قصة انتخابين في لبنان والعراق: “حزب الله” لم يقبض على البرلمان والتمرد الشيعي…خارج الصناديق(1)

 


موناليزا فريحة
النهار
17052018

مهرجان لـ”حزب الله”.(أرشيف)

بفارق أيام، نظم  لبنان والعراق انتخابات نيابية اكتسبت أهمية مضافة كونها الاولى في لبنان منذ تسع سنوات شهد خلالها فراغاً دستورياً ومؤسساتياً كبيراً، والاولى في العراق منذ القضاء على “داعش” الذي أنهك البلاد منذ غزوه المفاجئ له عام 2014. وهنا وهناك، استقطب الاقتراع اهتماماً دولياً لما لنتيجة كل منهما من دلالات تتجاوز حدود البلد نفسه الى الفضاء الاقليمي الاوسع.

ومنذ بدء الحملة الانتخابية في لبنان، دأبت مراكز الابحاث الاميركية والاعلام الغربي عموماً على التحذير من “انقلاب سياسي” وشيك يقبض بموجبه “حزب الله” على البرلمان، ليطبق بذلك سيطرته على كامل مفاصل البلاد، على أساس أنه يسيطر على الرئاسة والجيش وسيكون له الثلث المعطل في الحكومة العتيدة. ولم تسكت تلك الاصوات حتى بعد الانتخابات واعلان النتائج. وفي تفاقم التوتر بين واشنطن وطهران، ارتفعت في واشنطن تحديداً أصوات تطالب باعادة النظر في المساعدات الاميركية للبنان، باعتبار أن الاستثمار الاميركي فيه فشل، وأن “حزب الله” صار يسيطر على كل مؤسسات الدولة، وبالتالي صار لايران موطئ قدم أقوى في هذا البلاد.

 ولكن في قراءة هادئة لنتائج انتخابات لبنان وللواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي عكسته، خرج خبراء من “معهد الشرق الاوسط” في واشنطن بااستنتاجات تناقض النظريات السائدة في واشنطن، واستشرفوا شكل الحكومة العتيدة التي ستنبثق من صناديق الاقتراع، واحتمالات تغير السياسة الاميركية في لبنان.

نائب الرئيس للسياسة والابحاث في “معهد الشرق الاوسط” بول سالم ناقض الرواية التي تحدثت عن انقلاب وتغييرات كبيرة في المشهد السياسي في لبنان بعد الانتخابات، معتبراً أن الترتيب القائم على تقاسم السلطة لم يتأثر، ورئيس الوزراء سعد الحريري لا يزال الشخصية السنية الايرز، والرئيس عون لا يزال نافذاً وإن يكن تياره لم يحقق النتيجة التي كان يتمناها. وكما قبل الانتخابات، لا يزال تحالف حزب الله-أمل مهيمناً في الطائفة الشيعية، ويتمتع بغالبية في البرلمان وثلث المقاعد الحكومية.

ما تغير في مجلس النواب الحالي هو عدد المقاعد التي بات يسيطر عليها التحالف الشيعي (حزب الله وأمل 40 مقعداً) مع التيار الوطني الحر الذي زاد حصته الى 29 مقعداً، الامر الذي يرفع الى 69 عدد هؤلاء الى 69 مقعداً.

ومع أن هذه الحصة تكتسب بعض الدلالات، يؤكد سالم أنها لا تغير ترتيب تقاسم السلطة، لافتاً خصوصاً الى أنها لا تشكل غالبية الثلثين الضرورية لانتخاب الرئيس أو لتغيير الدستور أو لتمرير قرار كبير، مستدركاً أيضاً أن هذا الرقم يبقى رهناً بالسياسات.

 التغيير الحقيقي الذي أنتجته هذه الانتخابات عهو تراجع كتلة الحريري من 33 نائباً الى 20 تقريباً. فمع أنه كان معرضاً لخسارة ثمانية بسبب القانون الانتخابي الجديد، يقول سالم إن أداءه كان أسوأ إذ خسر خمسة إضافيين، جزئياً بسبب استياء الشارع السني من زعامته أو تقربه من “حزب الله” أو افتقاره الى دعم من السعودية.

وفي الشارع المسيحي، كانت المفاجأة القوات اللبنانية التي حسنت موقعها وزادت مقاعدها من ثمانية الى 13، الامر الذي يشير الى أن “المسيحيين بدأوا يتحركون، وإن ببطء، ضد عون وبالتالي حزب الله”.

بالمقاييس السابقة، يقول سالم إن تحالف أمل-حزب الله سجل نوعاً من الانتصار على المدى القصير، ولكن التحول في الرأي العام المسيحي قد يثير قلقاً لديه على المدى الطويل، وخصوصاً أن رئيس التيار جبران باسيل لا يتمتع بقوة عون، وسيكون عليه عقد تحالفات مع أحزاب سياسية مناهضة للحزب. وفي مؤشر سيئ للحزب ايضاً، سجل أداء الحريري الذي كان يتعاون معهم، تراجعاً بين السنة.

ومن التداعيات القورية للانتخابات النيابية، استقالة نادرالحريري الذي كان بحسب سالم مقرباً من التيار العوني. وهو يتوقع ابتعاد الحريري من عون و”حزب الله” خلال المشاورات لتأليف الحكومة التي ستشهد تنافساً على المقاعد والحقائب، ولاحقاً مضمون البيان الوزاري.

رئيس الوزراء سعد الحريري.

