كتاب وحي القلم.. خلطة سحرية من السياسة والحب والتاريخ

 

كتاب “وحي القلم” للأديب المصري مصطفى صادق الرافعي يصيب من يستكشف معالم أجزائه الثلاثة، التي تزيد على الألف صفحة، بالحيرة.

العرب
https://alarab.co.uk/

السبت 2018/11/03

لم تنج الملكية في مصر من سهام نقد مصطفى صادق الرافعي

يظل كتاب “وحي القلم” للأديب المصري مصطفى صادق الرافعي عصيّا على التصنيف، يصيب من يستكشف معالم أجزائه الثلاثة، التي تزيد على الألف صفحة، بالحيرة، فمضمونه يتراوح بين القصص القصيرة والسيرة الذاتية والشؤون الحياتية وأمور الحكم والسياسة، ليمثل رحلة تأخذ القارئ بين الأدب والتاريخ واللغة والدين.

لا يزال “وحي القلم” كتابا عابرا للأجيال، يكسب جمهورا منذ نسخته الأولى قبل 84 عاما، بتنوّع لغوي يلعب على دغدغة المشاعر، تارة بقصص الحب لتروي نيران العاشقين، وأخرى بالإصلاح الديني والاجتماعي، متنقلاً بين سير السابقين فيثير دموع الحالمين بالجنان، وبينهما مقالات سياسية تروي الظامئين للحرية وهواة المقارنات بين الماضي والحاضر.

ما يميّز مصطفى صادق الرافعي، الذي عاش حياته بمحافظة الغربية (90 كيلومترا من القاهرة)، تحرّره من الثوابت الكتابية لجيله، لينقل حقائق الدنيا من الحياة للكتب بصناعة فنية كاملة لا هي بشعر ولا بنثر، يعالج التاريخ بالانغماس بالتفاصيل وإكمال الحلقات الفارغة، ويكشف الجمال حتى في أشدّ مواطن القبح والألم بأسلوب إنشائي متشبّع بالتركيبات البلاغية والتشبيهات والتأويلات.

هجر الرافعي (1880 – 1937) الشعر إلى النثر الذي أعطاه مساحة لنقل المشاعر وتحليل الأحداث، بعيدًا عن التقيّد بقواعد الوزن والقافية وأسر العروض داخلا في معركة مع فحول القافيات لجيله، ذلك التحرر الذي جعل كتابه “وحي القلم” في قائمة الكتب المصرية الأكثر مبيعا، ودفعت غالبية المكتبات المصرية إلى إعادة توليد طبعات جديدة منه باستمرار.

جاء “وحي القلم” بعد اختمار تجارب مصطفى صادق الرافعي في الحياة وبعد 15 مؤلفا سابقًا ما بين الدواوين الشعرية والتاريخ والدينية، كان أشهرها تاريخ آداب العرب المنشور عام 1911، الذي هاجم فيه الركاكة والسطحية لمستوى تدريس الأدب بالجامعات، و”تحت راية القرآن” تحدث فيه عن إعجاز القرآن لكنه لم يخلُ من الهجوم على عميد الأدب العربي طه حسين بسبب كتابه المثير للجدل “الشعر الجاهلي”.

يبدو الكتاب إنسانيا في مجمله، ويداعب القلوب بوصفه المفرط للزمان والمكان، ينقل قارءه معه للأرصفة لينظر لبؤس أطفال الشوارع كائلاً السباب للفقر وصناعه، ومتسلقًا سلم الطبقات الاجتماعية التي خلقت “آلهة من البشر”، تراه صارخا يهتف للحرية بكل معانيها، فلا فرق لقلمه بين الذهب والتراب، ولا الحاكم والمحكوم.

كتب الرافعي كتابه في خضم معاناة ذاتية انعكست على ألفاظه لتمنحها الحكمة، فبعد إصابته بالصمم التام الذي بدأ يعاني من إرهاصاته في عمر السابعة عشرة وجعله يترك التعليم ويتفرغ للقراءة المنزلية، أصيب بمرض آخر في حباله الصوتية جعله يعاني صعوبة في الحديث ويتحول صوته لذبذبات شبيهة بصراخ الأطفال، ليعتزل الدنيا إلى القراءة والإنتاج الأدبي.

اشتباك سياسي

سيطرت على الرافعي، سيرة والده عبدالرازق الذي كان رئيساً للمحاكم الشرعية بكثير من الأقاليم المصرية، ليسيطر اختلال العدل على كثير من أفكاره معيدا إنتاجها بصيغ مختلفة، ما بين نقده لـ”العمى الاجتماعي” الذي يفرق بين غني متبطل (من البطالة) في أملاك والده، ونجل فقير متعطل أمام المصالح الحكومية بالأزقة والشوارع.

