنا عيد أن قدمت في فيلمها «بانوبتيك»، صورة عن الواقع المخيف للسجن الذي يوضع فيه العمّال الأجانب، لكن فيلمها منعه الأمن العام اللبناني).
قدّم الفيلم صورة قاتمة لمجتمع هامشي قائم على القمع الذاتي. مسؤولية مأساة العاملة الأثيوبية التي فُصلت عن رضيعها لأنها دخلت السجن، تقع على عاتق المهرّب «اسبرو»، الذي يرفض تزوير أوراق جديدة لها، ويسعى إلى شراء ابنها بـ 500 دولار، أما مأساة شقيقة زين سحر، الطفلة التي تم تزويجها وهي في الحادية عشرة وماتت، فتقع مسؤوليتها على أهلها الذين باعوها، ولا علاقة للقانون اللبناني الذي يسمح بزواج القاصرات بالمسألة. وتشرّد زين هو مسؤولية أهله الذين ينجبون الأولاد ولا يأبهون لمصيرهم، ولا علاقة للسلطة اللبنانية بالأمر، كأن الذهاب إلى المدرسة ليس حقا للجميع.
نحن في مدينة الفوضى والأسى، هذا ما قاله الفيلم، وهنا تكمن أهميته، لكن نادين لبكي قالت نصف الحقيقة، إذ جعلت الفقراء مسؤولين عن مآسيهم، حتى العاملة الأثيوبية التي أنجبت ابنها من علاقة مع حارس بناية، لا تُحِب ولا تُحَب، أما عائلة زين فخالية من أي حنان أو حنوّ، كأن الفقراء لا يضحكون ولا يصنعون لحظات للفرح.
نصف الحقيقة أفضل من السكوت الكامل عن المآسي، وهذا قد يكون صحيحا في العمل السياسي والاجتماعي والخيري، لكنه لا يصحّ في الفن. وهنا تكمن مشكلة الفيلم الأولى، فاختصار المسألة بالدعوى الساذجة التي رفعها زين على أهله لأنهم ينجبون الأولاد، تطرح سؤالا أخلاقيا وسياسيا كبيرا، لأنها تحوّل الفقر إلى خيار جاعلة من البؤس الاجتماعي مسؤولية البائسين.
أما مشكلته الثانية فهي هذه النهاية السعيدة المفتعلة؛ نرى الشرطة تعتقل اسبرو وعصابته، ونرى العاملة الأثيوبية التي ترحّل إلى بلادها، (لم يتساءل الفيلم عن مشروعية هذا الترحيل)، وهي تستعيد طفلها الذي اشتراه اسبرو من زين بعد اختفائها، من يد شرطي، كما نرى زين خارج السجن وهو يبتسم للكاميرا التي تلتقط صورته، تمهيدا لإصدار هويته اللبنانية.
سعادة النهاية هي تبرئة للسلطة ولمجتمع تفترسه العنصرية.
نخرج من قاعة السينما ونحن نحمل بين أهدابنا صورة طفلين جميلين هما زين ويوناس، لكننا نشعر بأننا أبرياء، صفحتنا بيضاء كضحكة وزير الثقافة وهو يقف للصورة مع لبكي في مهرجان «كان»، ولا نحمل معنا سوى سؤال خاطئ ومضلّل، هو: لماذا ينجب الفقراء الأولاد؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*