في ذكرى المجزرة الارمنية إنبعاث أمّة

يعقوب بوغوص
نهار من الأرشيف
24042003

كتب عبود يعقوب بوغوص مقالاً في “النهار” بتاريخ 24 نيسان 2003 في ذكرى المجزرة الأرمنية، مستحضراً المعاناة المتكررة التي واجهها الشعب الارمني منذ اقدم العصور، التي لم تؤد الا الى انبعاثات جديدة لهذا الشعب. ان الامة الارمنية لا تموت! نستعيد في #نهار_من_الأرشيف ما قيل في ارمينيا المتجذرة في الارض والنفوس.

“لا تخف يا ولدي يعقوب ان تأخذ بيد اخيك جورج وتخرجا لتلعبا مع اولاد الحارة، فأنتما في دير الزور، والناس هنا سوريون، عرب اصيلون وليسوا اتراكاً. كنت وجدتكما في ماردين ولمدة ست سنوات نحذركما من الخروج من باب الدار ونتظاهر اننا سريان نسبة لجدتكما. اما هنا فالوضع مختلف ولا نخشى من القول اننا ارمن”. وفي اليوم التالي قال الاب اندراوس احمراني الارمني لابنيّ الاحد عشر سنة والتسع سنوات امام الام المنهمكة في نقش الخواتم الذهبية والى جانبها امها، “غداً تكبران، وحدسي يقول ان كلاً منكما سيكون له عائلة كبيرة تعوض عن والدكما واعمامكما الستة الذين ذبحوا. ان الامة الارمنية لا تموت”(1). ارمينيا المتجذرة في الارض والنفوس ان المعاناة المتكررة التي واجهها الشعب الارمني منذ اقدم العصور، لم تؤد الا الى انبعاثات جديدة لهذا الشعب. قال ارنولد توينبي “الحضارة تنشأ عندما تواجه امة تحدياً. فتستجيب لهذا التحدي بقوة اكبر منه” (2). نعم ان هذا التحدي كان منذ البداية. فقد شاءت الظروف ان تكون ارمينيا ارض حروب بين الفرس والروم، وهذه الحروب برغم ما جرت من قتل وفقر وتشريد للشعب الارمني، اغنته برهافة الحس ونضوج الفكر. وجاءت الولادة العظمى بعدها باعتناق هذا الشعب للمسيحية التي كانت متطابقة مع سموّ تفكيره، وصفاء روحانيته ونظرته الى الانسان. فاعتنقها بلا تردد ملكاً وشعباً على يد القديس غريغوريوس المنوّر عام 301، وغدت المسيحية الديانة الرسمية لارمينيا، وهكذا سبقت في الزمان كل دول الارض بما فيها روما، حيث اصبحت اول دولة مسيحية في التاريخ. حدث آخر اجترحه الفكر الارمني هو ابتكار الابجدية الارمنية عام 406 على يد القديس مسروب ماشدوتس، كي يكون للارمنية رونقها وخصوصيتها يتجليان لغة مكتوبة في طقوسها الدينية بالدرجة الاولى. هذا الحدث الجلل، سوف يجعل الذوبان في احدى الامبراطوريتين الفارسية والرومانية مستحيلاً، رافضاً التقوقع وداعياً الى النهل من ثقافات ذلك العصر عبر الترجمات الى اللغة الارمنية في رونقها الجديد، بحيث جاء التفاعل الحضاري والثقافي والانساني مع شعوب المنطقة من فرس وروم وسريان ليجعل من الارمنية لغة انفتاح ومن ابجديتها حصناً حامياً للكيان الارمني اذ زادت من تماسك اللغة التي بفضل فرادتها الجديدة حفظت كتباً ومؤلفات عديدة ارمنية وغير ارمنية كان سيُحكم عليها بالاندثار لو لم تترجم الى الارمنية بأبجديتها الجديدة. ولا ننسى استشهاد القديس البطل وارطان ماميكونيان عام 451، حين تصدى على رأس جيشه للزحف