كرونولوجيا «تكفير الأدب» في الجزائر

 

سعيد خطيبي
Nov 18, 2017
القدس العربي

انتهى معرض الجزائر الدولي للكتاب (26 أكتوبر/تشرين الأول ـ 5 نوفمبر/تشرين الثاني)، انتهت أيامه العشرة، روّج بعض الدور لكتبه، ووجد بعض القراء عناوين كانوا يبحثون عنها، أُقفلت الأبواب، وتفرق الناس، بدون أن يُطرح السؤال الأكثر أهمية: لماذا كل عام، تمنع محافظة المعرض بعض الكتب من العرض؟ مُحافظ معرض الجزائر الدولي للكتاب حميدو مسعودي لم يجد حرجاً وهو يعلن، قبل أسابيع، للإعلام، أن إداراته منعت كتباً، والسبب: مُخالفتها للقوانين! هي عبارة فضفاضة، يلجأ إليها مُحافظ المعرض لتبرير الرقابة، وصد أبواب السؤال والتعقيب، لأن السبب الحقيقي، وراء المنع، يحتاج شرحاً وتعمقاً.
لقد تكرس في الجزائر تيار ديني ينشط في الخفاء، تمتد يداه في قطاعي الثقافة والتربية، يُمارس الضغط على سوق الكتاب، ويجد تجاوباً من الجهات الرسمية، التي تُحاول، في كل مرة، التعامل معه بليونة، كسباً للوقت وتجنباً للغلط.
ويخطئ من يعتقد أن الضغط الديني على الكتاب في الجزائر، بدأ فقط مع عشرية التسعينيات الدامية، وأن مسلسل «تكفير» الكتاب الجزائريين هي ظاهرة حديثة، بل هي ظاهرة قديمة، ظهرت مع السنوات الأولى من الاستقلال، فبمجرد ما استعاد البلد حريته، تشكل لوبي ديني، أعلن «الحرب المقدسة» على الحريات، يعمل، في الظاهر، تحت غطاء الحفاظ على ما يُطلق عليه «ثوابت الهوية الوطنية»، ويُضيق في الخفاء، على حريات الإبداع، ويمنح نفسه حق «تكفير» بعض الكتاب.
في النصف الثاني، من ستينيات القرن الماضي، ظهر اسم عبد اللطيف سلطاني (1902- 1984)، وكان من المنتسبين لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ذا نزعة سلفية، ومن المتأثرين بسيد قطب.
في البداية، عُرف سلطاني بخطبه، المثيرة للجدل، في واحد من مساجد الجزائر العاصمة، حيث بلغ به الأمر نزع صفة «الشهادة» عن شهداء ثورة التحرير، متحججاً بأن الثورة كان يجب أن تقوم وتسير على تعاليم الدين، لكنها حادت عن هذا الطريق. ثم عارض الخيار الاشتراكي في البلد، وفي مرحلة لاحقة، كرّس خطبه وكتاباته، في «الطعن» في النتاج الأدبي، في البلد، واتخذ من كاتب ياسين (1929- 1989)، الذي كان يعتبر أيقونة الأدب الجزائري ـ آنذاك ـ خصماً له، راح يوجه له انتقادات شخصية، ويقلل من قيمته الأدبية، من منطلق أن كتاباته لا تلتزم بمناهج الإسلام. وكتب الداعية سلطاني، في كتابه «المزدكية هي أصل الاشتراكية»، من باب التهجم على كتاب الجزائر: «الرجل هو كاتب خيالي قصصي، تعود أن يزين ما يكتبه بخياله وتزويقه وتزويره كي يجلب القراء لما يكتبه وينشره، فهو في حقيقة الواقع بعيد عن فهم الإسلام وما يدعو إليه من عقيدة سليمة وطهر وتطهير للأفكار من رواسب الجهالة والإلحاد، يؤيد ذلك الدليل والعقل والواقع». وأضاف سلطاني، في