في متحف سرسق: أرشيف ريشار شاهين ينبضُ بذاكرة لبنان وما أروعها!

روزيت فاضل
النهار
18072018

واجهة متحف سرسق.

أبحر ريشار عبد الله شاهين في عالم شغله أعواماً مديدة، عالم تذوق التحف القديمة والأثاث، وكوّن في منتصف الحرب الأهلية المجنونة في لبنان أرشيفاً عن الفنانين اللبنانيين من القرن الثامن عشر الى يومنا هذا.

من منا لم يسمع بغاليري شاهين؟ كانت هي المضاد الحي للغة العنف، او حتى لأبجدية الحرب. سر نجاح شاهين بسيط جداً، ايمانه بنفسه وحبه للفن، والذي شكل في العام 1960 الصالة الوحيدة الجامعة للبنانيين بكل أضدادهم في شارع مدام خوري في فردان، وليكمل فصول الحكاية في صالة الفنون، العام 1970، في منطقة سرسق في الأشرفية.

ملصقات ” غاليري شاهين” وصور لإعلانات معارض فنية.

هذه المعلومات لخصت بداياته في كتيب أصدره متحف سرسق بعدما وهبه شاهين أرشيفه، الذي جرى تحويله الى صيغة رقمية ويتوافر للباحثين والجامعيين في مكتبة المتحف، قالت مسؤولة الأرشيف والمكتبة في المتحف روينا بو حرب.

الرئيس الأسبق كميل شمعون و”صاحب غاليري شاهين” كميل شمعون في زيارة لأحد معارض الغاليري في فندق الكسندر.

قرن من الفن 

قبل الحديث مع شاهين في منزله في الأشرفية، علمنا من بو حرب ان “الأرشيف يتضمن صوراً ونماذج للوحات وصوراً فوتوغرافية وقصاصات صحافية باللغتين الفرنسية والعربية عن معارض فنية في غاليري شاهين وما أكثرها”!

رسم خليل بك سرسق لداود القرم.

وأثنت على “الجهد الجبار لتوثيق العدد الكامل من الفنانين التشكيليين اللبنانيين”، مشيرة الى “توفير المعلومات والصور والمستندات لمسيرة الفنون التشكيلية في لبنان”، والتي صدرت عن غاليري شاهين وبتوقيع ريشار شاهين في سلسلة موسوعته “مئة عام من الفن التشكيلي في لبنان من العام 1880 إلى العام 1980”.

لوحة “فلاح لبناني” لخليل الصليبي.

ماذا في هذه الموسوعة؟ أجابت: “هي ذاكرة علمية موثقة بفنانيين تشكيليين من لبنان امثال داود القرم في رسم خليل بك سرسق ينبض بأعظم إحساس او لوحة بريشة حبيب سرور فيها رسم “رجل عجوز” وهو دليل قاطع لرسام واثق بنزعته الكلاسيكية”. اللافت أن هذه الموسوعة تنصف هؤلاء المبدعين امثال ممثل الحركة الرومنطيقية في الرسم خليل الصليبي بلوحته الرائعة التي جسد فيها الـ “فلاح اللبناني”، وصولاً الى أسماء خالدة كرفيق شرف وبول غيراغوسيان وإيفيت أشقر ،وأسادور ، بلانش عمون، قيصر الجميل واللائحة تطول…”.

لوحة”رسم شخصي” لقيصر الجميل

الأركيولوجيا

وانتقلت الى الشق الأثري حيث أعد كتباً تؤرخ “مسيرة الفن والثقافة في لبنان ومن بينها “لبنان والأعمال الفنية للأرض المقدسة: مصر، فلسطين، الأردن 1796-1864″، و”مستشرقو لبنان”، و”أرمينيا والفن”، و”صور من التراث” وسواها”. كما خص أيضاً عند تناوله الإرث الثقافي في كل زاوية من المنصة الشرقية فصولاً خاصة عن الألحان الرائجة في تلك الفترة وتطورها وصولاً الى تسليط الضوء على الموسيقى، اللغة، اللباس والفنانين”. ولم تتردد في اعتبار أن “شاهين تحول في جهده الاستثنائي الى ذاكرة حية للفن التشكيلي في لبنان من خلال أسفاره الطويلة، التي حمل فيها خلال الحرب الأهلية في لبنان لوحات الفنانين التشكيليين اللبنانيين الى العالم كله، ليعكس الصورة الحقيقية لبلده”.

