اخبار عاجلة

كان : في أسبوعه الأول حبّ وسيرة وتراجيديا

 

 
لوي غاريل بدور جان لوك غودار في «الرهيب» للمخرج ميشال هازانافيسيوس

عند منتصف الطريق، في السباق نحو «السعفة الذهبية»، تألقت أفلام عدة. لكن الصدارة كانت للفيلمين الروسي «بلا حب»، والفرنسي «الرهيب»

عثمان تزغارت
ألأخبار
22052017

كان | مع نهاية الأسبوع الأول من عمر الدورة السبعين من «مهرجان كان» السينمائي، بدأت معركة الترجيحات. من بين 8 أفلام عرضت في المسابقة الرسمية (من مجموع 19)، هناك 5 على الأقل يرشحها النقاد للمنافسة على الجوائز الرئيسيّة، ما يشير إلى دورة خصبة، وحافلة بالمفاجآت.

من بين هذا الأعمال الخمسة، ثلاثة لـ «الوافدين الجدد» على الكروازيت: “أوكجا”  للكوري بونغ جون هو، و«الحديقة» للسويدي روبن أوستلوند، و«100 نبضة في الدقيقة» للفرنسية روبين كامبيلو. لكن الصدارة ظلت بأيدي الكبار. في طليعة الأعمال الأكثر تألقاً في جردة حساب الأسبوع الأول، فيلمان لمخرجين كبيرين أهّلتهما ترجيحات النقاد ليكونا مشروعي سعفتين. أحدهما جسّد التراجيديا في أقسى صورها وأبهاها، بينما حمل الآخر إلى الكروازيت نسائم منعشة من الخفة والفكاهة الساخرة. إنهما «بلا حب»، رائعة الروسي أندريه زفاغينتسيف، و«الرهيب» للفرنسي ميشال هازانافيسيوس، الذي استعاد رواد الكروازيت، من خلال عروضه لحظة مفصلية في تاريخ المهرجان، سبّبت إلغاء فعالياته عام 1968، في خضم الثورة الطلابية الفرنسية، تحت ضغوط جان لوك غودار ورفاقه من أقطاب سينما «الموجة الجديدة».

