في قلبِ كلّ شتاءٍ ربيعٌ يختلجُ…


جلبير الأشقر
Jan 10, 2018

إيران، المغرب، تونس، السودان: شهدت بداية هذا العام حتى الآن انتفاضة شعبية في إيران عمّت البلاد، وتظاهرات احتجاجية حاشدة في شمال المغرب بعد حراك الريف الذي لا يزال جمره متقداً إثر سنة حافلة بالنضالات الجماهيرية، وتظاهرات احتجاجية في شتى مناطق تونس ومنها سيدي بوزيد، المدينة التي انطلقت منها في أواخر عام 2010 الشرارة التي أشعلت برميل البارود العربي، وتظاهرات احتجاجية في شتى مناطق السودان، مع وقوع ضحايا من جرّاء القمع في كافة البلدان المذكورة… إنها إرهاصات فصل جديد من ثورة شعوب المنطقة على الاستغلال والاضطهاد، تتكاثر وكأنها براعم ربيع جديد بعد الشتاء القارس الذي انهال علينا في السنوات الخمس الماضية، وهي تذكّرنا بقول جبران الجميل في إحدى رسائله إلى مي زيادة: «ولكن في قلب كل شتاء ربيعٌ يختلج، ووراء نقاب كل ليل صباحٌ يبتسم. وها قد تحوّل قنوطي إلى شكلٍ من الأمل».
ومع أن إيران لم تساهم في ما أسمي «الربيع العربي»، ومع أن نظامها فريدٌ من نوعه يقوم على طغيان مؤسسة أيديولوجية هي المؤسسة الدينية وذراعاها المسلحان، الحرس الثوري والجيش، فإن جارتنا تشارك بلدان منطقتنا العربية في السمات الاقتصادية التي أدّت إلى الانتفاضة العربية الكبرى في عام 2011. هذه السمات هي البطالة المستشرية، ولا سيما بطالة الشباب، وارتفاع الأسعار الذي يؤدي إلى إفقار الكادحين، وتعمّق الهوّة بين الأغنياء والفقراء ومتواضعي الحال، كل ذلك على خلفية الاستبداد. أما الفارق بين الحالة الإيرانية والحالة العربية فهو أن انخفاض معدلات النمو الاقتصادي في إيران ليس مزمناً يمتد على ما يناهز نصف قرن، كما هو في المنطقة العربية، بل تعاني إيران من معدلات نمو سنوي للناتج المحلي الإجمالي شديدة التذبذب من جرّاء سياسات النظام وعواقبها، وقد تأثرت بشدة بالعقوبات التي فُرضت عليها بين عامي 2006 و2015. وبعد أن ارتفع المعدل لوهلة وبصورة طبيعية إثر رفع العقوبات، عاد إلى الارتفاع على خلفية التوتّر المجدد بين طهران وواشنطن.
والمهم أن الحصيلة مشابهة لما تعاني منه الشعوب العربية، وقد أدّت إلى التحاق إيران بالموجة الثورية طويلة الأمد التي تخضّ المنطقة، بالرغم من كون النظام الإيراني أصلب من معظم الأنظمة العربية بسبب جهازه الأيديولوجي الذي يستخدم العائدات النفطية في ضمان ولاء قاعدة شعبية هامة. ذلك أن ثمة قاسما مشتركا أكيدا بين النظام الإيراني وأنظمة المغرب وتونس والسودان، وهو القاسم المشترك القائم بين النظام العربي القديم ومنافسيه باسم الدين، كما بيّنت تجارب حكم الإخوان المسلمين في مصر وحكم حركة «النهضة» في تونس، ناهيكم من حكومة حزب العدالة والتنمية في المغرب. أما حكم السودان فهو الحكم العربي الوحيد الذي يشارك فيه الإخوان المسلمون منذ أمد طويل.