البيت اللبناني بريشة اولغا تيمانسكي.

تراث الإنسانية

وتوقفت عند توافر نسخة رقمية في المكتبة لمسيرة شاهين “الذي نظم في حياته أكثر من 400 معرض فني لفنانين لبنانيين، ووثق عبر مجموعة من أقراص “دي في دي” بعنوان “الشرق تراث الإنسانية” 48 ألف معلم أثري وجغرافي وتاريخي وديني من القوقاز وصولاً إلى المغرب”، لافتةً الى أن “شاهين خص في إصداراته التفاتة خاصة للبنان من خلال إصداره أقراص الـ “دي في دي “عن وطنه الأم وفيها وثائق وصور وأعمال تشكيلية ورسومات تحكي عن غنى لبنان الأثري والفني والجغرافي”.

لوحة “حركة” بريشة إيفيت الأشقر.

لمعرفة تفاصيل أكثر عن مسيرته، زارت “النهار” الباحث اللبناني ريشار شاهين في منزله في الأشرفية. هذا الرجل من الرعيل العريق المثقف، كل ركن في بيته يعكس ذوقه المرهف جداً في اختيار الأثاث، الكرسي الخشبي البني اللون مع طاولة من النوع ذاته تزينها لوحة بريشة لبنانية لطوروسيان ولوحة أخرى بتوقيع حبيب سرور. كل قطعة في هذا المنزل لها حكاية كصاحب هذه الدار…

لوحة “المرأة والحصان” لهرير.

من الموسيقى إلى التحف  

لم يستمر شاهين في عمله مع العائلة في عالم الموسيقى، الذي أسسه والده عبد الله شاهين. “اختبرت مهنة والدي عندما تسلمت زمام الأمور في بغداد. تركت لبنان وتوجهت الى بغداد، كان المتجر مرجعاً في العاصمة هناك، كنا مرجعاً لجودة استثنائية في الموسيقى وتسجيل أغاني الزمن الجميل” يقول شاهين. ويلفت الى ان القدر شاء أن “يهتم شخصياً في تنظيم استقبال للراحل الكبير وديع الصافي الى بغداد، حيث خصه بحفاوة مميزة من المطار وصولاً الى مكان اقامته”. في مشواره القصير مع مهنة العائلة، تعرف من كثب على السيدة فيروز، وكانت له محطة مميزة مع الراحلة الكبيرة صباح خلال زيارته القاهرة، والتي أصرّت على أن يتعرف شخصياً إلى الراحل الكبير فريد الأطرش في غداء جمعهم في بيت الأطرش في القاهرة”. لكن شاهين قرر السير وراء حلم آخر، حلم بيع الأثاث القديم والتحف، وعمل وحده في هذا العالم الجديد على عائلة شاهين، وحرص على المشاركة في تأسيس الجمعية اللبنانية لتجار التحف”.

في متحف سرسق

لوحة “انطلاق” لبلانش لوهياك عمون.

