كتاب مفتوح الى المسلمين بمناسبة شهر رمضان

إدمون ربّاط
28052017

انني اتوجه اليكم بكل ما أوتيت من صفاء ذهن، انتم الذين تقرؤون ما أكتب وارجو استمراركم في ذلك.

لقد حل شهر رمضان اليوم بالذات في وقت يسيل خلاله  دم 28 قبطيا وبينهم العديد من الأطفال . وقد جاء هذا الإعتداء بعد اعتداء مانشستر الذي استهدف عددا مماثلا من الأطفال أيضا.

وما لي أن اتمنى في شهر رمضان هذا ، سوى عودة الرسول لساعات محمّلا بآيات  السلام  ومحبة الآخرين والتحرّر الفكري من أي قيد. غير ان تمنياتي لا حظّ لها في القبول والتطبيق.

لهذا اتوجه اليكم ايها الأصدقاء المسلمون فأحاول ان أساهم في وضع حد لدوامة العنف التي من حولنا والتي تحصل باسم  الدين متوسّلة آيات من القرآن ومن الحديث لتبرر إرهابها.

عندما أعلَنت الدولة الإسلامية عن نفسها ، قلتم انكم من ديانتهم براء فصدّقنا ، وقد قمتم بحملة “ليس باسمي” وقد دعمناكم. واليوم أدرك انكم تتهاونون حتى أنكم اعتدتم على ما يجري من عنف حولنا. فأخالكم في شلل أمام هذا الدم الهادر الذي يسيل. البعض لا يَدين والبعض الآخر يتباطأ كثيرا قبل ان يُعرب عن تضامنه مع ذوي الضحايا.وذلك دون ان يسهوَ عن بالنا أولئك الذين يعتبرون أن  الأزهر هو الضحيّة لأنه نظم مؤتمرا  ذرِّ الرّماد في العيون مما  أدى  الى تعمية بعض الذين  إن  نظروا  لا يبصرون . إن هذا الطرح لا يكفي، و يجب الإنتقال الى الفعل . كما أن شيئا ما نابع  منكم يجب أن يصدر عنكم فيضع حدا لهذا الإرهاب الذي لا يوصل إلا الى صراع حضاري عميق.

فالمبادرات لإعادة الإعتبار لديانتكم قبل فواة الأوان كثيرة. ولكن ، عليّ أن أبدأ  بطرح  سؤال عليكم انتم الذين تردّدون دوما أن الدولة الإسلامية ليست هي الإسلام.  ماذا يكون تصرفكم او ردة فعلكم  إن كنتم في بلدغربي ،  في حافلة مترو أو حفل موسيقي أو بين الحشود وسمعتم صرخة “الله وأكبر “؟ إني لمتأكد انكم كما غيركم ستلوذون بالفرار  في الإتجاه المعاكس راجين ألا يكون ذلك الصارخ “مجنونا” كما يحلو لكم تسميته . مجنون  يريد تفجير نفسه كي يلاقي  حوريات الأعالي. وقد استطاع الإرهابيون هؤلاء تفخيخ  رموز إسلامكم. فإن شهر مسلم قرآنا،  – فقط قرآن-    ستلوذون بالفرار!   ولن اتحدّث عن راية الرسول التي أصبحت رمزا سافرا للإرهاب. وفي خضم ذلك كله انتم تتغافلون  ، تنظرون راجين ان يكون كل ذلك موجوة فتعبر. غير أن هذه الموجة تبدو مع الأيام بضخامة فيضان غامر يقضي على كامل ثقافتكم.وصمتكم انتم يتحول الى شريك  في هذا التدمير.

وما العمل في ظروف كهذه؟

المبادرات كثيرة كما اسلفنا غير أن الشجاعة اصبحت نادرة.

فمنذ عام تقريباً إقترحت على صديقة الذهاب ومجموعة من الأمهات والجدّات  الى المفتي دريان والشيخ قبلان للمطالبة بمنع  رسائل  الكراهية  في مواعظ خطباء المساجد. علّها  تستبدل برسائل المحبة وقبول الآخر ، لا” التسامح مع الآخر” وبين القبول والتسامح بون شاسع. غير أن تلك الصديقة وبالرغم من كونها أحبت الفكرة  لم تبادر. فهل الشجاعة هي السبب ؟ علينا  بطرح السؤال عليها.

ومن المبادرات سحب الكتب التي تعظّم العنف من المكتبات الإسلاميّة .
هذه الكتب التي يعوّل عليها الإرهابيون لتبرير إرهابهم.والكتب كثيرة من ابن تيميّة الى سيّد قطب. ومن المبادرات أيضا فرض مراجعة وتعديل  المناهج التربوية كي لا يستمرّ اهل الكتاب “هم الضالون” او “هم الذين يغضبون الله”.

وماذا عن الذين يؤمنون من غير أهل الكتاب أو الذين  لا يؤمنون بالله ؟ ألم يحن الوقت  فيُقبلون على ما هم عليه دون تهجّم أو تهديد ووعيد ؟ ومن الضروري أيضا   إقفال القنوات التلفزيونيّة  التي تدعو الى الإرهاب. تبنّوا كتابات ابن رشد التي أحرقها متزمتون على شاكلة إرهابيي اليوم. وكما ابن رشد كذلك سائر   كتب   المعتزلة الذين زامنوا الخليفة العباسي  هارون الرشيد .

