“قلوب مليانة” لبنانية ـ سورية… التاريخ في خدمة الأزمة

مجد بو مجاهد

     المصدر: “النهار”
     12 تموز 2017

شهدت العلاقات اللبنانية السورية تأزماً في الأسابيع الأخيرة تزامناً مع طرح ملف عودة النازحين الى بلادهم. وازدادت حدّة هذه المواقف اثر العمليات المقدامة التي ينفذها الجيش اللبناني دحراً لأوكار الإرهابيين في عرسال. خطابٌ وخطابٌ مضاد. اتهاماتٌ عشوائية بين الطرفين اللبناني والسوري.

هذه الأجواء المحتقنة، تدفعنا الى التساؤل حول أسبابها ونتائجها المترتبة، خصوصاً ان مداهمات الجيش ليست موجهة ضد النزوح كما يشاع، وليست سوى عمليات استباقية لعناصر ارهابية اتخذت من النازح السوري طعماً. ولعلّ المشاركة في اعادة بناء المخيم في برّ الياس بعد تعرّضه للحريق، أصدق تعبير على ان اللبناني لم يكن يوماً ضد أنسنة الملف، رغم الضريبة الكبيرة التي يدفعها مادياً ومعنوياً، نتيجة ثقل أزمة النزوح، التي لا يتحملها النازح، بقدر ما تفرضها ظروف البلاد الديمغرافية والاقتصادية والاجتماعية. ان خطاباً عالي السقف، برز فيه استعادة مقولة “لبنان محافظة سورية” في حملات مبرمجة على مواقع التواصل، يدفعنا الى اطلالة جديدة على العلاقة اللبنانية السورية اجتماعياً وتاريخياً، والسؤال حول ماهية الشعارات المستخدمة راهناً.

في رأي الناشط الحقوقي السوري محمد حسن ، ان “الأقطاب السياسيين في لبنان يحاولون بث أجواء الفتنة بين النازحين والشعب اللبناني الذي لا يستفيد من المساعدات الدولية المقدّمة من الجهات المانحة، ولا يعي ان الساسة اللبنانيين يسرقونها”. ويقول لـ”النهار” ان “اللبنانيين والسوريين شعبٌ واحد يربطه تاريخٌ مشترك، وعندما نقول ذلك لا ننتقص من سيادة لبنان كبلد مستقل، بل لا بد من استثمار العبارة معنوياً”. وغوصاً في التلاحم العائلي بين البلدين يشرح ان “الشمال اللبناني امتدادٌ سوري عائلياً، والكثير من الشماليين يعترفون بأصلهم السوري ويدعون الى الغاء الحواجز الجغرافية والتلاحم مع عائلاتهم السورية”.

وتلتقي شهادة حسن مع رأي الناشط السياسي السوري أحمد قصير في أكثر من مفترق. “لبنان وسوريا عبارة عن بلاد الشام أو ما عرف لاحقاً بسوريا الكبرى. العلاقات التجارية كانت قائمة بين البقاع والمناطق المحيطة ما أدى الى نشوء علاقات مصاهرة. وفي طرابلس، على سبيل المثال، عائلات دالاتي والمصري وعمار هي امتدادٌ لعائلات سورية حلبية”، يقول قصير مؤيداً مقولة ان لبنان وسوريا بلدٌ واحد وشعبٌ واحد. اذاً انت تنسف وجودية دولة لبنان؟ “لا بل انه بلد يتمتع باستقلاليته ومعزّته الخاصة في قلوب السوريين وهي مجرّد عبارة معنوية نقولها”. ويرمي الكرة في ملعب النظام السوري معتبراً انه “انتج عبارة لبنان محافظة سورية واعطاها أبعاداً مخابراتية أسدية. لكن الشعب السوري يعترف بسيادة لبنان واستقلاله”.

