قمة هلسنكي: الاعتراف بروسيا قوة كبرى؟


روزانا بو منصف
النهار
30062018

استبقت المعلومات التي تتحدث عن التخلّي الاميركي عن المعارضة في منطقة درعا وإتاحة المجال من جانب اسرائيل لانتشار عناصر تابعة لنظام بشار الاسد في الجولان السوري، الحدث الذي يتمثل في لقاء القمة الذي أُعلن عن انعقاده بين الرئيسين الاميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين في 16 تموز المقبل في هلسنكي غداة الزيارة التي قام بها مستشار البيت الابيض للأمن القومي جون بولتون الى موسكو قبل ايام. حتى اليوم، وعلى رغم اللقاءات التي كانت قد عُقدت بين الديبلوماسيتين الاميركية والروسية أيام ولاية الرئيس باراك اوباما، فان روسيا طمحت، ولا تزال، الى إقرار الولايات المتحدة بدورها، ليس كقوة اقليمية بل كقوة كبرى كانت من بين الاسباب لتدخّلها العسكري في سوريا، وحتى الآن لم تتعاطَ معها الولايات المتحدة ولا الغرب بأسره على انها قوة كبرى في الوقت الذي ترجمت العقوبات التي فرضت عليها لوضع يدها على منطقة القرم على التعاطي معها بمستوى اقل من قوة اقليمية صاحبة طموحات ومصالح كبرى على خلفية ان القرم ملاصقة لها وكانت تاريخياً مرتبطة بها في شكل او في آخر، مما حدا بها الى التدخل في سوريا من اجل الحصول على إقرار بنفوذها وموقعها كقوة ثانية في موازاة الولايات المتحدة الاميركية. ولذلك فان السؤال الاساسي الذي سيتركز عليه موضوع القمة الذي تردد ان موضوع سوريا سيكون على طاولة البحث هو ما اذا كان قد حان اوان الصفقة بين الولايات المتحدة وروسيا في قضايا المنطقة وسواها، وهل اللقاء في هلسنكي هو اللقاء المرتقب من اجل الاتفاق ام لا، علما ان الولايات المتحدة او الغرب لا يهتمان بالواقع بسوريا ولا يزال كل منهما يجدد العقوبات على روسيا على وقع الازمات المفتوحة معها في القرم او سواها. وما سيكون مطروحا في هذا الصدد هو احتمال الاعتراف بموقع روسيا كقوة كبرى من جهة عبر امساكها بالملف السوري وحتى بالتفاوض حول دور ايران ونفوذها في ظل العقوبات المتشددة عليها بعد الانسحاب الاميركي من الاتفاق النووي، وكذلك الاعتراف بمصالح روسيا ودورها المحوري جنبا الى جنب في قضايا المنطقة. والمقصود بقضايا المنطقة ليس سوريا فحسب بل كل الملفات الشائكة في ظل اعلان روسيا اخيرا مثلا ان واشنطن لن تتمكن وحدها من حل النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني تعليقا على المساعي التي يقوم بها صهر الرئيس ترامب من اجل التحضير لما يسوّق تحت شعار “صفقة القرن”. فهذان العنصران سيكونان الخطوة الممهدة سلبا او ايجابا لما قد يتبعها.

فيوم الخميس اعلن المندوب الروسي لدى الامم المتحدة فاسيلي نيبيزيا ان روسيا مستعدة لبحث دور ايران في منطقة الشرق الاوسط. ومع انه دافع عن وجود ايران في سوريا كقوة اقليمية لبّت دعوة بشار الاسد، فانه يبدو واضحا ان موضوع تدخل ايران في المنطقة ودورها او نفوذها سيكون على طاولة البحث في ظل معلومات عن مقايضة واشنطن بقاء الاسد مرحليا بانسحاب ايران من سوريا، وهو الامر الذي بدأت اسرائيل تنفيذه على اساس إبعاد عناصر ايرانية ومن تنظيمات موالية لها عن الجولان ومن الجنوب السوري مقابل الموافقة على بقاء الاسد، بغض النظر عن طبيعة التفاوض حول دور طهران وما اذا كانت روسيا ستقايض على وجود ايران ككل في سوريا ام لا، خصوصا ان المسألة لا تتصل بروسيا وحدها ولا بالولايات المتحدة في الوقت الذي استثمرت طهران الكثير من اجل بقاء الاسد من جهة وساعدت روسيا بذلك على الارض، كما استثمرت اموالا وقدرات وعناصر، ومن الصعب الاعتقاد ان انسحاب ايران من سوريا سيكون من دون اثمان. وسيكون صعبا في ظل هذه المعادلة الجزم بانتصار ما يسمى محور الممانعة في حال أُبقي على الاسد مرحليا مقابل ثمن اكبر هو انسحاب ايران جزئيا او كليا، في وقت، وفق مصادر عليمة، ان بقاء الاسد في هذه المرحلة وحتى انتهاء ولايته المجددة في 2021 يخضع لشروط تتفاوت الآراء في شأنها. فمن التقى المسؤولين الروس قبل بعض الوقت حظي منهم بتأكيدات بقاء الاسد حتى انتهاء ولايته فقط على ألا يترشح للرئاسة السورية مرة اخرى. لكن هذا المنطق لا يمكن الوثوق به، خصوصا ان ما يتم العمل عليه منذ الآن هو ان اعادة روسيا للنظام السوري ما خسره من سيطرة على الاراضي السورية مشروط بتنازلات جذرية لجهة عدم قدرته على الاستئثار بالحكم بعد الآن وفق ما سيتم اقراره في لجنة الدستور التي يتم اعدادها من الامم المتحدة، على ان يتوج كل ذلك بانتخابات رئاسية وبرلمانية في 2021. ثمة من يقول ان التسليم الاميركي للروس بالوضع السوري كليا قد لا يتيح السير بهذا المسار، كما ان بشار الاسد الذي لم يتنازل قيد انملة عن الصلاحيات الممسك بها كليا في زمن فقدانه السيطرة على الاراضي السورية، هل يفعل ذلك في ظل اعادة تمكينه من الروس من اعادة السيطرة، وهل سيتخلى فعلا عن دور ايران في هذا الاطار، علما ان الكثير سيكون على المحك اذا حصل اتفاق اميركي – روسي من المبكر الجزم في شأنه، كما ان الخبراء في الشأن السوري يجزمون بان هذه السيناريوات لمسار الحرب السورية لا تجزم او تحسم انتهاء الحرب في سوريا في المدى المنظور ولا التسليم دوليا ببقاء نظام الاسد بهذه السهولة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*