الفارسي الذي كان يهدف الى اعادة فرض دين الوثنية على الشعب الارمني المسيحي، فأصبح قدوة للعالم في الدفاع عن وطنه وعن مسيحيته ومسيحية من وراءه من شعوب. لقد كان استشهاده انبعاثاً من نوع آخر. هذه المحطات الثلاث اعطت الارمني شخصية مميزة وطبعت على قلبه صورة لارمينيا المؤمنة يحميها شعبها بالشهادة والاستشهاد. ارمينيا والفتح العربي ثم جاء الفتح العربي في اواسط القرن السابع لينازع الروم على استمالة الارمن حرباً او سلماً. وهؤلاء توزعوا بين هذا الفريق او ذاك في حروب لم تخلُ من القساوة احياناً. وهكذا كان استقلال ارمينيا شبه مصان بعيد الفتح العربي في منتصف القرن السابع حتى عام 1071، حين سقطت العاصمة آني تحت حكم السلاجقة الاتراك، وحتى عام 1375 حين سقطت ارمينيا الصغرى (كيليكيا) بيد المماليك. قضى بعدها الوطن قروناً طويلة سليب الاستقلال وعديم الحرية. تحت الاحتلال بعد حكم السلاجقة انتقلت البلاد لحكم المغول، ثم للدولة التركمانية، تمكنت بعدها الدولة الصفوية الفارسية من الاستيلاء عليها عام 1468، ثم استطاع العثمانيون استرجاع ارمينيا الغربية. واستمر الصدام بين الدولتين الصفوية والعثمانية الذي كان حدود تصادمهما هو نفسه حدود تقاسمهما ارض ارمينيا. وواقع الحال ان الدولة العثمانية ذات الاصول القبلية البدائية المتخلفة اصبحت صاحبة اليد الطولى بعدما استولت على دولة الروم البيزنطية واصبحت وريثة الخلافة الاسلامية. فكانت ارمينيا الغربية ومن مدنها ديار بكر وماردين وارضروم وسيواس وطرابزون تحت الاحتلال العثماني، وارمينيا الشرقية ومن مدنها يريفان واتشمياتزين تحت احتلال الدولة الصفوية التي آل معظمها تحت الحكم الروسي عام 1828. وهكذا اصبح الشعب الارمني محاصراً بشعوب مختلفة عن ثقافته وطباعه وحضارته، ناهيك عن التغيير الديموغرافي الحاصل لما خالطه من اكراد وشراكسة. ولئن كان لدى الارمني ميل عاطفي الى الشعب العربي في الجنوب بحكم التشابه الخلقي في الاصالة والقيم، فقد كان الشعب العربي يعاني من الاستبداد العثماني بدوره. الغيوم السود ولكن حال الوطن الجريح ما كانت لتثني الشعب الارمني عن ولائه – كعادته – للدولة التي ينتسب اليها، فثابر كل فرد من موقعه على الجد والابداع. وهذا كان نهوض ايضاً للامة الارمنية. لقد ساهم المزارع والعامل والحرفي والصناعي والمعماري في الانماء من جهة، ورجل الدين والاديب والفنان والطبيب والفيلسوف والمؤرخ في عالم الفكر من جهة اخرى، مع الاخلاص الكامل للدولة حتى أطلق على الارمن اسم “الملة الصادقة” (3). ومن الطبيعي ان ينعكس ذلك بحبوحة في احوالهم المادية، جعلت رفاهة العيش بادية عليهم في شتى وجوه الحياة مشكلين الطبقة الوسطى. فكان هناك تفاوت على ارض المجتمع معيشي وثقافي في آن بين الارمن والعثمانيين، لهذا كان العثماني يشحن نفسه حسداً وحقداً وعداوة ضده. ومما زاد الهوة اتساعاً، ان نشاط العثماني كان مقتصراً على اعمال الحكم والحرب ووظائف الدولة فقط، دون غيره من