روج الرافعي للثورة كوسيلة للتغيير عبر تناوله أحداث 1919 التي قال إن المصريين تعلموا فيها استنبات الحرية من الدم وزراعة الدموع لطرح العزيمة

يتطرّق الرافعي في أوج العصر الملكي بمصر، لقضايا الحرية والعدالة والمساواة، رافضا تقسيم المجتمع لفئات تستعبد كل منها الأخرى، ليقول إن ببلاده شخصيات فوق المعاني عندما تكذب ترتفع قاماتها فوق الفضائل كلها، ليصبح كذبهم هو الصدق، مستفيدين من مقولة “إن كذِب القوة صِدقٌ بالقوة”.

كانت مصر حينها تحت حكم الملك فؤاد الأول (1868 – 1936)، الذي غيّر لقبه إلى سلطان مصر ثم ملك مصر وسيد النوبة وكردفان ودارفور بالسودان، وغيّر نظام الحكم لتنتقل ولاية الملك من صاحب العرش إلى أكبر أبنائه، وليس أكبر أبناء محمد علي باشا وفاء لدوره في مساعدة بريطانيا إبان الحرب العالمية الأولى.

يقول الرافعي في تعليقه على تلك التطورات، إن الشعب الذي لا يجد أعمالا كبيرة يتمجد بها يخترع لنفسه ألفاظا تلهيه كالألقاب التي وضعت كعلامات لأهل الشر ليهابهم الناس، فكلمة “باشا” اختراع اجتماعي يعادل قوة ألف فدان أو أكثر ليشبه الأحصنة التي تقيس قوة المحركات، ولو استرد الشعب سلطته الكاملة لأيقن أنها “فارغة” يهرب عبرها الأمي المغفل من حقيقته ليصبح “بك” ما يجعله مادة للسخرية وليس الوجاهة.

أراد الرافعي قلب مجتمع الحكم رأسًا على عقب بثورة شبيهة ببلاشفة روسيا التي كان لها تأثير كبير على المثقفين بمصر، بحرمان أبناء الأغنياء من نيل السلطة فالجمع بينهما يولد الظلم ويضرب المبدأ الاجتماعي بأسوأ الممارسات الأخلاقية بقوة القانون ما داموا هم القانون، مقترحًا أن يتولّوا العمل بالتجارة والصناعة ويتعلموا جني المال بأيديهم لا بأيدي آبائهم.

حين يتحوّل المجتمع إلى مجموعة من “صغار فوقهم كبار” يصبح مجتمعا قابلا للاستعباد ولتحويل الحياة إلى تعايش بين الذلّ والقهر، ليقول على لسان تلميذ فقير يخاطب ابن مسؤول بارز تعرض للضرب للمرة الأولى بحياته بعدما تأخر حارسه “نعيشُ طولَ حياتِنا إما في ضربِ الفقرِ وإما ضرب الناسِ”.

يقول على لسان بطله، الطفل الصغير المشرّد مع شقيقته بالشارع، في قصة “طفولتان” إنه لو كان صاحب شأن لرد الأغنياء بالقوة إلى الإنسانية التي فسدت عندهم بسبب الترف، ثم أصلح الفقراء الذين أخل بروحهم العوز ليتساووا ويتقاربوا على أصل الدم غير الموجود بآبائهم لكن يمكن توليده بالقانون.

في مصر الثلاثينات كانت “العِزب” (جمع عزبة وهي مساحات واسعة من الأراضي الزراعية مُلحقة بقرية)، تباع من أجل نيل لقب “باشا” أو “بك”، لكن “وحي القلم” اعتبرها نتاجا قديما متوالدا من مذهب الألوهية الكاذبة التي حللها الفراعنة لكي يستعبدوا بها البشر، ومنح ثناء اجتماعي يرغم السواد الأعم من المصريين على التعظيم بقوة الكلمة.

مع عدائه الشديد للطبقية، كان الفقر العدوّ الثاني الذي يحاربه، ليقترح أن يكون الحكام من أولاد الفقراء الصالحين ليحكموا بقانون الرحمة لا بتشريعات الغنى والقسوة، وليشتبكوا مع أمور السياسة بنفوس نبتت على الصلابة والبأس، فلا تهزم في الحوادث، إلا روح النعمة في أهل النعمة وأخلاق اللين في نفوس المترفين.

