“قنص” سياسي يخترق مناخ التحرير

اضاءة شموع ليل أمس قرب خيمة اهالي العسكريين المخطوفين في ساحة رياض الصلح. (مروان عساف)

النهار
29082017

لم تختلف وقائع اليوم التالي لانتهاء عملية تحرير جرود رأس بعلبك والقاع اسوة بالجزء السوري من الجرود عن اليوم الذي سبقه من حيث طغيان مأساة العثور على رفات الجنود المخطوفين لدى تنظيم “داعش” على واقع انتصار الجيش في هذه المعركة الصعبة والتي أدت خطته فيها الى التعجيل في اهداف الخطة المتمثلة في تحرير الجرود اللبنانية من التنظيمات الارهابية وجلاء مصير العسكريين المخطوفين. لكن المفارقة السلبية التي واكبت الاجواء الداخلية الناشئة عقب التطورات الاخيرة تمثلت في مشهد ينطوي على تناقض صارخ. فوقت كانت قنوات التلفزيون اللبنانية تنقل محطات نقل مئات المسلحين من “داعش” مع عائلاتهم عبر الحدود السورية – اللبنانية الى منطقة البوكمال السورية، كان المسرح الداخلي يشهد ملامح تصعيد سياسي واعلامي عنوانه العريض التحريض على حكومة الرئيس تمام سلام واعادة فتح ملف اقتحام التنظيمات الارهابية بلدة عرسال في آب 2014. وحذرت مصادر رسمية وسياسية بارزة من الاتجاه الذي برز الى توتير المناخ السياسي على خلفية استعادة بعض التجارب السلبية التي ينبري فيها فريق معروف لوضع خصومه في موقع المحاسبة والتخوين بما يتسبب بتسميم الاجواء وتعريض البلاد لخضات تتسم ابعادها بالخطر.

ولفتت المصادر الى ان تحرير الجرود اللبنانية يفترض ان يؤدي الى نهوض وطني واسع بفعل النجاح الكبير الذي سجل للجيش والالتفاف اللبناني الواسع حوله، ولكن يبدو ويا للاسف ان ثمة من اراد ان يفقد البلد فرصة قطف الثمار المهمة فسارع الى اثارة اجواء انقسامية. وبدأ “القنص” السياسي تحت عنوان مفتعل هو محاسبة المسؤولين عن اختطاف العسكريين قبل ثلاثة اعوام في حين تحرف الانظار عن صفقة عقدت لمرة نادرة مع تنظيم “داعش ” وأخرجت المسلحين من الجرود سالمين ولا من يناقش. وفي أي حال، اكتفت الحكومة التي لزمت الصمت عبر رئيسها الرئيس سعد الحريري بالاعلان ان “يوم الانتصار على الارهاب وطرد تنظيماته هو أيضاً يوم تحية قيادة الجيش وتكريم الشهداء” وان الحكومة ستعلن يوم حداد وطني فور التأكد من نتائج الفحص النووي لرفات الشهداء الثمانية ويوم تضامن مع الجيش واهالي الشهداء.

نصرالله… و”المستقبل”

وحدد الامين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله من جانبه “عيد التحرير الثاني ” في 28 آب 2017 بعد اندحار آخر مسلح من تنظيم “داعش” عن الاراضي اللبنانية، داعياً الى احيائه في مهرجان كبير الخميس في بعلبك. وقال في كلمة متلفزة أمس إنه “يتفهم” بعض الردود التي تلت دعوته للتنسيق المباشر بين بيروت ودمشق” و”اتفهم غضب البعض وقلقهم، ولكن بعض الكلام كان عادياً وقد اعتدناه من نوع آخر انه مسرحية ونهاية، ولكن هناك نقطة لا يمكن ان تمر لأن لها علاقة بأخلاقية حزب الله وهذا لا يمكن ان نتسامح فيه”. وكما كان متوقعاً أعاد نصر الله التذكير بما جرى عام 2014 و سأل من منع الجيش اللبناني وكان قادراً في حين ان الآخرين كانوا ضد الجيش… “المعلومات كانت متوافرة وكان الجيش قادراً ان يحاصر داعش ويحرر الجنود المختطفين”. وطالب بالتحقيق مع “القرار السياسي الجبان والخاضع”.