لبنان لبنانيٌّ

من وجهة نظر اجتماعية، تقول الاستاذة في علم النفس الاجتماعي منى فياض ان السوريين يبالغون في التوصيف، اذ ان “الدولة الوطنية جديدة تاريخياً ولم يكن لها وجودية او حدود مرسّمة. وفي ظل الدولة العثمانية، قسمت المنطقة الى اقاليم، فيما اختلفت أنظمة الحكم بين ولايةٍ وأخرى. سوريا ولبنان لم يعرفا معنى الوجودية قبل نيلهما الاستقلال”. وتشرح ان “الامبراطوريات والسلطنات كانت تفوز بمناطق نفوذ شاسعة. والنظام الذي اعتمد في القرن الثامن عشر هو نظام ملل. ومن ثم وقعت اتفاقية سايكس- بيكو التي لم تقسم المنطقة عشوائياً بل احترمت الأقاليم الموجودة، وكان للسكان المحليين دور بارز”. وبعبارةٍ عامية تحسم موقفها: “ما حدا مفضل على حدا”. لا بل ان وجودية لبنان سنة 1943 سبقت نيل سوريا استقلالها سنة 1945. وماذا عن التجاذبات التي شملت الحقبة الفينيقية؟ “جبل لبنان ذكر في التوراة 70 مرّة. والفينيقيون وجدوا في لبنان واوغاريت في سوريا. حتى ان صور كانت تعتبر بعيدة عن صيدا نظراً لعدم توافر وسائل النقل. تداخلت المناطق تجارياً ولكنها بقيت مستقلّة. المنطقة اللبنانية كانت تتمتع بالحرية فيما اعتبرت بيئة المنطقة السورية محافظة. حتى ان فروقات ثقافية تجلّت بين المدن السورية نفسها”.

خصوصية جبل لبنان

وتاريخياً، يشدد المؤرخ التاريخي الدكتور عصام خليفة على ان لكل من لبنان وسوريا خصوصية. ويؤكد لـ”النهار” ان “اللبنانيين ليسوا سوريين والعكس صحيح”. ذلك ان “أحداً لا يمكنه الغاء خصوصية جبل لبنان الدرزية ـ المارونية، اذ قاتل الدروز للمحافظة عليه بعدما أحرق لهم العثمانيون 80 قرية، فكرّسوا اساس لبنان المعاصر الى جانب الموارنة”. ويعود خليفة بنا الى مرحلة قيام الجامعة العربية، حين “رفض رئيس الوزراء السوري سعدالله الجابري الاعتراف بدولة لبنان، بل اعتبرها محافظة سورية”، اذ رأى ان “لبنان لا يمتع بوجودٍ مستقل بل انه جزء لا يتجزأ من سوريا. وتالياً، لا يحد سوريا من الغرب سوى البحر الأبيض المتوسط”. ويضيف: “ورد في مذكرات كيسينجر ان الحرب الأهلية االلبنانية التي اندلعت سنة 1975 كانت بمباركة اميركية لتقاسم دولة لبنان بين سوريا واسرائيل. وحتى اليوم سوريا لم تلجأ الى ترسيم حدودها مع لبنان، ما يؤكد عدم اعترافها به”.

روابط مشتركة

وعلى عكس ما عبّر عنه كل من فياض وخليفة، يعتبر المحلل الاستراتيجي الدكتور هشام جابر ان “ما من بلدين في العالم تربطهما قواسم مشتركة، كما لبنان وسوريا”. واستناداً الى وقائع تاريخية وثٌّقها جدّه المؤرّخ محمد جابر كان التوقيع البريدي يحمل اسم “النبطية سوريا”. وجغرافياً، يعتبر ان “سوريا هي التي اضطهدت لبنان بعد الاستقلال منذ عهد شكري القوتلي وحسني الزعيم، لأنها لم تعترف بالدولة اللبنانية. وحافظ الأسد كان اول رئيس سوري قال اننا شعبٌ واحد في بلدين. وتاريخياً ما من رئيس جمهورية سوري، باستثناء بشار الأسد، زار بيروت منذ الاستقلال. كانوا يأتون الى شتورا، لأن زيارتهم القصر الجمهوري تعني اعترافهم بلبنان”.

وفي استنتاجٍ عام يقول: “انا أفتخر باستقلالية بلدي، لكن ما من بيت لبناني غير مرتبطٍ بعلاقاتٍ رحمية مع السوريين”.

وعن حلّ أزمة اللاجئين، يلفت الى انه “خلال الحرب اللبنانية، القسم الأكبر من اللبنانيين حضنتهم سوريا 3 أشهر لا اكثر ومن ثم عادوا ادراجهم. اما لبنان فطاقاته محدودة ولا يمكنه ان يتحمل العبء سنوات اضافية”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*