كما روّج للثورة كوسيلة للتغيير عبر تناوله أحداث تظاهرات 1919 التي قال إن المصريين تعلموا عبر دفن شهدائهم استنبات الحرية من الدم، وزراعة الدموع لتطرح العزيمة، واستثمار الحزن ليثمر المجد، يما يصلح ثوب السياسة المليء ببرقع المعارضين والمتعنتين والمتخاذلين والمعادين والحاسدين والمنافسين والمختلفين.

غنيمة العظماء

وصف الاستبداد بـ”غنيمة يتناهبها العظماء”، قائلاً “قل للناس أيها الأمير إن لقبي تعبير عما كان لأجدادي من حق قتل الناس وامتهانهم”، أو عبر اقتباسات من التراث “أتريدون أن أزوج ابنتي من ابن أمير المؤمنين، وأدفعها إلى القصر المكان الذي جمع كل أقذار النفس ودَنَس الأيام والليالي؛ أَأُزوجها رجلا تعرف من فضيلة نفسها سقوط نفسه، فتكون زوجة جسمه ومطلقة روحه بوقت واحد”؟

لم يمنع الهجوم الصريح الذي اتسم به “وحي القلم” اعتماد صاحبه على الإسقاطات، ليس من قبيل تحاشي الصدام مع القصر في مصر، لكن لكونه شاعرا في الأصل تغلبه أحيانًا رغبته البلاغية في استخدام المعاني غير المباشرة باعتبارها محسنات جمالية، فلا مانع من استخدام الاستعارات التي أحد مظاهرها حذف أركان التشبيه الكامل سواء أكان المشبه أم المشبه به.

في قصته القصيرة “قطتين” التي يُساء فهمها باعتبار أن بطليها هرّين، لكنها تحمل إسقاطات بين مجتمعي الأغنياء والفقراء بين قط سمين وآخر نحيل يقطن بالشارع، ومشاغل كل منهما في الحياة، ليعتبر أن العوز يكسب الإنسان حكمة وحياة تجعل للمسكين سعادة وبساطة، فلهفة الحرمان تضع في الكسب لذته، وسعار الجوع يقسم الطعام لنصفين أحدهما للمعدة والثاني للروح.

اعتبر الرافعي على لسان قط الشوارع أن الحرية تجعله يشم من الهواء لذة كلذة الطعام وسعادة شبيهة بأكل اللحم، فللشقاء عنده صفتان للنفس هما الشره والطمع اللذان يجعلان الكثير قليلاً، والسعادة والشقاء كالحق والباطل كلها من قبل الذات وليس الأسباب الخارجية فمن جاراها سعد بها ومن غير جاراها يشقى بها.

خاطر الكاتب بالوصول بالعشق لمصاف الدين والكهنوت، وهي منطقة تسهل على المتربصين رفع أسلحة الاتهام بالزندقة لكن طابع الكتاب المليء بالسير الدينية جعله في مأمن

تلقى طروحات الرافعي للحب صدى كبيرا عند الشباب، فلغته العذبة تعايش حالاتهم النفسية فتصبح مقطوعات موسيقية يمكن اقتباسها لتداعب مراحل تشكل علاقاتهم من الإعجاب ثم المصارحة والمعاناة والمكابدة، لكن بلغة رصينة تبتعد عن الغزل الصريح أو الوصف الجسدي الحسي، يعتبر الحب ناسخا للزمن فلا يقاس بالساعة ودقائقها وثوان بها، لكن بالسعادة بحقائقها ولذاتها.

خاطر الكاتب بالوصول بالعشق لمصاف الدين والكهنوت، وهي منطقة تسهل على المتربصين رفع أسلحة الاتهام بالزندقة لكن طابع الكتاب المليء بالسير الدينية جعله بمأمن، ليقول إنه “متى صدق المرء في حبه كانت فكرته اثنتين أحدهما مجرد فكرة، والثانية عقيدة تجعل الأولى ثابتة لا تتغير بما يجعل طبيعة الحب كطبيعة الدين”.

تلك الأفكار القريبة من التخيلات الصوفية عن الحب الإلهي نقلها كاتب “وحي القلم” لمراتب غير مسبوقة، فإذا كان الصوفيون منغمسين بالعشق الإلهي، فإن الرافعي يرى أن الحب بمعناه التقليدي طريق الوصول إلى الله عبر الجمال، وأزلي لارتباطه بالنفس التي لا تفنى، واستمداده نبع قوته من القوة السماوية.

