كريستوفر نولان يحيي أسطورة «التميّز» البريطاني

 دنكرك  عن الهزيمة التي عُلّبت نصراً

الفيلم دون شك حليف موضوعي ثمين في جعبة الانفصاليين الإنكليز
سعيد محمد
الأخبار
31072017

تحتاج الأمم إلى خلق أساطير تتيح لها نسج هوية مشتركة تكرّس بنية توازن القوى القائم فيها. «دنكرك» (106 د ــ 2017) التي يقدّمها المخرج البريطاني – الأميركي كريستوفر نولان (ثلاثيّة «بات مان»، و«ميمينتو»، و«برستيج» وغيرها) إحدى أهم أساطير بريطانيا المعاصرة إن لم تكن أهمها على الإطلاق. إنّها صياغة بروباغندا محض لوقائع هروب مذل من شواطئ أوروبا خلال الحرب العالميّة الثانية، تحولت بقدرة قادر إلى انتصار عظيم لروح بريطانيا المقاتلة التي تواجه العالم وحيدة وتنتصر بتلاقي القيادة والجيش والشعب.

في شريطه الذي عدّه النقاد أفضل أفلامه قاطبة، يأخذنا نولان إلى تكثيف بصري وسمعي مذهلين لأجواء أسبوع حاسم في أيار (مايو) 1940 على شاطئ بلدة دنكرك الفرنسيّة قبالة القنال الإنكليزي عندما تجمّع حوالى ربع مليون جندي من الحلفاء أغلبهم بريطانيون (وإن ادّعت الأسطورة الرسميّة البريطانيّة أنهم كانوا 400 ألف) محاصرين بلا حول ولا قوة – رغم تسليحهم الشديد – في مواجهة زحف ألماني لا يرحم. كان البريطانيون والفرنسيّون قد قرروا خوض الحرب ضد الرايخ الألماني بعد غزو هتلر بولندا وسحقها عام 1939. لكنّهم ارتكبوا أخطاء استراتيجيّة لا تغتفر في توقعهم لمسارات الهجوم الألماني المحتمل على فرنسا. افترض الحلفاء وقتها أن الألمان سيكررون هجومهم عبر خاصرة فرنسا الرخوة في بلجيكا، مراهنين على أن خط الدّفاع الفرنسي الثابت (خط ماجينو) على طول الحدود مع ألمانيا منيع لا يمكن اختراقه.