 وإذا كان سالم دحض النظرية التي حاول الاعالم الغربي تعميمها عن سيطرة “حزب الله” على البرلمان، أكدت مديرة الجلسة الباحثة رندا سليم أن الانتخابات قوضت الرواية السائدة عن تمرد داخل الطائفة الشيعية ضد الحزب بسبب الخسائر البشرية التي تكبدها في سوريا، والضيق المالي الذي يعانيه نتيجة الانتخابات. والدليل أنه حصل على 26 من المقاعد ال27 التي نافس عليها.

ولكن الباحث البارز ومدير برنامج الامن والدفاع في “معهد الشرق الاوسط” بلال صعب لا يستغرب هذا الاداء الانتخابي للحزب، “فقد قام بحملات قوية جداً، والامين العام نفسه كان نشطاً جداً، وأدلى بخطابات عدة لا تتعلق بالمقاومة فحسب، وإنما ايضاً بالفساد والدين العام. برنامجهم الانتخابي كان مفصلاً جداً طاول كل مسائل المتعلقة بادارة الدولة، وهو ما لم يفعلوه منذ 1992 عندما قرروا خوض الانتخابات النيابية. لذا بدوا مرتاحين جداً للنتائج التي حققوها”.

ولكن تحت هذا الاداء الانتخابي القوي جداً، يلفت الباحث الى “تحديات اجتماعية واقتصادية سيضطر الحزب الى مواجهتها نتيجة تراجع قدرته على توفير الخدمات لناخبيه، وخصوصاً في بعلبلك- الهرمل والبقاع”. وهو لم يتوقع أن يعاقب الناخبون الحزب في الصناديق، “فلا بديل شيعياً لله أو لحركة أمل”، ولكن التغير في العلاقة بين الحزب وقاعدته الشعبية سيتخذ اشكالاً أخرى، ” إذ يمكن أن يواصل الشيعة اعطاء اصواتهم لحزب الله، ولكنهم قد يمتنعون عن التضحية بأولادهم لللذهاب الى سوريا مثلاً”. الى ذلك، قد لا تلقى رواية المقاومة الصدى نفسع عند الجيل الجديد هذا العامل سيثير قلقاً للحرب على المدى البعيد.

على مستوى التحديات السياسية، عكست الانتخابات أن التفاهمات السياسية مع التيار الوطني الحر (ورقة التفاهم لعام 2006) ومع تيار المستقبل قبل سنتين تقريباً (انتخاب الرئيس عون)، صارت أضعف، وهو ما عكسته أصوات غالبية الشارعين المسيحي والسني في الانتخابات.

ويقول صعب: “الحريري سيعود على الارجح رئيساً للوزراء وهو لا يزال يتمتع بالكتلة السنية الاكير في البرلمان، ولكن أولئك الذين صوتوا ضده، أو أكثرهم، أظهروا استياءهم من تأقلمه مع الحزب. والامر نفسه للتيار الوطني الحر الذي لم يعد يستطيع الادعاء بأنه يمثل غالبية الشارع المسيحي، ليس لان القوات اللبنانية وسعت حصتها النيابية، وإنما بسبب الطبيعة الجديدة الاكثر تنوعاً للمجتمع المسيحي”، ولا شك في أن الحزب سيكون قلقاً حيال تحالفه مع قياديين (عون والحريري) يواجه تياراهما مشاكل مع قواعدهما بسبب سياساتهما حيال الحزب.

المساعدات الاميركية

وبالتزامن مع الحملة الانتخابية في لبنان، تجددت الدعوات في واشنطن بوجوب وقف المساعدات الاميركية للبنان أو خفضها أو تقييدها، بحجة أن هذا الاستثمار لا يؤتى ثماره، وأن “حزب الله” لا يزال يملك ترسانة من الاسلحة وأنه يهيمن على بيروت ويخترق الجبش اللبناني، اضافة لاى لائحة طويلة من الذرائع.

يقر صعب بأن السياسة الاميركية حيال لبنان ستصير أصعب خلال ولاية ترامب حيث يريد المسؤولون فيها رؤية نتائج سريعة، ولكنه انطلاقاً من تابعته المساعدات الاميركية لبيروت، يؤكد أن “الاستثمار الاميركي في لبنان أعظى أفضل النتائج مقارنة بمناطق أخرى من المنطقة”. فالولايات المتحدة تحاول المساعدة على بناء الدولة. وصحيح أن الدين العام لا يزال الاعلى في العالم و سجل الاصلاحات ليس واعداً، الا أن الجيش “هو القطاع الذي استفاد كثيراً من هذه المساعدة، ويمكن رؤية الفارق بين المؤسسة العسكرية عام 2007 واليوم”.

مساعدات أميركية للبنان.(أرشيف)

ويكتسب هذا التحول في الجيش اللبناني أهمية مضاعفة بالنسبة اليه. “فجيش قوي لا يحمي فحسب لبنان من تهديدات كثيرة، بينها داعش”، وهو ما حصل قبل أشهر، ولكنه يعزز النظرية أنه الحامي الوحيد للبنان، ويقوض نظرية الحزب”.

وبعد الإشادات التي حظي بها الجيش اللبناني أخيراً من القيادة الاميركية المركزية ووزارتي الدفاع الخارجية ، يلفت صعب الى بعض الاصوات في البيت الابيض وبعض مراكز الابحاث التي تدفع نحو وقف المساعدات. ويضيف: “بالتأكيد أوتي الاستثمار الاميركي في لبنان ثماره، ولكن النتائج هي بالتأكيد هشة، ويمكن تقويضها في حال أوقفت أميركا دعمها للبنان أو خفضته أو قيدته بشرط مواجهة الحكومة حزب الله بطريقة عدوانية اكثر”، لافتاً الى أن “الحكومة اللبنانية ليست في وارد القيام بذلك، وعلى الحكومة الاميركية الا تفعل ذلك أصلاً لان ذلك قد يعيد البلاد الى طريق الحرب”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*