معارك حادة

يقول الرافعي إنه “لا شيء غير الحب يستطيع أن ينقل الدنيا لنار أو جنة صغيرة، بقدرته على التعذيب النفس البشرية أو نقلها إلى النعيم، لأن عذابه إن اشتد فهو موت لا ينقل من الدنيا إلى الآخرة، بل من نصف الدنيا إلى النصف الآخر”، ليدخل في جدليات المشاعر وأسئلتها من قبيل كيف يسري قلب أحد الحبيبين في الجسم الآخر فيجعل له وجود فوق الدنيا؟ أو اعتبار جسم المرأة كالمعبد لا يعرف من جاءه أنه أتى للابتهال والخشوع. ومنح الرافعي العشق جزءًا من سمات الربوبية باعتبار حب البشر طريق لحب الله، فـ”الحب قدرة إنسان على قلب إنسان، ومن ثم قدرته على الكون المتصل بالعاشق، وبهذه القدرة أشبه بألوهية لو ساغ في الظن أن توجد ألوهية عاجزة عن كل شيء إلا عن التصرف في مخلوق واحد”.

لم تكن تلك الفكرة من سبيل الخطأ، بل عبّر عنها أكثر من مرة بصيغ مغايرة لكنها تصبّ في الاتجاه ذاته، ليقول إن “الحب بسره وتألهه يخلق كل ما يمسه في صورة ثانية مع صورته”، مناجيًا حبيبته بأن “في عينيها صفاء الشريعة السماوية، وفي خديها توقد الفكر الإلهي، وعلى شفتيها احمرار الشفق الذي يخيّل للعاشق دائماً أن شمس روحه تكاد تمسي”.

يمكن القول إن النقد كان أسلوب حياة للرافعي الذي كان عنيف الطبع، واعتبره البعض كرباجا لخصومه الذين لم يسلموا من هجومه، بداية من الشاعر مصطفى لطفي المنفلوطي الذي دخل معه في معركة حول كفاءة شعراء العصر، وعبدالله عفيفي رئيس رابطة الأدب العربي وزكي مبارك الحاصل على ثلاث درجات دكتوراه حول طريقة تدريس الأدب العربي بالجامعة المصرية (الاسم القديم لجامعة القاهرة).

ارتبطت المعركة بتقديس الرافعي الشديد للغة العربية التي اعتبرها في أكثر من موضع بكتابه “وحي القلم”، صورة وجود الأمة بأفكارها ومعانيها وأنها الهدف الرئيسي للمستعمر الذي يسعى لحبسها داخل لغته سجنا مؤبدا والحكم على ماضيها بالنسيان وإحاطة مستقبلها بالأغلال، ففي رؤيته يذل الشعب إذا ذلت لغته، خائضا معركة في الصحف المصرية ضد نشر الشعر باللغة العامية الذي يحوله لسلعة تجارية.

ويظل الصراع المحتدم مع طه حسين حول كتاب “في الشعر الجاهلي” الذي اعتبر فيه ذلك الشعر “منحول” هو الأعنف في معركة لم تنته إلا بوفاة الرافعي، بالتزامن مع معركة أخرى مع الكاتب والشاعر عباس محمود العقاد في مقالات “على السفود” والتي تعدت ميدان الأدب ووصلت لحد التجريح والتطاول في بعض الأحيان، لكن ذلك لم يمنع العقاد من اعتبار الرافعي “في الطبقة الأولى من كُتَّاب العربية المنشئين”.

وخاض “وحي القلم” في مشاكل مجتمعية مؤرقة كالانتحار الذي تعاني مصر من ارتفاع معدلاته حاليًا، بتناول فريد من نوعه، فرغم ميوله الإسلامية المعروفة، لكنه لم يتطرق من قريب أو بعيد بفكرة تكفير المنتحر وعمد للتغلغل النفسي داخله لصده بأسلوب الاقتباس.

تناول الكاتب القضية في سياق تاريخي قصصي لأشهر من أراد الانتحار في التاريخ الإسلامي وبينهم رموز في اتخاذ ذلك القرار، وأخذ معه القراء في رحلة تلك الرموز من الشك والظروف الاقتصادية والنفسية الصعبة، إلى العدول عن القرار، وجسد معاركهم التي في نهايتها بارقة أمل بأن هناك نورا دائمًا في نهاية النفق.

وفي تناوله لمشكلات الأسرة والنظرة الدونية للنساء قدمها في صورة شبيهة حاليًا بأساليب خبراء التنمية البشرية، بعيدا عن التعقيدات، فالأسرة عنده لا تقوم على سواد عيني المرأة وحمرة خديها، بل على أخلاقها وطباعها يعتبر أن المرأة “زوجة حين تجدُه هو لا حينَ تجدُ مالَه، وهي زوجةٌ حين تتمِّمه لا حين تنقصُه”، ملخصًا العلاقة بين الزوجين بمقولة واحدة “زوجة الرجل هي كرامته ومروءته”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*