في وداع رومي شنايدر

 

نائل بلعاوي
Sep 29, 2018
القدس العربي

كيف تهشمت واحدة من عيار رومي شنايدر (23/ 9/ 1938 في فيينا ـــ 29/5/ 1982 في باريس)، وكيف ذوت على ذلك النحو التراجيدي الفاجع وغير المنتظر، ولماذا؟
كيف ولماذا، تلك أسئلة شائكة لم تغادر منذ رحيل شنايدر المبكر مطارحها الأولى، ولم تستنفد حتى اللحظة جاذبيتها وطاقتها على الحفر عميقا في الوعي واللاوعي الجمعيين لسكان كوكبنا، فسؤال شنايدر الشقي، هو سؤالنا البشري الأثير والأزلي، ولعله السؤال المركزي في حكاية هذا الوجود برمته.. سؤال الولادة والموت وما بينهما من وقائع، تُفرح مرة وتؤلم مرات.
رومي شنايدر هي هذا السؤال المكثف والكثيف، هي اختصاره الجمالي الفذ، وهي الدلالة على أن الوردة قد تذبل قبل أوانها، عمرها الافتراضي، وقد تصير غبارا.. تصير شاهدة وفكرة.
لأبوين يعملان في التمثيل ويتمتعان بشهرة واسعة في المنطقة الألمانية، ماجدة شنايدر وفولف الباخ ريتي، ولدت رومي، وقبل أن تتم عامها الخامس عشر وقفت للمرة الأولى أمام الكاميرا في دور لافت إلى جانب أمها، سوف تتبعه وقفات لافتة في أفلام قليلة أخرى، إلى حين ظهورها عام 1955، ثم 56 و57 على التوالي، في الثلاثية السينمائية الشهيرة «سيسي» مجسدة ببراعة لشخصية الإمبراطورة النمساوية القريبة من قلوب الناس، اليزابيث أويغن (1837/1898)، الشهيرة بسيسي، وهي الشخصية التي ستصبح، حسب قولها، سجينتها عند الجمهور وستعمل بجهد على التخلص من قيودها: «أنا رومي ولست سيسي». وهو الأمر إلذي سيحملها في عام 1958، إلى جانب العديد من الأسباب الأخرى، على اختيار باريس مكانا ثانيا لإقامتها وعملها، وسيحولها بالتالي إلى واحدة من أكثر ممثلات ذلك العصر شهرة وجاذبية.
لم تعد رومي في باريس رديفة حتمية لسيسي، الأميرة المدللة والمشتهاة، بل صارت رومي شنايدر الممثلة الشابة والبارعة، والمشتهاة في كل الأحوال، والقادرة على أداء أكثر الأدوار صعوبة وتعقيدا، تحت إدارة كبار المخرجين وأمام ثلة لا تعد من الممثلين المعروفين، وكان ألن ديلون من بينهم بالطبع، وهو عشيقها الفرنسي الأول والأهم.
رومي شنايدر في باريس هي ممثلة من الصف الأول، ناجحة كونيا، مطلوبة ومرغوبة، تعيش في رخاء، تحضر المهرجانات هنا وهناك وتنال الكثير من جوائزها.. هي نجمة عالمية، حسب التعبير الساذج والمنتشر. ولكن، وعلى الضفة المقابلة لتلك السيرة اللامعة، كانت سيرة أخرى تشتعل وتفرض شروطها القاسية واللعينة: طلاق الأبوين، ماجده وفولف، ثم وفاة الأب بعد ذلك بوقت قصير، وارتباط الأم برجل الأعمال الألماني هانز بلاتسهايم، الذي سيصبح مديرا لأعمالها الفنية والمالية والوصي على حياتها، إنه «الأب الثاني كما كان يزعم ويظهر»، ولكنه: «المستبد والجشع الذي حاول الاعتداء جنسيا عليّ، وأكثر من مرة» حسب وصف شنايدر له في مقابلة مسجلة مع الصحافية الألمانية أليس شفارتس عام 1976.
وهي مقابلة مهمة تكشف شنايدر عبرها عن ذاتها كما لم تفعل من قبل.. تحكي.. تصرخ.. تشتم وتمدح وتعرب عن ثقتها الأكيدة بأن والدتها قد ارتبطت بعلاقة جنسية مع أدولف هتلر: «كنا نسكن بيتا قريبا من قصره في ميونيخ، وكانت أمي تتردد بكثرة عليه.. كانت تحبه، لقد كانت نازية مثل أبي.. آه أشعر بالعار لأنني ابنة لوالدين نازيين». وتشعر بالحزن لأن العلاقة بألين ديلون قد انتهت، وتعترف بأنها أقدمت على محاولة انتحار إثر تلك النهاية: «أنا الآن مجرد امرأة كئيبة لا تريد أن تكون سوى نفسها وبلا رتوش».
كان ذلك عام 76 أمام صديقتها الصحافية شفارتس، ولكن الأحداث سوف تتسارع أكثر في حياة السيدة الفاتنة والمهشمة: طلاق شائك من زوجها الأول ووالد ابنها الوحيد انذاك دافيد، المخرج والممثل الألماني هاري ماين، ثم في عام 1979، انتحار الطليق الذي لم يحتمل فراق ابنه وزوجته شنقا في هامبورغ وإحساس رومي بالذنب وتأنيب الضمير، «كان عليّ أن أكون إلى جانبه أكثر» وعثور الأطباء على ورم في كليتها اليمنى يؤدي إلى استئصالها. ثم: زواج ثان من سكرتيرها الشخصي يقود إلى ولادة ابنتها ساره يابازيني، سوف ينتهي هو الآخر بالطلاق. يليه زواج ثالث وأخير من عشيق فرنسي وجدت بصحبته فرصا هائلة للعيش بهدوء وسكينة بعيدا عن باريس وأضواء وسائل الإعلام، وهناك، في البيت الريفي البعيد عن العاصمة، حيث يعيشان سوف تقع المأساة الأشد ألما ومرارة في حياة شنايدر: وفاة ابنها دافيد، صيف عام 1981، إثر وقوعه من على سور حديقة المنزل، وكانت شنايدر، استطرادا، قد اكتشفت قبل ذلك بقليل بأنها سيدة مفلسة: «بعد ثلاثة عقود من العمل السينمائي الناجح، انا الآن محض زوجة أربعينية مفلسة».
برحيل ابنها دافيد تكون مأساة رومي شنايدر قد اكتملت فعلا، وتكون أسباب الكآبة إلتي مزقتها قد صعدت إلى السماء، فاتحة بذلك الباب على وسعه أمام إدمانها على الكحول والأدوية، بل فاتحة الباب أوسع أمام مخالب الموت التي ستنال منــــها ليلة التاسع والعشرين من مايو/ ايار 1982، في بيتها الريفي ذاك، بعد أقل من عام واحد على وفاة دافيد.
هي سيرة مدوية تلك التي عبرتها أعلاه باختصار، سيرة وردة تذبل قبل أوانها وتصير شاهدة وفكرة.. شاهدة على عمق السؤال الوجودي الفج والمرير: لماذا وكيف يتمكن القبيح من الجميل ويفتك على الدوام به! وتصير فكرة شقية وشيقة عن هشاشة الكائنات، الأجمل من بينها عادة!
رومي شنايدر هي الشاهدة البديعة على فداحة الأسئلة الكثيرة التي تبقى بلا أجوبة، هي الفكرة.

٭ كاتب فلسطيني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*