قننته السلطة ولكنها منعته في أوقات المجاعات والأوبئة… حكايات البغاء في العصر

لم تمنع الخلفية الدينية التي غلّفت الحكم في العصر المملوكي (1250- 1517) من تقنين السلطة للبغاء، ففرضت ضرائب على مَن تمارسنه مقابل توفير الحماية لهنّ.

سوقا الشماعين والطبالة

تعددت أماكن تجمع البغايا حيث كنّ يلتقين بزبائنهن، إلا أن أبرزها كان سوق الشماعين.

وبجانب “الشماعين”، خُصصت للبغايا حارات في مناطق أخرى كأرض الطبالة حيث بقعة صغيرة تُعرف بالجنينة (تصغير للجنة)، وصفها المقريزي في كتابه “المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار” بأنها أبخس بقاع الأرض التي تُعمل فيها أنواع شتى من المعاصي.

أما جزيرة حليمة التي كانت تقع بين بولاق والجزيرة الوسطى، فنُصبت فيها عدة أخصاص لممارسة البغاء، وبلغ مصروف الواحد منها ثلاثة آلاف درهم، بحسب الدكتور أحمد عبد الرازق في كتابه “المرأة في مصر المملوكية”.

وبعيداً عن القاهرة، وجدت بيوت البغاء طريقها إلى المدن والأقاليم الأخرى. ففي الأسواق، بُنيت منازل مترفة ذات طابق واحد لإشباع رغبات المترفين. ورغم صدور أحكام من وقت إلى آخر بغلقها، إلا أنها كانت تعود مرة أخرى.

واستأثرت القرى بنصيب ولو قليل من بيوت المتعة. ذكر ابن حجر العسقلاني في كتابه “إنباء الغمر بأنباء العمر في التاريخ” أن حارات مخصصة للدعارة وُجدت في بلاد الريف وأن “مَن اجتاز بها غلطاً أُلزم أن يزني بخاطئة، فإنْ لم يفعل فدى نفسه بشيء”.

خزانة البنود

بيد أن أشهر المناطق التي اتخذت للدعارة هي ما عُرف باسم “خزانة البنود”. ذكر الدكتور علي السيد علي في كتابه “بحوث في التاريخ الاجتماعي من العصر المملوكي” أن هذه المنطقة كانت مكاناً لإقامة الأسرى الأرمن الذين تزايد عددهم منذ عصر السلطان الناصر محمد بن قلاوون.

وبمرور الوقت، تحوّلت بيوت الأرمن إلى أمكنة لاجتماع الناس على شرب الخمر ومعاشرة البغايا، في مأمن تام عن ترصد الناس أو السلطة، حتى باتت الخزانة قلعة لا يستطيع أحد الاقتراب منها.

وكتب علي: “حتى أن المرأة إذا تركت أهلها أو زوجها، أو الجارية إذا تركت مواليها، أو الشاب إذا ترك أباه، ودخل عند الأرمن بخزانة البنود لا يقدر أن يأخذهم منهم أحد، ولو كان مَن كان”.

لكن الأمر لم يستمر على هذا الحال دائماً. ذكر محمد بن إياس الحنفي في كتابه “بدائع الزهور في وقائع الدهور” أنه لما وُلّي الحاج آل ملك نيابة السلطنة عام 1343، أيام الملك الصالح إسماعيل، أمر بهدم خزانة البنود، ثم أنشأ مكانها مسجداً، إلا أن أحداً لم يصلِّ فيه بسبب ما ارتُكب على أرضه من منكرات وفواحش، فصار باب هذا المسجد مقفولاً.

أديرة المقطم والنيل

ولم يكتفِ طلاب المتع والباحثون عن اللذات بارتياد بيوت البغايا بل قصدوا الأديرة وأماكن التعبد التي أقيمت بعيداً عن أعين الناس حتى يكونوا في مأمن من بطش الحاكمين خاصة في الفترات التي كانت تشهد تجريم البغاء.

بحسب أستاذة التاريخ الإسلامي في جامعة الأزهر الدكتورة سامية علي مصيلحي، في دراستها بعنوان “البغاء في العصر المملوكي” والمنشورة في المجلد 33 من مجلة حوليات جامعة عين شمس، كان من بين هذه الأديرة دير القصير أعلى جبل المقطم، ودير ناهيا في الجيزة ويمتاز بجمال موقعه على النيل، ودير مرحنا على شاطئ بركة الحبش وكان يقصده الناس عند زيادة النيل، ودير طمويه الذي يقع إزاء حلوان على الجانب الغربي للنيل ويمتاز بجمال الطبيعة.

ضريبة المغاني

رغم أن البغاء كان مقنناً في بعض فترات العصر المملوكي، إلا أنه كان مجُرّماً في فترات أخرى. ذكر فؤاد أن الدولة المملوكية فرضت ضريبة على مَن تمارس مهنة البغاء، وألزمتها بدفع مبلغ معيّن لسيدة عُرفت باسم “ضامنة المغاني” وكانت تجمع تحت عباءتها أيضاً المغنيات والواعظات والقارئات والندابات.

أقوال جاهزة

شاركغردلم تمنع الخلفية الدينية التي غلّفت الحكم في العصر المملوكي (1250- 1517) من تقنين السلطة للبغاء، ففرضت ضرائب على مَن تمارسنه مقابل توفير الحماية لهنّ

شاركغردكانت “ضامنة المغاني” في عصر المماليك تشتري الجواري اللواتي يتمتعن بجمال الوجه وعذوبة الصوت، وتدرّب بعضهنّ على الغناء، فيما تدرّب أخريات على الغواية وكيفية الإيقاع بالرجال

وكانت هذه الضامنة تدفع الضرائب للدولة على أن تقوم بجمعها بعد ذلك أضعافاً مضاعفة من النساء اللواتي يخضعن لها، وذلك مقابل ضمان الحماية الرسمية لهن، بحسب فؤاد.