وهذا القاسم المشترك بين أنظمة الاستغلال سواء تذرّعت بالدين أو بغيره وبهذا الدين أو ذاك، وسواء كانت عربية كانت أو فارسية، أو انتمت إلى أي قوم آخر، هو أنها تدين جميعاً لمرجعية الرأسمالية النيوليبرالية العالمية، التي يمثّلها صندوق النقد الدولي. فإن قرارات رفع الدعم الحكومي عن أسعار الوقود وقطع الإعانة الشهرية عمّن يتعدّى مدخولهم ما يناهز مئتي دولار بالشهر، وهو إجراء سوف يطال قرابة ثلاثين مليونا من متواضعي الحال، تلك القرارات التي تتضمنها الموازنة الإيرانية الجديدة والتي كان لانتشار خبرها دورٌ هام في تفجير غضب الجماهير ضد نظام الملالي، إنما جاءت عملاً بإرشادات الصندوق التي تم إبلاغها للحكومة الإيرانية إثر استشارة انتهت في الشهر الماضي.
ونجد إرشادات الصندوق عينها، وهي مماثلة لجميع البلدان مهما اختلفت ظروفها، وراء الموازنة التونسية الجديدة بما أقرّته من زيادات في أسعار الوقود والهاتف والإنترنت وغيرها بدءًا من هذا العام. كما نجدها وراء مضاعفة الحكومة السودانية لسعر الخبز عملاً بسياسة الخصخصة التي هي في صميم الوصفات النيوليبرالية، وكذلك وراء الموازنة السودانية الجديدة التي قررت تخفيض القيمة الرسمية للعملة السودانية إزاء الدولار في الاستيراد، تخفيضاً حاداً سوف ينعكس ارتفاعاً حاداً في الأسعار. كما قررت رفع تعرفة الكهرباء للقطاعات الإنتاجية التي سوف تعكس الأمر بدورها لا محال على المستهلكين، أي عامة الشعب. والإرشادات عينها هي التي تقف وراء تدهور الأوضاع المعيشية في المغرب، وقد عبّر المتظاهرون عن إدراكهم لارتباط سوء أوضاعهم بسياسات الحكم الاقتصادية بهتافهم «الشعب يريد بديلاً اقتصادياً» (حسبما جاء في التقرير الذي نشرته «القدس العربي» في ثاني الشهر الجاري).
وقد سبق أن طبّق النظام المصري قبل عام وشهرين تعليمات صندوق النقد الدولي بحذافيرها، وبدرجة فائقة من الانصياع، بما كانت له ولا تزال آثار كاوية على الشعب المصري. غير أن حالة الإرهاب القمعي السائدة في البلاد حالت دون انفجار غضب الجماهير حتى الآن، لكنه فقط انفجار مؤجل وقد تعجّل في وقوعه عدوى الانفجارات التي أخذت تنتشر في المنطقة. أما الحكم السعودي الذي يعمل هو أيضاً بوحي من الإرشادات ذاتها، فبعد سلسلة قرارات من الصنف ذاته دخلت حيّز التنفيذ مع بداية هذه السنة، ومنها إلغاء الدعم عن أسعار الوقود والكهرباء وزيادة عدد من الضرائب على الاستهلاك، دبّ فيه الهلع أمام انتفاضة الجماهير الإيرانية. فمثلما فعل عام 2011 أمام الانتفاضة العربية الكبرى، قرر شراء سكون الجماهير بدولاراته النفطية، وذلك بإقرار زيادة معاشات الموظفين الحكوميين ومنح علاوة سنوية للمتقاعدين والذين يتلقون الإعانات الاجتماعية وزيادة المنح الطلابية.
وسواء استخدمت أنظمة المنطقة العصا أو الجزرة، لن تستطيع تغيير مسار التاريخ القاضي بتكنيسها حتماً في نهاية المطاف. إن الأنظمة لزائلة بالضرورة عاجلاً أم آجلاً، أما الشعوب فباقية ولن يتوقف نضالها حتى إحراز النصر.

٭ كاتب وأكاديمي من لبنان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*