بعض الذّاكرة : نموذج قديم جديد


هنا لبنان
08012018

كان القدامى يروون  حكاية مجنون يحمل قصبة ويطوف أحياء
البلدة في كل يوم مناديا بأعلى صوته  : ”  رجالكم . . نسوانكم. أولادكم. دجاجكم – عالبحور ! عالبحور “

…..ومنذ منتصف القرن التاسع عشر وأهلي وأهلك وأهلنا يُبحرون.

قال لهم “العثمنلي”  “بلِّطوا البحر”  هكذا أنا وهكذا أحكم رعاياي ورعاعي  وهكذا سأستمر… ولم يكن يصدّق عينيه  ولا آذان مخبريه  إذ  أنّهم  بلّطوه ، فاضطرّ أن يضيّق عليهم حتى في الحصول  “على البزابورت”.

ذهبوا بعيدا في كل شيء، والى كل مكان.

مهاجرونا الأولين كان لا عهد لهم بالحرف ولا يعرفون إذا كانت الأرض مستديرة  أو مسطحة، وأين تقع منها البلاد التي إليها يقصدون ومن هم سكانها وكيف يعيشون واي اللغات يتكلمون والأديان التي بها يدينون….. فقد كان أكثرهم من الذين لا يعرفون باخرة او قطاراً من قريب .نبتوا وتأصلوا في الجبال وقل منهم من زار مرّة بيروت  أو غيرها من المدن الساحلية  . أما المكسيك  وكولومبيا وبوليفيا والبرازيل  والأرجنتين واوستراليا  فكانوا يسترشدون  غيرهم في اختيارها  وفي النهاية يختارون بلدا سبقهم اليه بعض أنسبائهم  أو قيل لهم أن الإرتزاق فيه أسرع وأيسر مما في سواه. وكثيرا ما كان النّاولون *  يفرض عليهم إختيارهم بالنسبة  الى ارتفاعه هنا وانخفاضه هناك  فأكثرهم كان يستدين الناولون برهن أملاكهم  لأحد المرابين. لذلك كان همّهم الأكبر أن يوفوا دينهم من المال الذي يكسبونه في بدء هجرتهم * . وإن صادفت أمُ أماً على عين ماء  وسألتها عن أحوال ابنها أجابت “الحمد لله ردّ النّاولون” وبعدها لا مجال للسؤال فالمنازل والحارات التي ترتفع والأراضي التي تُشرى كفيلة بالجواب.

في هذا الصيف استضفت في المتين ابنة  أحد أخوالي  وهي في العقد السادس من العمر. علّمها خالي الخيّاط  الطب في سبعينيات القرن العشرين. ليست المرّة الأولى التي تأتي الى لبنان ولكنها ولأول مرّة ترسل اليّ الصّور المنشورة أدناه.

أنشرها لآنها تتخطى الخاص الى العام.  أفراد ذهبوا وصاروا عائلات . سافروا من بلدتي  قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها . كانوا الفا ، هاجروا بين  1877 و1921.  سبعماية ابحروا باتجاه الأرجنتين والباقون توزّعوا. أما الذين أعادوا الكرّة ” فبلطوا البحر” من جديد بعد عام 1975 يُعدّون بالآلاف . وهؤلاء لم يعدّهم عدّاد وكأن  بين بلدتي  والأعداد عداوة دهرية.

أنشر الصّور علّ الأنسباء يأخذهم التحنان والأصدقاء يتشبهون فيلملمون أجزاءاً من ماضيهم كما ألمْلِم . فالذاكرة تعالج ذاتها و كالمحبّة تجعلنا  كالثلج أنقياء.

والذاكرة لا تخون إن تجدّدت في آخرين بل تعلّم وتشدّ الأواصر لا سيما الوطنية منها فالماضي شجن والماضي تهيّؤ وتهيّب واستعداد  لمستقبل وطني جامع .

منذ دهور ونحن  في لبنان نسحق الماضي ،نستره نخنقه نظنه عيبا آه  لو يُمحى!  لهذا لم نكتب  تاريخا  يحرّرنا بل غرقنا في متاهات تواريخنا .
مجازفين بالوطن الذي كدنا نخسره مرّة بعد مرّة.

هل نشر صور كهذه غرق في متاهات تواريخنا ؟ قطعا لا.  إنها نماذج من  تاريخ  الناس  في حلهم وترحالهم في هجراتهم وجوعهم وعذابات الأزمات. إنه تاريخ مهنهم وحرفهم تاريخ أفراحهم وأتراحهم وأمراضهم وانتصاراتهم واخفاقاتهم ….. التاريخ تاريخ الناس قبل الحكام فتاريخ الناس يوحّد أما تاريخ الحكام…فقلّما يُذكر بالخير.

الناولون هو تكلفة الرحلة  *
. 140-149 ميخائيل نعيمة : سبعون، مطبعة نوفل، بيروت 2008،ط9 ، ج1،ص *


الصّور لعائلة  صرّوف في الأرجنتين

داود صرّوف  وزوجته . هاجر داود عام  1923  وهو من مواليد  1904
تزوّج في بداية الأربعينيات من لبنانية من ساحل كسروان. هاجر أهلها الى الأرجنتين .


نظيرة صرّوف أبو سليمان  (شقيقة داود )  زوجها جرجس شاهين يونان ابو سليمان من المتين .سكنوا مندوسا حيث عمل جرجس في زراعة الكرمة وصناعة الخمر

أولاد فؤاد  صرّوف شقيق داود وشريكه . من اليمين ماريا نيلّي ، فؤاد، ليليان، رامون . وماريا نيلّي هي التي  زارتنا هذا الصيف.
.والدهم فؤاد هاجر في منتصف اربعينيات القرن العشرين


المؤسسة التي أنشأها الأخوان صرّوف في خاتشال – سان خوان .

.   الخالة ماري وهي شقيقة داود وفؤاد . متزوجة من يوسف الياس بطرس  سلامة من المتين .غادرت وعائلتها  لبنان في نهاية الأربعينيات

عائلة الخالة ماري قبل وفاتها منذ  سنوات قليلة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*