قصة عنصريّتين: هذه لا تغتفر وتلك فيها نظر

 


مالك التريكي
Aug 11, 2018
القدس العربي

حظي إمام مسجد منطقة فينسبري اللندنية محمد محمود بتقدير الرأي العام البريطاني بعد أن تدخل لمنع المصلين من الانتقام من الانكليزي العنصري الذي تعمد في 19 حزيران (يونيو) من العام الماضي دهس مجموعة من المصلين بشاحنته، ما أدى إلى مقتل أحدهم وإصابة اثني عشر منهم. وقد حكم على العنصري المجرم أوائل هذا العام بالسجن المؤبد. ولهذا فقد انتبهت الأوساط الليبرالية عندما كتب محمد محمود الاثنين مقالا في جريدة «ايفننغ ستاندارد» ينكر فيه على الحكومة تقاعسها، طيلة أكثر من عام، عن اتخاذ أي إجراء لحماية الجالية المسلمة، وتجاهلها لمعضلة الإسلاموفوبيا رغم تفاقم الاعتداءات اللفظية والبدنية ضد المسلمين والمسلمات. فقد تجاوز عدد الاعتداءات منذ بداية هذا العام 700 اعتداء. وكان المعدل السنوي حوالي 28 اعتداء في الأعوام السابقة على 2011، ولكنه بلغ 68 في 2015. أما العام الماضي فكان معدل الاعتداءات لا يقلّ عن 129 شهريا. كما تلقى أعضاء مجلس العموم المسلمون ومواطنون مسلمون آخرون هذا العام رسائل وطرودا بريدية مشبوهة بمناسبة اليوم الذي رفعت فيه الأوساط العنصرية شعار «عاقب مسلما»، حثّا بذلك للجمهور على العدوان على المسلمين (على الأقل يوما في السنة!). ولكن رغم ذلك، فإن رد فعل الحكومة قد كان، حسب قول إمام مسجد فينسبري، واهنا باهتا، بل إنها بقيت في حالة إنكار لمعضلة الإسلاموفوبيا أصلا.
وقد كان من أغرب غرائب التوقيت السياسي أن أحد أبرز وجوه النخبة السياسية في البلاد قد أتى، بعد يوم فقط من قرع محمد محمود ناقوس الخطر، فتبنّى ما يتندّر به أراذل العامة من التهكمات العنصرية ضد المسلمين. إذ نشر وزير الخارجية السابق بوريس جونسون الثلاثاء مقالا في جريدة «الديلي تلغراف» يشبّه فيه المسلمات اللواتي يرتدين النقاب بـ«صناديق البريد». ولما طلبت منه رئيسة الحكومة ورئيس حزب المحافظين الاعتذار، رفض بكل استخفاف. ولجونسون هذا تاريخ في الجهر بالعبارات العنصرية ضد السود وفي إطلاق الأقوال المسيئة والاستفزازية، ولكنه كان يتراجع كلما قامت الضجة ويعبر عن «الاعتذار بدون تحفظ». أما هذه المرة، فإنه لم ير ضرورة للاعتذار لأنه يعلم أنه لن يصاب بأي ضرر انتخابي من إساءته للأقلية المسلمة. بل على العكس تماما. ومعروف أن جونسون، الذي قال عنه ترامب إنه صديقه، يستعد لخوض غمار المنافسة على زعامة حزب المحافظين، ولا ريب في أن تعمده النيل من المسلمات إنما يندرج في سياق مغازلة الجناح اليميني الذي هو أقوى الأجنحة داخل الحزب. والواضح أنه سيمضي في حملته الانتخابية على النهج الشعبوي الذي اعتمده في حملة الاستفتاء على البركسيت، خصوصا أنه قد قابل قبل أيام مستشار ترامب السابق، المنظر اليميني الديماغوجي ستيف بانون.
بالمقابل، يتعرض حزب العمال منذ أشهر لحملة قوية تشنها عليه الجالية اليهودية بزعم انتشار معاداة السامية في صفوف كثير من أعضائه وناشطيه. حملة شرسة محكمة التنظيم تتولى تضخيمها ليل نهار معظم وسائل الإعلام. لا من منطلق تغطية الأخبار فحسب، بل ومن منطلق التنديد والتشهير لأن معظم الإعلام البريطاني يتبنى موقف الجالية اليهودية بحذافيره دون اتخاذ المسافة النقدية اللازمة. ولأن الجالية اليهودية والمؤسسات المرتبطة بها تشكل قوة ضغط سياسي معتبرة، فإن الضجة المستمرة قد نجحت في حجب الدافع الحقيقي للحملة. إذ ليس الدافع أن الجالية اليهودية لم تعد تشعر بالأمان وأنها تواجه «تهديدا وجوديا» (!) في بريطانيا، مثلما يزعمون، بل إن الحقيقة هي أن ما تنكره الجالية اليهودية على حزب العمال، بقيادة اليساري جريمي كوربن، هو انتقاده لسياسات دولة إسرائيل ضد الفلسطينيين، وعدم موافقته على ما يسمى «التعريف العالمي» (الذي وضعه الاتحاد الدولي لإحياء ذكرى المحرقة) للّاسامية لأن هذا التعريف يعتبر أن أي مقارنة بين جرائم إسرائيل وبين جرائم النازية هي خطاب معاد للسامية، أي خطاب عنصري معاد لليهود!!!
المعنى؟ إنها قصة عنصريّتين: عنصرية اللاسامية جريمة لا تغتفر، أما عنصرية الإسلاموفوبيا فمسألة فيها نظر

٭ كاتب تونسي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*