وظهرت هذه الضريبة أول مرة في عهد السلطان عز الدين أيبك (1250- 1257). وذكرت مصيلحي لرصيف22 أن الوزير الأسد شرف الدين هبة الله بن صاعد الفائزي فرض ضرائب كثيرة آنذاك شملت الخمور والحشيش وبيوت البغاء التي كانت تدرّ أموالاً طائلة على خزينة الدولة.

وبحسب مصيلحي، كانت ضامنة المغاني تشتري الجواري اللواتي يتمتعن بجمال الوجه وعذوبة الصوت، وتدرّبهن على الغناء على يد متخصصين، أما الجواري اللواتي يعملن في البغاء فكن يتدربن على الغواية وكيفية الإيقاع بالرجال، وكان يُطلق عليهن “بنات الخطأ” أو “الخواطئ”.

اختلاف الموقف الرسمي

الواضح أن الموقف الرسمي للدولة المملوكية على مدار تاريخها من ممارسة البغاء، سواء بالتقنين أو التجريم، ارتبط بالظروف الاقتصادية والاجتماعية وشخصية مَن يتولى السلطنة.

شرحت مصيلحي أنه “عندما كان ينقص منسوب مياه النيل يسود اعتقاد بأن ذلك مرجعه إلى غضب الله تعالى على الرعايا لانتشار الرذيلة والفساد، ومن هنا يأتي تحريم الحرف المرتبطة بهذا الفساد ومنها البغاء. ولكن حينما يتولى سلطان جديد السلطنة كانت تصدر بعض القرارات لاسترضاء الرعايا ومنها إلغاء الضريبة المفروضة على مهنة البغاء”.

ومع ذلك، تصدّى بعض سلاطين المماليك لهذه المهنة بدون وجود الظروف الصعبة، ومنهم السلطان الظاهر ركن الدين بيبرس (1223 – 1277) الذي أبطل الضرائب المقررة على البغايا، ومنع البغاء في القاهرة وسائر المدن، كما أمر بحبس البغايا حتى يتزوجن، وأمر بألا يُزاد في مهورهن عن أربعمئة درهم يُعجّل منها مئتان رغبة منه في تيسير زواجهن.

والملاحظ أن هذا القرار جاء في إطار سلسلة قرارات أخرى لبيبرس منع فيها الخمور وتعقب متعاطيها، وساوى في المنع بين أمرائه ورعيته، كما أبطل المزر (نبيذ الشعير والحنطة والحبوب) وأمر بتكسير بيوته ومواعينه مع تعويض العاملين فيه، ثم أبطل ضمان الحشيش وأحرقه، حسبما روت مصيلحي.

لكن ضمان الخمر عاد في عهد السلطان سيف الدين قلاوون عام 1280، وتبعه ظهور أماكن الدعارة من جديد، فصدرت قرارات جديدة لمكافحة ذلك وكان منها منع المكارية (الذين ينقلون الناس على الدواب) من نقل أية امرأة يُعرف أنها ماضية لارتكاب البغاء، وهو ما لم يبالِ به بعض الذين لم يكونوا يهتمون إلا بالأجرة المرتفعة، ولهذا كانوا لا يكارون إلا الداعرات لأنهن يعطينهم أجرة تزيد على ما يعطيه غيرهن.

أما السلطان الناصر محمد بن قلاوون (1285 – 1341) فأبطل “حقوق القينات” وهي ضريبة أخرى مقررة على كل جارية أو عبد حين نزولهم في الخانات لممارسة البغاء، فيؤخذ من كل رجل أو امرأة مبلغ معين، وهذا ما دفع الدولة للقبض على النساء اللواتي امتهن حرفة “القوادة”.

ولم يتوقف ابن قلاوون عند هذا الحد، بل أبطل ما يسمى بـ”ضمان تجيب”. وشرحت مصيلحي أن “تجيب” هم بنو عدي وسعد بن الأشرس بن شعيب بن السكن بن الأشرس بن كندة، ومَن كان من ولد عدي وسعد يقال لهم “تجيب” نسبة إلى أمهم التي كانت تسمى “تجيب”. وبعض أفراد هذه القبيلة كانوا ضماناً للخانات التي ينزل فيها الجواري والعبيد في مصر لممارسة البغاء، إذ كانوا يلتزمون بتحصيل الرسوم التي كانت مقررة عليهم.

ورغم إلغاء ضمان المغاني في عهد السلطان الناصر قلاوون، فإن بعض الوزراء كانوا يعيدونه نظراً لكثرة ما كان يتحصل منه من أموال، إلى أن جاء السلطان الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون (1354 – 1377) فألغاه، وأمر بغلق كل من الخليج المصري وبركة الرطلي، بوضع سلسلة لمنع دخول المراكب إليها لما كان يقع فيها من ممارسات بغاء، ذكرت مصيلحي.

ورغم ذلك، ظلت ممارسة الدعارة تُقنن في فترات معينة حتى آخر العصر المملوكي.

وبحسب مصيلحي، عندما انتشر الطاعون عام 1513، نادى السلطان قانصوه الغوري (1441 – 1516) بمنع بيع النبيذ والحشيش والبوزة (نوع من الخمور يعتمد على تخمير الشعير) ومنع النساء الخواطئ من البغاء، واستمر هذا النداء لمدة ثلاثة أيام متتالية لتزايد الطاعون.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*