هكذا جمعوا أكثر من نصف مليون جندي بكامل عدتهم عبر الأراضي البلجيكيّة 80% منهم بريطانيون والباقون فرنسيون وكنديون، إضافة إلى الجيش البلجيكي الهزيل. هناك، انتظروا الهجوم الألماني، الذي لم يتأخر، لكنّه شُن على أربع جبهات معاً في سيمفونيّة عبقريّة متناسقة: شمال بلجيكا حيث الحلفاء في الانتظار، لكن أيضاً شرق بلجيكا حيث افترض الحلفاء أن الموانع الطبيعيّة ستمنع عبور الدبابات الألمانيّة واختراق عبقري كما سكين في قالب زبدة لخط ماجينو وشمال فرنسا كله حتى القنال الإنكليزي، إضافة إلى حصار الشواطئ البلجيكية من جهة البحر. هكذا تحولت بلجيكا إلى ما يشبه مصيدة تامة لقوات الحلفاء في انتظار الموت الألماني القادم من كل الجهات.
قرر البريطانيون وقتها أن أفضل ما يمكن عمله هو محاولة سحب ما يمكن من القوات عبر البحر. أعطيت الأوامر للجيش الفرنسي بتأخير تقدّم القوات الألمانيّة من الجنوب في ما يشبه أعمالاً انتحارية يائسة وللجيشين البلجيكي والبريطاني بمشاغلة القوات الألمانيّة الزاحفة من الشمال في حين طلب إلى السفن والقوارب المدنيّة البريطانيّة الصغيرة التوجه فوراً إلى المياه الضحلة لدينكرك لنقل الجنود إلى السفن العسكريّة الكبيرة التي لا تستطيع الاقتراب كفاية من الشاطئ. وكلّف سلاح الجو الملكي بحماية الانسحاب وخوض مواجهة كاملة مع سلاح الجو الألماني تسمح بسرعة عبور السفن بسرعة بين طرفي القنال.
كان الوقت المتوافر قبل وصول طلائع القوات الألمانيّة إلى الشاطئ لا يكفي في أفضل التقديرات لإنقاذ ربع القوات المحاصرة. لكن القيادة الألمانيّة ارتكبت في ما يبدو أول خطأ استراتيجي تكفّل لاحقاً بغزو روسيا بالهزيمة النهائيّة في الحرب. فقد صدرت الأوامر من برلين بتأخير الهجوم على دنكرك ثلاثة أيام – ولأسباب غامضة لم تعرف إلى اليوم – مما أعطى الجانب البريطاني فسحة من وقت ثمين سمحت له بإجلاء الجزء الأكبر من القوات المحاصرة.وكما أن التاريخ يكتبه المنتصرون وحدهم، فإن ماكينة البروباغندا البريطانيّة حولت هذا الهروب المذلّ إلى أسطورة انتصار لوحدة بريطانيا وقوة صمودها وتداعيها معاً في روح واحدة لاستعادة «أولادنا» من البر الأوروبي، مدعيّة أن القوات التي أُعيدت منعت خطط غزو ألماني مزعوم للجزيرة البريطانيّة.
بالطبع، فإن الحقيقة أنه لم تكن هناك خطط في تلك المرحلة لغزو مماثل. تلك القوات المندحرة التي تركت تسليحها بالكامل على الأراضي البلجيكيّة والفرنسيّة، لم تكن مؤهلة في ذلك الحين لخوض مواجهة جديدة. حتى عندما أعيد تأهيلها، فقد أرسلت للقتال في شمال أفريقيا ولم تحقق أي قيمة مضافة جذريّة في موازين القوى. ولولا التمهل الألماني وسوء الطقس الذي منع تحليق الطيران، لكان تم سحق تلك القوات عن بكرة أبيها. كما أن بريطانيا لم تكن وحدها. لقد قاتل الفرنسيون بشجاعة في معارك خاسرة سلفاً لتأخير القوات الألمانيّة، واختلطت دماء الجنود الإنكليز بدماء الإيرلنديين والبلجيكيين والكنديين. لكن عمليّة دينامو – كما أطلق عليها الجيش البريطاني – لاستعادة الجنود من دنكرك خلقت في البريطانيين – وفق جهود موجهة – روحاً وطنيّة ملتهبة ساعدت الشعب على الصمود في مواجهة أقسى لحظات الحرب ولندن على الاستمرار في تجييش المواطنين وتسليحهم للقتال عبر الجبهات رغم الخسائر البشرية والمادية الفادحة. لقد كانت روح دنكرك – المصنّعة – تلك سر صمود بريطانيا.
هذه المقدّمة التاريخيّة الطويلة لا بد منها لفهم فيلم نولان. فـ «دنكرك» خال من أي قصة دراميّة، أو من قصص حبّ ودماء حمراء وحتى قوات ألمانيّة. الفيلم كلّه كأنّه لحظة واحدة كبرى لا تنتهي – لحظة ترحيل القوات – يتداخل فيها السرد البصري للأحداث من البر والبحر والجو ليخلق أجواء واقعيّة شديدة التكثيف، نسجها نولان من عبقريّة التصوير والموسيقى وأدوات السينوغرافيا محولاً إياها إلى لوحة لا تضاهى كأنها ملحمة إغريقيّة هائلة.
اختار نولان أن يصور فيلمه بأدوات السينما التقليديّة وإن استفاد من أحدث تطبيقات التكنولوجيا المعاصرة. استخدم طائرات وسفناً ومعدات حربيّة وجنوداً حقيقيين، وصور بكاميرا عريضة (70 مللم – مقارنة بالكاميرات التقليديّة 35 مللم) وبتقنيّة الـ “إي ماكس” التي تستخدم عادة للوثائقيات عن الفضاء والطبيعة. ولذا فـ «دنكرك» لا يمكن فعلاً عيش لحظاته على كنبة المنزل كما أفلام نيفليكس ولا بدّ له من قاعة سينما.
لوحة نولان العبقريّة هذه نتاج جهد آلاف مؤلفة من الكومبارس، والممثلين (فيون وايتهيد، توم كلين كارني، وهاري ستايلز…) لكن الفيلم حقيقة لم يكن بقوته هذه لولا ايقاعات هانز زيمير القائم على إدارة صوتيات الفيلم ومشهديّات (هويتي فان هويتيما) رئيس التصوير. كما أن نولان مدين لأفلام الحرب الروسيّة التجريبيّة القديمة في استلهام مشاهد فيلمه على نحو يجعلنا نصنّف «دنكرك» كفيلم تجريبي بامتياز.
يكتفي نولان بتقديم صورته المذهلة عن «دنكرك» من دون أن يكلّف نفسه عناء إعادة قراءة الحدث التاريخي أو حتى تقديم تعاقب الأحداث من الجهة الأخرى. السرد هنا وفق الأسطورة البريطانيّة الرسميّة، وكما يحب أن يراها أنصار البريكست من السياسيين المعاصرين أمثال نايجل فراج أو بوريس جونسون تماماً: فيلم ذكوري إنكليزي أبيض متعال ونرجسي. حتى قرار برلين المحوري في تأخير الزحف الألماني، لا يذكر أبداً والجيش الألماني الجبّار مجرد خلفيّة باهتة وراء الأحداث. هي حرب بنهاية سعيدة للبريطانيين الجميلين الذين عادوا للدفاع عن شواطئ الجزيرة.
ليس ذنب نولان بالطبع أن توقيت فيلمه يأتي في وقت حاسم في السّياسة البريطانيّة ليعيد طرح أسطورة «التميّز» البريطاني في مواجهة أوروبا المعاديّة. في الحقيقة كان قد قطع نصف مشوار تصوير «دنكرك» عندما أجري استفتاء البريكست العام الماضي. لكن الفيلم دون شك حليف موضوعي ثمين في جعبة الانفصاليين الإنكليز، ويعيد غسل أسطورة (مؤسِّسة) أخرى لبريطانيا عظيمة في ذهن الأجيال الجديدة، تتداعى معاً لتواجه الأوروبيين «الأوغاد». إذا أنت لم تؤمن بأسطورة التفوق البريطاني يوماً، ربما سيجعلك نولان تعيد النظر في ذلك. تلك تماماً هي غاية حكاية «دنكرك» المستعادة.

دنكيرك: صالات «أمبير»، «غراند سينما»، «فوكس»وبلانيت

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*