المبادرة الثالثة هي في إجبار رجال  الدين على فتح ابواب المساجد أمام الآخرين واشراكهم في صلوات المسلمين . او حتى في فتح الأبواب  واستقبال الناس كما يحصل في المتاحف حيث إمكانية النقاش الحر متوفّرة . فهل من المعقول ان تكون ديانتكم  التي تعترف بنبوة   المسيح  ابن مريم  لا تفتح ابوابها امامنا نحن المسيحيين للصلاة  بينما كنائسنا مشرّعة أمامكم لتشاركونا صلواتنا؟

وما يجول في خاطري هو التحرّر  من أحكام دين القرون الوسطى التي لا وظيفة لها سوى خلق النزاعات بين المجموعات السنيّة والشيعيّة وهذا ما يدفع دفعا باتجاه الإرهاب الأصولي ويقضي على لغة السلام . وفي ذلك  بخ السموم في حياتكم اينما كنتم.

ان هذا النوع من المبادرات الرمزية لا بد من ان يمد بعمر مبدأ “العيش معا” مبدأ فقد كل معانيه حتى أصبح نوعا من اليوتوبيا في نظر الجميع. “فالعيش معا ” عبارة نتلطى خلفها لنخفي ذلك الإنزعاج الكبير الذي ينتابنا جميعاً . لقد آن أوان فضح المستور والتحدّث بلا عقد ودون أن نكون متّهمين دائما بالإسلاموفوبيا  كلما تجاسر أحد ووجه انتقادا لديانتكم. دعونا نتجرأ ونشرّح هذا  الصراع لتفادي العنف الذي يذر بقرنه في اوساطنا.فلنجهر بمخاوفنا فتتحرّر  المخاوف وتتحرّر انفسنا منها.  فإني على يقين أن ما من مخاوف غير مشروعة بل اسباب غير مشروعة تفضي الى مخاوف مشروعة. والمخاوف هذه  تكون عادة نتيجة التقصير في التواصل والحوار.

ان العالم بحاجة الى مبادرات جيّدة وارجو أن تصدّقوني! والصحافة الدولية  حاضرة لتغطية هذه المبادرات الرمزية في انطلاقتها والتي تصبح وبسرعة طليعية متقدّمة تحظى باحترام العالم.

غير أنه من المحزن أن نلاحظ انكم تخشون اتهام من يشوه دينكم   بالإسلاموفوبيا وهوالذي  ينزع عنها هالة السلام. فليتحول غضبكم نحو أولئك الإرهابيين وليس نحو من يرزحون تحت نير كراهيّتهم. جابهوهم وخاصموا ايديولوجيّة غذاؤُها من بعض كتب تتواجد مع الأسف في جميع المكتبات الإسلاميّة . ولا تبحثوا عن أعذار واهية لا تقنع أحدا. فالإرهابيون ليسوا مجانين بل عقائديين غسلَ ادمغتهم  أشخاص يدّعون  ديانتكم  وأمام هؤلاء إنكم  لا تعترضون ولا تتهمون مخافة تعرّض  مقتنياتكم ورغد عيشكم لأي خطر . تحرّروا من هذه العبوديّة لخلاص اولادكم واحفادكم .وتذكروا تلك العبارة التي أطلقها تشرشل بعد اتفاقيات ميونيخ : ” لقد حاولتم تدارك الحرب فاستجلبتم العار عليكم .أما الآن  فلكم العار وبلوى الحرب”. ولم يمنع ذلك تشرشل من ان يخرج من براثن الحرب العالمية الثانية منتصرا . أقول هذا لآننا اليوم في حرب على الإرهاب الإسلامي وهذا الإرهاب لا يمكن الإنتصار عليه بقوة  السلاح فقط بل بقوة  الخطاب ، ومن واجبكم انتم بالذات التوجه نحوهم بهذا الخطاب. خطاب يحدد ماهية إسلامكم لا اسلامهم الذي تعرّفنا عليه من خلال منشوراتهم ومجلاتهم ومواقعهم الإلكترونيّة. غير أن خطابكم أنتم غائب . وكما قال مانوييل فالس في نيسان الماضي : “لا يشكل السلفيون في بلادنا اليوم سوى 1% من المسلمين ولكننا لا نسمع سواهم” فلنسمع أصواتكم لنكون نحن صداها وناشريها وناقليها فالكلمات لا تعبر عن معانيها إلا إذا خرجت من أفواهكم. ف”سيرانو”  كان على حق عندما جعله إدمون روستان يقول : ” أنا من يسكبها  ببلاغة كافية ولا أسمح لغيري بأن يسكبها لي “.

ولكن،  ومع الأسف  فقد اختار البعض طريق السهولة ، طريق العلمانيّة. خطابهم جميل ولكنه لا يلامس الواقع لأنه لا يصل إلا الى فئة صغيرة من الناس مصرة على القبول به رغم تبدّل الظروف. أنا شخصيا لم أعد اومن مطلقا بهذا النهج  بعد ان  شاهدت هذا المفهوم النابع من الثقافة اليهودية المسيحية  ينهار في تركيا و تونس واندونيسيا وغيرها . فالعلمانية حل  ناجع إن كانت الثقافة مهيّأة لإحتضانه والعقول  حرّة مستعدة لتبنيه.فالعلمانية هي نتيجة الثقافة والمحيط وبالتالي لا تستطيع أن تبتكر الثقافة والمحيط كما يريد ان يقنعنا بذلك بعض الجالسين في الأبراج العاجيّة.

أرجو ان يكون بعض الشجعان قد وصل في قراءته   الى نهاية  الرسالة المفتوحة هذه كما ارجو أن يلهمكم شهر رمضان فتتأملوا مليّا في هذه الكلمات القليلة  التي اردتها من القلب لتصيب هدفها وتحقق طموحاتها.
اتمنى  لكل من استطاع الإحتفال بشهر رمضان رمضانًا كريم  حتى لو انني أنا بالذات لم يعد يحلو لي الإحتفال بأي إحتفال.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*