قصة انتخابين في لبنان والعراق: السبهان غرّد وايران تحركت (2)

موناليزا فيحة
النهار
18052018


الزعيم الشيعي العراقي مقتدي الصدر يدلي بصوته.(أف ب)

لم تكد النتائج الأولية للانتخابات النيابية التي اجريت في العراق يوم السبت الماضي تصدر، حتى طار قائد “فيلق القدس” الجنرال قاسم سليماني الى بغداد والتقى أحزاباً شيعية في محاولة على الارجح لتقييد نفوذ الزعيم الشيعي مقتدى الصدر الذي حل أولاً في الانتخابات، وبدأ يرسل اشارات عن حلفائه المحتملين. وبدوره، بدأ المبعوث الأميركي إلى التحالف الدولي في العراق بريت ماكغورك، جولة عراقية، خصوصا في كردستان، للبحث في موضوع التحالفات. وفي المقابل، بدت السعودية أكثر ارتياحاً لنتائج الانتخابات، إذ بارك وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج ثامر السبهان للعراقيين في تغريدة، قائلاً: “فعلا انتم سائرون بحكمة ووطنيه وتضامن واتخذتم القرار للتغيير نحو عراق يرفع بيارق النصر باستقلاليته و عروبته وهويته”.

 تؤذن هذه الحركة بمرحلة جديدة معقدة في العراق تسبق الدخان الابيض لاعلان حكومة جديدة، وخصوصاً أن النظام السياسي بعد صدام حسين، اتخذ شكلا معقداً يفرض قيام تحالفات برلمانية، لمنع عودة الديكتاتورية والتفرد بالحكم.

 فعلى رغم امساك الزعيم الشيعي مقتدى الصدر الذي حل تحالفه مع الشيوعيين والعلمانيين أولاً في الانتخابات النيابية، بخيوط اللعبة السياسية في البلاد، ليس مؤكدا أن الزعيم الشعبوي سيكون قادرا على حكم البلاد.

وفي الندوة التي نظمها “معهد الشرق الاوسط” في واشنطن سجل عباس كاظم الباحث البارز في “معهد السياسة الخارجية” سلسلة مفارقات على هامش الانتخابات، منها:

– خلافاً لكل التوقعات بتقدم العبادي نظراً الى ادائه في محاربة “داعش”، حل مقتدى الصدر أول، وذلك بفضل الولاء الكبير لقاعدته الشعبية التي لم تخذله على رغم تحالفه مع شيوعيين وعلمانيين وليبراليين وبعض السنة غير المحبوبين بين الشيعة، وهو ما مكنه من الحصول على مقاعد اضافية.

– أن أداء رئيس الوزراء حيدر العبادي لم يكن جيداً في بغداد حيث حل خامساً، الا أنه سجل حدثاً تاريخياً إذ صار رئيس الوزراء الشيعي الاول يفوز بمحافظة سنية، وهي الموصل، ثانية كبرى المدن العراقية، كما حقق أداء جيداً في الانبار السنية، وهو ما يثير أملاً في أن تتجاوز البلاد الانقسامات الطائفية.

-نسبة مشاركة متدنية قياسية (نحو 44,5 %)، في مقابل 60 و70 في المئة في الانتخابات السابقة، لان الناخبين لم يشعروا على الأرجح بضرورة معاقبة أو مكافأة أحد.

ومنذ وضع الدستور الجديد للعراق، أعقبت كل انتخابات نيابية دخول الكتل الفائزة في مفاوضات طويلة لتشكيل حكومة غالبية، وليس بعيدا أن تخسر الكتلة الأولى الفائزة في الانتخابات التشريعية قدرتها على تشكيل حكومة، بفعل تحالفات بين الكتل انيابية.

لذا، يمكن قانونا ودستوريا بالشكل النظري استبعاد “سائرون” من التشكيلة الحكومية، على غرار ما حصل عام 2010، بتشكيل تحالف برلماني يجمع العدد الأكبر من المقاعد البرلمانية، ويسمي رئيس مجلس الوزراء. ومع ذلك بدأ الصدر يتصرف على أنه صاحب الكلمة الاخيرة في تأليف الحكومة.

وفي تغريدة له، كتب الثلثاء: “إننا سائرون وحكمة ووطنية لتكون اردة الشعب مطلبنا ونبني جيلاً جديداً، ولنشهد تغييراً نحو الاصلاح وليكون القرار عراقياً فترفع بيارق النصر ولتكون بغداد هويتنا وليكون حراكنا الديمقراطي نحو تأسيس حكومة أبوية من كوادر تكنوقراط لا تحزب فيها”.