جمع شاهين عمله بين التحف واكتشاف الفنانين التشكيليين وتنظيم معارض فنية لهم في الغاليري، “اول العارضين في الغاليري الرسام هرير، ومن اول زوار معارضه الرئيس كميل شمعون، الذي كان يهوى بشغف كبير أعمال حبيب سرور، ويزور دوماً معارض غاليري شاهين دون كلل”. قال: “في العام 1982، قررت ان اعرض رسوماً لفنانين كبار في أوتيل ألكسندر في الأشرفية، كان الرئيس شمعون يزور المعارض باستمرار كمتذوق مرهف للرسم والفن عموماً”.  ويتابع “توسعنا في نشر الفن وعالم التحف القديمة في زمن الحرب لأن رسالة لبنان الحقيقية ترتكز على الفنون بأشكالها، حاولنا أن نعرّف العالم إلى مجموعة كبيرة من الفنانين التشكيليين في معارض محلية خارج العاصمة بيروت وصولاً الى جولة متفاوتة بين العواصم الأوروبية وصولاً الى البرازيل”.

أكب على توثيق هذه المجموعة أي مجموعة الفنانين التشكيليين والنحاتين اللبنانيين في إصدار تضمن في مقدمته شعراً لناديا تويني “لبنان: عشرون قصيدة من اجل الحب”. وعندما تسأله عن اللائحة يجيب قائلاً: “هي تطول طبعاً. داود القرم، ايفيت أشقر، محمود زيباوي، فيليب موراني وجبران خليل جبران …”. وأنهى حديثه مع  “النهار” قائلاً إن “ارشيفه الكامل بات اليوم في مكتبة متحف سرسق، بناء على طلب حافظ المتحف لطف الله ملكي، رحمه الله، وهو اليوم متوافر بنسخة رقمية للجيل الناشئ والباحثين”.

لوحة “الفارس” لجوزف الحلو.

ملامح وأشكال  

 قبل وداعنا على أمل اللقاء مجدداً، تصفحنا معاً على قرص “سي دي” بروفيل الفنانين التشكيليين والنحاتين التشكيليين ومنحوتات ورسومات بعض منهم. من لوحة “الأم والولد” لرشيد سمعان (1926)، “الذي اشتهر بإبراز معالم الجسد الإنساني كالحركات التعبيرية”، الى عزت مزهر (1947) لوحة تحمل “لقاء”، وفي اعماله يراقب مزهر “ويتأمل منصرفاً الى التبسيط والالماع في الملامح والأشكال، معتمدا في كل ذلك منهجاً واقعياً حديثاً ورؤيا معاصرة”، وصولاً الى محمد الحفار لوحة ” الإرادة” إذ “المرأة هاجسه غير انه يلطف من حدة الاثارة الجنسية الكامنة في عارياته بالتجريدية”.

. هندسة” الفرد بصبوص”

من أعمال المبدعين أنطوان برباري في لوحة “التصوير الالي” الى توفيق عبد العال في لوحة “القروية” وصولاً الى نعيم ضومط بريشة تحكي “امرأة قاعدة”، فعمل زافن هديشيان عن نصب النهضة الأرمنية الى لوحة تناولت “منحوتة شرقية” لناظم إيراني وصولاً الى النحاتين العمالقة ميشال والفرد ويوسف بصبوص…في اللائحة، التي تلاها شاهين فنان مبدع هو عارف الريس أحد أعمدة الفن المعاصر في لبنان بلوحة عن “أعمدة النور” وصولاً الى النحاتة العالمية سلوى روضة شقير.

منحوتة “قصيدة” لسلوى روضة شقير.

بسعادة كبيرة، يروي شاهين فصولاً من مجموعة مبدعين تشكيليين منهم ماري تريز عمون “فنانة متوقدة العين والذهن” عن لوحة “سيمفونية باللون الأحمر”، وصولاً الى اعمال يوسف حويك فمريم غالي “خلاقة أشكال تجريدية” بلوحة “نغم” وعاصم ستيتية يقدم نوعاً من الكاليغرافيا بلوحة “بيزنطيا” وصولاً الى هرير في لوحة بعنوان “المرأة والحصان”…

منحوتة “الارادة” لمحمد الحفار.

 Rosette.fadel@annahar.com.lb    

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*