سياق انتقاده لكاتب ياسين: «نرى بعض ربائب الاستعمار الذين تغذوا بلبانه، وتربوا في أحضانه، وأشربوا في قلوبهم حبه وحب أخلاقه، فذهب وتركهم في هذا الوطن، بعد أن أٌخرج منه، يقومون بالمهمة نفسها التي كان يقوم بها، ولربما أكثر، وهي محاولته القضاء على الإسلام، فهم على آثاره يهرعون، وإلى مرضاته يُسرعون، ومن أجل ذلك رأيناهم يمجدون آثار المُستعمِر، كما رأيناهم يعظمون آثار أجدادهم الرومان، ويحتقرون آثار المسلمين الذين أتوا إلى هذا الوطن بالرحمة والهداية». وهو كلام يُجانب الحقيقة، فنضال كاتب ياسين ضد الاستعمار معروف، وقد كلفه السجن لأشهر، وموقفه من الكولونيالية كان واضحاً، كما إن إسلامه يظهر في كتاباته، في التحقيق الصحافي المهم، الذي كتبه في مكة المكرمة، وفي تأثره بالأمير عبد القادر الصوفي.
كاتب ياسين كان يمثل الشجرة، التي تصطف خلفها غابة الكتاب الجزائريين، لهذا كان يجد نفسه هدفاً لحملات شيطنة متكررة من شيوخ الدين، الذين استطاعوا تحوير عنوان واحدة من مسرحياته «محمد خذ حقيبتك» (1971)، وهي مسرحية تتحدث عن وضع المهاجرين الجزائريين في فرنسا، و«محمد» هو الاسم الأكثر شيوعاً في الجزائر. عُرضت المسرحية، مرات عديدة، خصوصاً أمام جمهور من العمال، ومن المهاجرين الجزائريين، وحور سلطاني معنى العنوان، متهماً كاتب ياسين بأن المقصود منه، هو طرد الإسلام من الجزائر، وأن محمد ـ في المسرحية ـ يُقصد منه نبي الإسلام.
تلك الحملة المُسيئة، بسبب عنوان مسرحية، كان يمكن تجنبها، لكن بعض رموز الدين في الجزائر، توقفوا عندها طويلاً، استغلوا الأمر، في معاركهم ضد الأدب، واستمر الحال كذلك حتى عام 1989، فبعيد إعلان وفاة كاتب ياسين، سارع الشيخ محمد الغزالي (1917- 1996)، الذي كان ـ آنذاك ـ يشغل منصب رئيس المجلس العلمي في الجامعة الإسلامية بقسنطينة، إلى كتابة مقال، صدر في مجلة «الإرشاد»، يقول فيه أن «كاتب ياسين لا يستحق أن يُدفن في أرض الجزائر، وروايته «محمد خذ حقيبتك» كانت تدعو إلى التخلص من الإسلام، وطرد المسلمين من الجزائر إلى الجزيرة العربية»، مع العلم أن «محمد خذ حقيبتك» هي مسرحية، ليست رواية، ولم تنشر قط في كتاب، ما يؤكد أن الشيخ الغزالي كان يقود حملة تكفير ضد كاتب ياسين ـ ومن ورائه كتاب آخرون ـ بدون أن يقرأ له.
لقد لعب الشيخ محمد الغزالي دوراً مهماً في تغذية الكره ضد الكتاب في الجزائر، ما دفع برئيس الجزائر الأسبق علي كافي إلى التصريح «بأن انتشار التطرف في الجزائر الذي ولّد العنف والإرهاب بداية التسعينيات يرجع إلى الشيخ محمد الغزالي»، الذي أمضى سنوات يُدرس ويدير الجامعة الإسلامية، في قسنطينة، ويخاطب الجزائريين، من التلفزيون الوحيد ـ وقتذاك ـ كل يوم اثنين. وهي حظوة لم يحصل عليها ولا واحد من رجال الدين الآخرين.