وتضمنت تغريدته تلك رسائل واضحة لجهة شمولها كلمات هي في الواقع أسماء تحالفات (سائرون، حكمة، النصر،وطنية، الديموقراطي…) يمكن أن يتعاون معها.

ومن هذا المنطلق، يورد مدير برنامج العراق في الشركة الاستشارية “غرايفون بارتنرز” عمر النداوي سيناريوات محتملة لشكل الحكومة العتيدة، معتبراً أن الصيغة الاولى تشمل تحالفات “سائرون” بزعامته و”النصر” بزعامة العبادي و”الحكمة” بزعامة عمار الحكيم و”الوطنية” بزعامة رئيس الوزراء السابق اياد علاوي، والحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني ، مشيراً الى ان هذه التركيبة يمكن أن تنجح أو لا الا أنها قادرة على توفير أصوات كافية للاقتراع على الثقة في مجلس النواب.

قوات من الحرس الثوري الايراني في عرض عسكري .(أب)

ومع ذلك، يشير الى أن الطريق لن يكون سالكاً، وستكون هناك مقاومة من تحالف “الفتح” بزعامة هادي العامري ورئيس الوزراء السابق نوري المالكي اللذين سيحاولات ترجمة صناديق الاقتراع الى حصة كبيرة في الحكومة أو تأليف حكومة ائتلافية. وسيحصل هذان الزعيمان على دعم من ايران التي ستسعى ولا شك الى وضع عراقيل أمام أي ائتلاف لا يكون مؤيداً لها.

 ويرهن الباحث قدرة الصدرعلى تشكيل هذا الائتلاف أيضاً بمقاربته للأحزاب. فهو يريد حكومة تكنوقراط وغير حزبية، و”هو أمر رائع على الورق وللعراق. ولكنه قد يدفع الاحزاب الى التردد والذهاب في اتجاه يضمن لها مكاسب أكبر، الامر الذي قد يعطي زخماً لتحالف العامري والمالكي”. ويضيف النداوي عاملاً آخر قد يخدم التحالف المناهض للصدر وهو عدم تماسك حزب الدعوة الذي لم يستطع الترشح في لائحة موحدة. فاذا شكل العبادي تحالفاً مع الصدر، قد ينهار الحزب الذي يعتبر الاكثر تنظيما في التاريخ الحديث للعراق.

وفي ظل تعدد الجهات النافذة في العراق، لا يستبعد الباحث احتمالاً ثالثاً يتمثل في ائتلاف حكومي يضم الاحزاب كلها، أو حتى انشقاق العامري عن تحالف “النصر” وسعيه الى التحالف مع أحزاب أخرى.

على صعيد الاكراد، بدا الحزبان الرئيسيان، وهما “الحزب الديموقراطي الكردستاني” و”الاتحاد الوطني الكردستاني” راضيين عن النتائج التي حققاها في الانتخابات التي شكلت لهما فرصة لالتقاط الانفاس بعد التوترات الاخيرة، و لاعادة دمج اقتصادهم مع بغداد.

ولكن أكراد العراق الذين كانوا يعتبرون صانعي الملوك في بغداد، فقدوا الكثير من تأثيرهم منذ سنوات.

فعام 2005، كانت الاحزاب الكردية كانت أكثر تنظيماً، و تستأثر ب 28 % من مقاعد البرلمان، ولكن في العمليتين الاخيرتين تراجعت هذه النسبة الى 17 % و 19 %. الى ذلك، تغيرت السياسة العراقية وتراجع نفوذ الاكراد، ومع توتر العلاقة مع بغداد على خلفية كركوك والنفط والموازنة والاقتصاد، وبدأ الاكراد يستثمرون استعداداً للاستفتاء على الاستقلال. لذا تراجع نفوذهم في بغداد ولم يعودوا صناع الملوك.

ويبدو أن الوضع ساء أكثر هذه المرة. ويلفت الباحث في “معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى” بلال وهاب  الى أن الاحزاب الكردية ترشحت بلوائح مشرذمة هذه المرة. وفي السليمانية حصلت اتهامات للحزبين الكبيرين بالتزوير، ووجهت أصابع اتهام الى ايران بالتدخل لمصلحة “الاتحاد الوطني الكردستاني”.

وفيما طوت بغداد صفحة الانتخابات وبدأ الحديث عن تأليف الحكومة لا يزال السجال في كردستان ينحصر بمن فاز ومن خسر. وحذر وهاب من أنه إذا لم يعد الاكراد ترتيب بيتهم الداخلي سريعاً، قد يخسرون مزيداً من المقاعد والنفوذ في بغداد، وربما ايضاً القدرة على اختيار رئيس.

 @monalisaf

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*