قطب صناعة السيارات في العالم الذي نجح أينما حلّ

موناليزا فريحة
النهار
20112018

من فرنسا الى الولايات المتحدة والبرازيل واليابان وإيران، نجح رئيس

مجلس ادارة شركة “نيسان” العملاقة لصناعة السيارات كارلوس غصن أينما حل، قبل أن ينتهي به الامر في الرابعة والستين متهماً بالتهرب الضريبي، ومنبوذاً من شركة “نيسان” التي انتشلها من الافلاس، في سقوط تحول لغزاً لأحد أكبر رجال الأعمال في العالم.

أوقفت السلطات اليابانية على رئيس شركة “نيسان” العملاقة في طوكيو لاستجوابه في مخالفات مالية، بعد اتهامه بتقليل قيمة وارداته في الوثائق الرسمية، في ما شكل ضربة قوية للشركة. وصدر قرار التوقيف بعد تحقيق داخلي استمر أشهراً في ممارسات محتملة غير ملائمة لغصن ومدير الشركة غريع كيلي أظهر أن غصن وكيلي دأبا على تقليل قيمة دخلهما في الوثائق الرسمية، من أجل تقليل حجم المقابل المالي المعلن لأتعابهما.

وبالنسبة إلى غصن أيضاً، كشف التحقيق مخالفات مسلكية كبيرة مثل الاستخدام الشخصي لممتلكات الشركة، كما تأكد أيضاً تورط كيلي على نطاق واسع.

وقالت المجموعة إنها قدمت معلومات الى المدعين اليابانيين وستقترح على مجلس الإدارة “إقالته (غصن) من مناصبه سريعاً”.

وإثر انتشار خبر توقيف كارلوس غصن، تراجعت أسهم “رينو” بنسبة تفوق 12 في المئة في التعاملات الصباحية ببورصة باريس التي فتحت بعد إغلاق سوق طوكيو.

ومن المتوقع أن يهز الخبر ايضاً تحالف “رينو-نيسان-ميتسوبيشي” نظراً إلى أن غصن دعامة أساسية له، وهو الرجل الذي يتمتع بقوة الجذب في التحالف. ومن المحتمل أن ينعكس ذلك سلباً على صورة علامتها التجارية.

وسارع المدير التنفيذي لـ”نيسان” الى الاعلان عن اجتماع لمجلس إدارة المجموعة الخميس، مشدداً على أن توقيف غصن لن يؤثر على التحالف مع “رينو” و”ميتسوبيشي”.

وكان لنبأ توقيف غصن وقع الصدمة في قطاع صناعة السيارات، التي يعد فيها شخصية مهيمنة ينسب اليها النجاح في إعادة هيكلة العديد من كبار مصنعي السيارات.

يعتبر كارلوس غصن أحد أقوى رؤساء الشركات حول العالم وأحد المسؤولين التنفيذيين الأجانب النادرين في اليابان. نسج علاقات مع سياسيين حول العالم، بينهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الاميركي السابق باراك أوباما، وذاع صيته خصوصاً لأنه أحدث تحولاً كبيراً في شركة “نيسان” وانتشلها من الافلاس، وتمكن خلال أقل من سنة ونصف سنة من تحويلها الى الربح.

فعام 1999، إذ كانت “نيسان” تعاني مشاكل كبيرة، هبت “رينو” لنجدتها وكلفت غصن اعادة هيكلتها لخفض التكاليف والوظائف في عملية ضخمة.

تسلٌم غصن شركة شبه مفلسة تعاني خسائر دائمة وديوناً تصل الى 22 مليار دولار، ومبيعات خاسرة إضافة الى سمعة مشوهة، فنجح خلال سنة في قلب المعادلة وبدأ المصنع يجني الارباح. وفي أقل من سنتين تقلّصت الديون الى 4 مليارات دولار وسجلت الارباح أعلى مستوى في تاريخ المصنع وباتت نماذج “نيسان” الجديدة تلاقي رواجاً كبيراً في الاسواق.

وفي 2016 تولى غصن شؤون “ميتسوبيشي” التي كانت تواجه صعوبات بعدما انقذتها “نيسان” بشراء ثلث أسهمها مقابل 2,2 ملياري دولار، فيما كانت تواجه فضيحة التلاعب ببيانات قراءات استهلاك الوقود التي أدت إلى تراجع المبيعات.

وكانت خطة غصن الملقب “مخفّض الكلفة” أثارت مخاوف من اضطرابات اجتماعية واقتصادية وسط افعال مصانع، وتسريح عمّال، وضرر محتمل يمكن أن تلحقه اصلاحاته بعلاقات الشركة مع عملائها. الا أن نجاحه في خفض التكاليف وادخاله فاعلية أكبر، ساهما في قلب الشركة رأساً على عقب وجعله بطلاً وطنياً.

وقبل سنوات، برز اسمه على لوائح شخصيات اختارها اليابانيون لتولي منصب رئيس الوزراء، وإن تكن جنسيته تمنعه من ذلك.