مرّ زمن شيوخ الدين الأوائل، وشهدت البلاد انتفاضة 5 أكتوبر 1988 التي كان يُراد منها أن تكون «ربيعا جزائرياً»، فاتحة زمن الحريات، لكن سرعان ما تلتها عشرية من الدم، راح ضحيتها العشرات من الكتاب والصحافيين، بعض منهم سقط بسبب فتاوى أو بيانات تحريض، في تلك الفترة العصيبة سيظهر بعض تلامذة الشـــــيوخ الأوائل، مثل علي بلحاج، سيظهر حزب «جبهة الإنقاذ الإسلامي» ـ الذي تم حظره لاحقاً ـ ويصدر جريدة «المنقذ»، التي كانت تنشر تصريحات ومقالات في التحريض على كتاب، ثم سيسطع نجم واحد من طلبة الشيخ الغزالي بوقرة سلطاني (1954)، الذي سيغير ـ لاحقاً ـ اسمه إلى أبوجرة، ينتقل من إمام مغمور إلى داعية، ثم مدرس في جامعة قسنطينة، يتحول إلى منظر للأدب الإسلامي، ثم سيصير زعيماً للتنظيم السياسي «حركة مجتمع السلم». بوقرة سلطاني أصدر، في أوج الأزمة الأمنية، في التسعينيات، كتاباً بعنوان «بروتوكولات خبثاء صهيون»، بدأ كتابه بالحديث عما يصطلح على تسميته «بروتوكولات حكماء صهيون»، وفي نقضه لها، لكن في نهاية الكتاب، سيتعرض الكاتب إلى عدد من المبدعين المعروفين، في الجزائر وفي العالم العربي، من بينهم الطاهر وطار وإحسان عبد القدوس، ويكتب كلاماً قاسياً عنهم وضدهم. الغريب في الأمر أن بوقرة سلطاني، الذي حرض على كتاب، في التسعينيات، سيصير وزيراً ثم صديقا لهم، في الفترة الحالية، في فترة السلم، والطاهر وطار، الذي كان قد كتب ضده، سيكتب رثاءً له، بعد وفاته.
نهاية العشرية السوداء، كان يفترض أن ينتهي معها مسلسل تكفير الأدب والكتاب، ويجنح «شيوخ الدين» إلى السلم، التزاماً بقانون المصالحة الوطنية الذي أقرته الحكومة، لكن هذا لم يحدث قط، فما يزال التحرش بالكتاب قائماً، وتوسع تأثير شيوخ الدين في المجتمع. قبل ثلاث سنوات، أفتى واحد من الدعاة الجدد بإعدام الروائي كمال داود، وفي الربيع الماضي، تعرض كاتب شاب لاستدعاء من طرف الأمن، بعدما نشر رواية له على الإنترنت، ووجهت له أسئلة عن معتقده الديني وعن إيمانه. وفي شهر رمضان الأخير، وجد الروائي رشيد بوجدرة نفسه في برنامج تلفزيوني، لا يختلف عن محاكم التفتيش. برنامج عُرض في وقت الذروة ـ بعد الإفطار، في استنطاق «عنيف» عن دينه، وضغط عليه للنطق بالشهادتين أمام الكاميرا وأمام الناس.
الكتاب المدرسي، في الجزائر، يشهد أيضاً «معركة» بين التربويين من جهة، والمتدينين من جهة أخرى، بخصوص طبيعة النصوص الأدبية المقترحة كل عام على التلاميذ، ومعرض الكتاب يعرف سنوياً تدخلات، غير معلن عنها، من طرف بعض الإسلاميين، ومنعاً لكتب، والحال نفسه في بعض المعارض المحلية، التي تنظم في مدن البلاد الداخلية، فقد صار شبح «التكفير» حاضراً، في كل مكان، توسعت رقعته، تحت مسميات «المحافظة على القيم» أو «الأصالة»، ويهدد ـ باستمرار ـ حريات الإبداع والتعبير في الجزائر.

٭ كاتب جزائري

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*