ورد “تيار المستقبل” ليلاً على نصرالله متسائلاً: “ما الداعي لمثل هذا القدر من التوتر في اطلاق الاوصاف والاتهامات على جهات وأحزاب وتيارات، لا تحتاج الى شهادات حسن سلوك وطني من أحد؟ وهل يستوي الشعور بتحقيق انتصار كبير على قوى الاٍرهاب في جرود البقاع، مع الشعور بوجود فئة كبيرة من الشعب اللبناني ترفض تجيير هذا الانتصار لمصلحة اجندات إقليمية، وتحديداً لمصلحة نظام بشار الأسد، المسؤول الاول والاخير عن توريط سوريا في مذابح أهلية لا مثيل لها في التاريخ العربي؟… اذا كان لـ”حزب الله” أن يفاخر بالمعركة التي نظمها في جرود عرسال وبالمفاوضات التي اجراها مع “داعش”، ويضعها في خانة الانتصارات التي يحققها على أعداء لبنان، فإننا بدورنا وبكل صراحة ومسؤولية لسنا في موقع من يريد تلطيخ هذه المعركة ونتائجها بحبر الاتهامات والشكوك، خصوصاً ان هناك مجموعة من الشباب اللبناني قد سقط فيها، وان المسؤولية الاخلاقية تفترض التعاطف مع الأهالي المفجوعين وتجنب الاساءة لمشاعرهم أو إخضاعها للمزايدات السياسية.غير أن هذه المسألة لن تشكل سبباً للتأثير على موقفنا المبدئي من سياسات “حزب الله”، وإصرارنا على اعتبار مشاركة الحزب في الحرب السورية وامتداداتها اللبنانية، هي جزء لا يتجزأ من مسلسل الحروب الخارجية”.

سجالات

واتسمت السجالات المتصلة بمسألة العسكريين المخطوفين التي “استيقظت” بقوة في الساعات الاخيرة بطابع غريب امتزجت من خلاله الاتجاهات لدى بعض أفرقاء 8 آذار لتحميل الحكومة السابقة تبعة هذا الملف أساساً باتجاهات أخرى منددة بترك “داعش ” تخرج من الجرود اللبنانية على النحو الذي حصل. وكان ابرز موقف وزاري في السياق الاخير لوزير العدل سليم جريصاتي الذي اعلن لدى زيارته اهالي العسكريين في خيمتهم في ساحة رياض الصلح امس انه “سيتم تحديد مسؤولية كل طرف قصر بواجبه في ملف العسكريين”، معتبراً ان “الدولة أضاعت حق الشهداء بتأمين مغادرة آمنة للارهابيين”.

أما في سياق السجالات التي نشأت حول مسؤولية الحكومة السابقة، فلم يقف الامر عند حدود السجالات الاعلامية بل سجل تحرك لناشطين معروفين بقربهم من أحد التيارات رشقوا خلاله منزل نائب رئيس الوزراء وزير الدفاع في حكومة الرئيس تمام سلام سمير مقبل بطلاء احمر وتوعدوا بالتحرك اليوم وغداً أمام منازل مسؤولين سابقين اخرين. وفي حديث الى “النهار” رد الوزير السابق رشيد درباس على الاتهامات التي وجهت الى الحكومة السابقة ورئيسها تمام سلام فلفت الى انه “لو كانت الظروف السائدة اليوم أيام الحكومة السابقة لكان الامر نفسه والحكومة السابقة لا تختلف عن الحالية الا برئيسها… والرئيس سلام لم يتفرد في موقف”. وأضاف درباس ان قائد الجيش السابق العماد جان قهوجي “لم يقل إن الرئيس سلام منعه” من معركة في الجرود “وهم يقولونه كلاماً من أجل التصويب على الرئيس سلام لكن التصويب في النهاية هو على الرئيس الحريري”.

كما ان وزير الاتصالات الحالي جمال الجراح رأى في حديث أمس انه “لولا حكمة الجنرال قهوجي ودرايته ومعرفته بما كان يخطط في 2 آب 2014 كنا دخلنا في المجهول لانه كانت هناك مؤامرة على عرسال ولزج الجيش في معركة كانت ستكبده مئات الشهداء ومن أتى بالمسلحين أراد توريط الجيش مع أهالي عرسال”.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*