كأنَّ زوجَها لم يَكن

نجم الدين خلف الله
 المصدر: “النهار”
23 آذار 2018

النسيان (لوحة تعبيرية).

أُصيبت عمتي زَهراء بمحنة الزهايمر بعد أن شارفت على التسعين. صارت تنسى ما تقوله، تكرر جُمَلها وكلماتِها، بلا مللٍ ولا داعٍ. لم تعد تَتَبيَّن وجوهَ أبنائها وأحفادها المحيطين بها، ولا تذكر أسماءهم، رغم أنَّ جلهم أربى على الخمسين. باتت تستعيد أحداث الماضي الغابر، وتسافر في مدارات الزمن، عقدًا بعد عقدٍ، ولكننها تتوقف طويلاً عند طفولتها في مطالع القرن المنقضي. بصوتها الأجش: كنتُ صبيةً يانعة، أذهب كل صباح إلى بئر القرية الوحيد لجلب ماء الشراب، في جرة صغيرة. أضعها على كاهلي وأسير بها الهوينى مئات الأمتار. وكنت أنزل مع أخواتي الصبايا إلى شاطئ البحر لغسل ثيابنا مرة في الأسبوع أيام الشتاء القارسة، ومرتيْن أو أكثر في موسم الصيف الحارق. لا ماء صالحًا للشراب في القرية إلا من بئرها اليتيمة، ولا صنابيرَ في البيوت لغسل الثياب.

تستعيد عمتي تفاصيل بعيدة تهذي بها، ولكنها توردها بسلاسةٍ ووضوح، كأنما، من أغوار الماضي، تسترجعها بمَنطق المؤرخين: كان أبُيْ مَبروك، حارس بيتنا الأسمر، جالسًا يبكي تحت حائط متهاوٍ أمام حوشنا، لأن الشاب عبد السلام، أحد الجيران، انتقَصَ بَشرته السمراء. ما كان يتوقع أنَّ رفيقه هذا سيَسخر من لون بَشرته وسيُذَكِّره بأصوله الفقيرة وهجرته أزمان الحرب.

جاء من إقليم توات وصحاريه النائية بالجزائر، أملاً في الالتحاق بالجيش الفرنسي الذي سيُسَيِّره، إن قُبِل في صفوفه، إلى الشام وأريافها، للمشاركة في فرض سلطة الانتداب هناك وقمع تمرد العشائر المناهضة لحضور الفرنسيين. حَكم عليه الطبيب-الضابط بالعَجْز ورَفض انضمامه للجيش بسبب نقصٍ طفيف في عَينَيْه وعَرَجٍ خفيف في ساقه اليسرى. تحطمت أحلام هذا الشاب الصحراوي في الالتحاق بجيش من أقوى جيوش العالم وقتها واكتساب راتبٍ شهري، يضمن شيئا من الرزق لعائلته المعدمة في الصحراء.

“في طريق العودة، دلَّه شخصٍ على بَيت أبي الشيخ”. وحين يرد ذكر والدها الشيخ، تبتسم عمتي بفخار وزهو، وتُشرق أساريرها المتجعدة. “استقبله والدي وأكرمه. اشتكى الضيف الأسمر من عجرفة الطبيب الذي عايَنَه كما لو كان يعاين حيوانًا أَبكم”. عرض عليه والدي البقاء والعمل في حقوله، فوافق بلا ترددٍ، قائلا بلكنةٍ بربرية: “لن أعمل في عسكر فرنسا، ولو عيَّنوني ضابطًا. هاجرت لله ورسوله. والخبزُ من الله”.

“كان الخبز نادرًا أيام المجاعة تلك، بُعيد الحرب الكونية الأولى. اضطرَّت أسرتنا إلى الاقتيات من البقول التي يزرعها أبَيْ مبروك بعد أن استقرَّ عندنا والتزم العَمل في حقولنا مقابل راتبٍ بسيط، هو في كل الحالات أفضل من شَظف الصحراء. كنا ننوِّع وجْباتِنا البسيطة بما تقدمه سلطات الاستعمار من “بونوات” وهي عبارة عن وصلٍ يمكِّن صاحبه من استلام نزرٍ يسير من الأرز والسكر والزيت لمقاومة المجاعة القاتلة التي فتكت بالبلاد والعباد. مات في تلك السنة العجفاء أطفال كثيرون، ومنهم أخَوَان صغيران لي. كنا صغيراتٍ. رأينا أمي تبكيهما بدموعٍ حرًّى.

زارتنا نساءٌ من أرياف السواسي. فغسَلتهن أمي بعدما أكدن أنهن لا يستحممن إلا مراتٍ نادرة في السنة، بسبب قلة المياه وشدة الحياء: “الصبية العفيفة لا تغتسل في بيت أبيها وفي مَحضره، هذا من المعائب”. عرض والدي على أبَيْ مَبروك أن يخطبَ له إحداهنَّ: بَشْرة، هذه البدوية، ذات الوشم على جبينها، حين تَختال في “تخليلتها” الحمراء كأنها أميرةُ وديان أو زهرة بستان. أجاب بلكنته البربرية وحيائه الفطري: “أنا هاجرت لله ورسوله”. لعله كان يحب عمتي زهراء، ولا يقدر على التصريح بحبه أو حتى تسريح الخاطر فيه.

نَسيت عمتي ذكر زَوجها عبد السلام، كأنَّه لم يكن، ولم تذكر شيئًا عن الستين سنة كاملة التي عاشاها سويًا، تقاسما خلالها حلوَ الزمن ومرَّه. كان زوجها من رجال المقاومة وأشاوس الثوار: يوهمها بالذهاب إلى الحقول المجاورة لمساعدة أبَيْ مبروك، ولكنه يلتحق بصفوف الثوار لتخريب المنشآت العسكرية الفرنسية التي باتت تقطع أوصال القرية وتضمن سيطرة المعمرين على كلِّ ضياعها وحقولها. لمَّا أعلمها أبوها الشيخ برغبته من الزواج بها، قالت على استحياء: “لا كلام لي مع أبي الشيخ”. امتزج في نبرتها الاحتشام والاستسلام. لعلها كانت تحب هذا الشاب الأسمر الذي لا يكل من العمل ليلا نهارًا، يقضي ساعاته في خدمة أبيها ويناديها مع أخواتها: سيدة! سيدة ! تعففًا من ذكر أسمائهن. ولكنها تخجل حتَّى من مرور خاطر الحب، فتدفعه إلى أغوار الذاكرة.

كان أبي مبروك يرفع عقيرته بالحداء، حين ينفرد في غرفته: “الجُرح اللي خلته عائشة ما يبراش. مَرحوم مَن سَمَّى عائشة، ثابت ما يخطاش”، يرددها في شجَنٍ. لعله كان يُكَنِّي عن الزهراء بعائشة.

قبل أن تلفظ عمتي أنفاسها بدقائق، نَدَّت منها ابتسامة صادقة. كانت تحدث عن أبيها الشيخ، حبها الأول والأخير. قاومت ذكراهُ عاتياتِ الزمن وصمدت أمام خيانات الحافظة، بعدما أصابتها مِحنة الزهايمر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*