طرق «بلا حب» واحدة من التيمات التي تناولتها أعمال عدة في هذه الدورة، وهي الطفولة المعذبة («الأخبار» ـ 19/05/2017)، لكن المعلم الروسي، سليل مدرسة الشكلانيين العريقة، تفرّد برؤية إخراجية منحت فيلمه جماليات تشكيلية آسرة، عمادها الإيقاع البطيء، واللغة البصرية المكثفة، والصنعة المتقنة على صعيد الإضاءة، ما جعل شخوصه تتقلب باستمرار بين الظل والضوء والعتمة. وقد انعكس ذلك، على صعيد المضمون، من خلال التباس الحدود التقليدية بين الخير والشر، ما حصّن الفيلم من الشطط الميلودرامي: العدو اللدود (والقاتل) للتراجيديا!
لم يكن التحدي الذي تصدى له «الرهيب» لميشال هازانافيسيوس، بالأمر اليسير. صاحب رائعة “ذي آرتست”، الذي جازف، قبل ستة أعوام، بإنجاز فيلم صامت بالأبيض والأسود، عاد ليرفع رهاناً محفوفاً بالمخاطر: إنجاز فيلم عن سيرة أيقونة الموجة الجديدة جان لوك غودار، الذي ما زال على قيد الحياة، وما زال مستعصياً على التصنيف (وعلى الفهم أحياناً!).
لكن «الرهيب» استطاع أن يفلت من المطبات التي غالباً ما تطيح أفلام السيرة: الجدية المبالغ فيها، والمقاربة الانبهارية التي كثيراً ما تفضي إلى تمجيد صاحب السيرة بدلاً من أنسنته. لم يكن سهلاً تفادي ذلك، حين يتعلق بالأمر بشخصية مثل غودار، الذي لم يكف، منذ نصف قرن، عن إضرام الحرائق في ربوع الفن السابع، مؤسساً لـ «سينما مفكرة» انتزعت اعتراف الخصوم وتقديرهم قبل المعجبين.
وجد هازانافيسيوس ضالته في الكتاب الذي أصدرته، عام 2015، الممثلة آن فيازيمسكي، زوجة غودار السابقة، التي كانت مرتبطة به خلال مرحلة المخاض التي واكبت الثورة الطلابية (1967 – 1969)، قبل أن ينفصلا عام 1970. كان ارتباط آن فيازيمسكي ــ حفيدة صاحب «نوبل» للآداب، الديغولي فرانسوا مورياك ــ بعرّاب «الموجة الجديدة» فعلاً ثورياً بحد ذاته. وقد روت الممثلة قصة لقائها العاصف بصاحب «بيارو المجنون» (1965) في كتاب حمل عنوان «سنة حافلة». لكنها انتظرت 45 سنة كاملة قبل أن تكمل السيرة بكتاب «عام من بعد» الذي رصدت فيه وقائع معايشتها لأحداث مايو 68 إلى جانب غودار حتى انفصالها عنه، بعدها بعام واحد، إثر محاولة غودار الانتحار، على خلفية خلافات نشأت بينهما في روما، عندما كانت آن تؤدي بطولة فيلم «بذرة الإنسان» لماركو فيريري.
كرست فيازيمسكي كل موهبتها الروائية (نالت الجائزة الكبرى للأكاديمية الفرنسية، عام 1998، عن روايتها «حفنة من الناس») لرسم بورتريه عن غودار ينضح حيوية وتألقاً. ورغم نظرة العاشقة المعجبة التي سلطتها على صاحب «الاحتقار» (1963)، إلا أن كتابها لم يخل من النقد والسخرية. إذ استعارت روح الفكاهة الغودارية، للتندر على بعض أفكار غودار وشعاراته الثورية الفاقعة، وتسليط الضوء، في قالب من الرقة والحميمية، على تناقضاته ونزقه وخيباته.
تلفق ميشال هازانافيسيوس الفكاهة الغودارية التي احتلت مكانة مركزية في كتاب فيازيمكسي، ونفخ فيها بعضاً من روح الـ “بورلسك” التي تشتهر بها أعماله، من «القاهرة، عش الجواسيس» (2006) إلى «الفنان» (2011). بذلك، استطاع أن يجمع بين الخفة الكوميدية والعمق الفكري، ونجح في أنسنة بطله (غودار)، مغلفاً طوباويته وقلقه الوجودي في قالب من الفكاهة السوداء المحببة.
منح الشريط الكروازيت واحدة من تلك المحطات الكوميدية الساحرة، التي ستبقى ماثلة في الذاكرة، وتشكل امتداداً لروائع مماثلة من” قبيل ” للأخوين كوين (2000)، و«الغزوات البربرية» لدوني أركان (2003)، و«شباب» لباولو سورانتينو (2015).
لكن المعضلة أنّ «كان» لم يسبق أن منح «السعفة» لأيٍّ من تلك الروائع الكوميدية التي أبهرت الكروازيت. فهل ينجح «الرهيب» غودار في خلخلة هذا التقليد المغالي في الجدية؟ عوامل كثيرة قد تساعد على ذلك: الهوية السينمائية لرئيس لجنة التحكيم، المعلم الإسباني بيدرو ألمودوفار، الذي سيراهن حتماً على المغايرة، وشخصية غودار (الروائية والفعلية) التي أولع بها جمهور الكروازيت، والمخرج ميشال هازانافيسيوس، الذي سيتطلع المهرجان حتماً إلى التكفير عن الذنب الذي ارتُكب بحقه، حين استبعد رائعته “ذي أرتست” من الجوائز الرئيسيّة للمهرجان، عام 2011، باستثناء منح جائزة أفضل تمثيل لبطله جان دوجاردان. أمر شكل يومها مفاجأة مخيبة، بعد الحفاوة النقدية التي حظي بها الفيلم، ومهّدت لنجاحه العالمي، إذ نال أكثر من 100 جائزة عبر العالم، وأحرز خمسة أوسكارات…

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*