وعام 2015، كشفت وكالة “رويترز” راتب غصن والحوافز المالية التي حصل عليها خلال السنة المالية 2015، موضحة أنه تقاضى مبلغ 1.1 مليار ين ياباني أي ما يعادل 10.2 ملايين دولار أميركي، بزيادة نسبتها 3.5 في المئة عن العام السابق.

حول العالم

وقبل “نيسان” و”رينو”، سافر كارلوس غصن حول العالم، من البرازيل الى لبنان وفرنسا والولايات المتحدة واليابان، الأمر الذي أكسبه لغات عدة مكنته من التنقل بسهولة من ثقافة الى أخرى.

ولد في البرازيل من أسرة لبنانية مارونية. وعند بلوغه السادسة، اصطحبه والداه الى بيروت للعلاج. أدخل مدرسة سيدة الجمهور التي كان يديرها كاهن أسوجي. في البيت كانت العائلة تتحدث الفرنسية خصوصاً وقليلاً من العربية وأحياناً البرتغالية. وبعد البكالوريا، استقر في فرنسا لمتابعة دروس تحضيرية علمية في ثانوية سان لوي. وبعد انتسابه الى معهد فني، انضم الى الجمعية التي تنظم لقاءات لطلاب أميركيين. وهو يقول في مذكراته: “بعد العشاء كنا ننهي السهرة في حانات ومرابع الليل في الحي اللاتيني. وكان هناك طالبات أكثر من الكلاب الى طاولاتنا”.

بدأ حياته المهنية في شركة “ميشلان” كبرى الشركات الاوروبية لصناعة الإطارات المطاطية، وكان يتطلع الى وظيفة عالمية. وفعلاً صار في الثلاثين مديراً لفرع الشركة في البرازيل، ثم مديراً لفرع أميركا الشمالية في السادسة والثلاثين. ومع ذلك، أدرك أن عائلة “ميشلان” لم تكن مستعدة لتنصيب رئيس من خارجها، أياً يكن مؤهلاته. وهو يروي أن زوجته بدأت تسأله عن مستقبله: ماذا ستفعل؟ هل تبقى الرجل الثاني كل حياتك؟”

ولم ينكر غصن قط أنه انضم الى “رينو” عام 1996، لأن رئيسها في حينه لويس شفيتزر، رأى فيه خلفاً محتملاً له. وهو كان في الثانية والأربعين.

ونصحه شفيتزر الذي أدار مكتب رئيس الوزراء الفرنسي سابقاً لوران فابيوس في “أوتيل ماتينيون” بين 1984 و1986، بطلب الجنسية الفرنسية لئلا يواجه مشاكل. وهذا ما فعله.

وانضم إلى “نيسان” بعدما اشترت “رينو” حصة مسيطرة وصار رئيسها التنفيذي عام 2001. واستمرّ في ذلك المنصب حتى العام الماضي. وعام 2016، عيّن رئيساً لشركة “ميتسوبيشي موتورز”.

ظهر على غلافات مجلات مرتدياً الكيمونو ومتعهداً تجديد ماركة الشركة. وحظي باشادات واسعة في دوائر قطاع السيارات في اليابان. وبقيادته، كانت المجموعة القوية مالياً الشركة الأولى تستثمر بكثافة في السيارة الكهربائية. وبعدما سخر منه المنافسون، لم يتوانوا عن اللحاق به مع ازدهار القطاع.

ألهمت سيرته سلسلة كتب في اليابان بعنوان “القصة الحقيقية لكارلوس غصن”. كما صار من أبطال كتاب المانغا Big Comic Superior، وقد نشرت هذه السلسة في كتاب عام 2002.

وصار غصن عنواناً لعدد من الكتب الإنكليزية واليابانية والفرنسية. وألف هو نفسه كتابًا باللغة الإنكليزية عن مسيرته مع “نيسان” وهو من الكتب الأكثر مبيعاً في مجال إدارة الأعمال وعنوانه: التحول، النهوض التاريخي لشركة نيسان”.

حصل غصن على العديد من الجوائز والأوسمة عن إنجازاته، إذ منحته مجلة “فورتشن” عام 2002 لقب رجل أعمال آسيا، وانتخب رجل السنة في الطبعة الآسيوية من المجلة نفسها عام 2003.

وفي مواقفه السياسية، تحدى غصن  واشنطن خلال الصيف، بقوله إن شركة “رينو” لن تنهي وجودها في ايران، على رغم إعادة فرض الولايات المتحدة عقوبات ضد الجمهورية الإسلامية.

وأبلغ الى المساهمين في الشركة خلال اجتماع للجمعية العامة في باريس  ” أننا لن نتخلى عن وجودنا. لكن إذا اضطررنا لتقليص نشاطنا سنحتفظ بوجود محدود لاننا مقتنعون بان … هذه السوق ستُفتح من جديد في وقت ما، وإن بقاءنا في ايران سيمنحنا بالتأكيد أفضلية”.

وتتمتع “رينو” بحضور قوي في إيران حيث تتخطى مبيعاتها 160 ألف سيارة سنوياً، كما بلغ مجموع مبيعات الشركة في العالم 3,76 مليون سيارة.

monalisa.freiha@annahar.com.lb

@monalisaf

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*