المواطنين. انه التوازن المرعب بل إنه اللاتوازن بعينه. انصرم القرن الثامن عشر وهبت رياح التغيير في اوروبا بدءاً من الثورة الفرنسية، مروراً باستقلال اليونان عام 1829، والتململ في شتى انحاء الامبراطورية. ان ازعج هذا الوضع العثمانيين، فقد ارعب الارمن وادخلهم في هلع على مصيرهم، وخصوصا ان انباء المذابح في لبنان عام 1860 قضت مضاجعهم، وايقنوا ان لا حسّا اخلافيا ولا شعور انساني يمكن ان يردع العثماني ان خلت له الساحة. جاء مؤتمر برلين في حزيران وتموز من عام 1878 مخيبا للآمال بعدما استسلمت الدول الاوروبية لمصالحها متناسية “المسألة الشرقية”، فطويت صفحة الاصلاحات بحق الارمن حارمة اياهم من اي شكل من اشكال الادارة الذاتية لتسيير شؤونهم الخاصة، حسبما جاء في معاهدة صلح سان استيفانو (4) في شهر اذار من العام نفسه، وكان حينها قد اوقف العمل بالدستور، فجاءت مذابح 1894-1896 لتخلف 300000 ضحية ارمنية، ولكن الوحش لم يرتو من الدماء بعد، لا بل غضب لان انظار العالم لم تسمح له ان يصل الى نهاية مآربه، فتربص لفرصة اخرى. مشروع الابادة بعد مجيء جمعية الاتحاد والترقي الى الحكم في الدولة العثمانية عام 1908 كانت فكرة ابادة الشعب الارمني قد رسخت في الاذهان. ولما وقعت الحرب العالمية الاولى وجدها هؤلاء المجرمون الفرصة الانسب لتنفيذ ما خططوا له، فدخول الدول العظمى الحرب، جعل منها اخصام بعيدة عن موقع الابادة، او مشجعة لها. لقد افرغت الساحة، ولم يبق الا اصدار التعليمات لرجال اوغاد وتزويدهم الخطط الواجب تنفيذها ليصبح “النجاح” كاملا. لقد ظنوا انهم يحققون التفوق على الانسان الارمني ان ابادوه بعدما عانوا قرونا من دونية مرهقة تجاهه. لم تثنهم رحمة، بل استسلموا لقساوة القلب التي نشأوا عليها. كانوا يبشرون بأخوة انسانية كاذبة وصاروا يتظاهرون انهم حضاريون، فطال بهم الانتظار ولم يعد في امكانهم المزيد. الكراهية والحقد والحسد مزقهم من الداخل فغدوا مخلوقات شرسة تلهث نحو الاذية. لقد انطلقت الوحوش… ونفذ كل شيء بدقة. اخذوا الشباب الى اعمال السخرة وقتلوهم هناك. جردوا المسلحين العسكر من الارمن من سلاحهم وبعدما طلبوا منهم حفر “خنادق لمواجهة الاعداء” جرى اغتيالهم جماعيا كي يدفنوا في الخنادق المزعومة التي لم تكن الا قبورا حفروها بايديهم. ثم جاء دور مسيرة الموت، ليفوق عدد الضحايا المليون ونصف مليون شهيد، فسيقت النساء والفتيات والاطفال والشيوخ الى الصحارى في قوافل الهلاك، فكتب كل واحد من هؤلاء ملحمة في سفر العذاب الجسدي والنفسي حسبما رواها شهود عيان. “بعض النساء كان قد اجهدهن التعب والعجز تماما، فاضطررن الى ترك اطفالهن الصغار بجانب الطريق. وضعت امرأة وليدها ولما كان مرافقها القاسي يحثها على السير، توفيت بنزيف حاد” (5). اضاع رجل عجوز حفيدته الصبية فنظر نظرة غضب الى الجلاد، ارتعب الجبان فأفرغ رصاصة في رأسه وتركه على جانب المسيرة. ارتجفت ام لصوت عويل وكانت تساعد ولدها النحيل على السير، فأصبح ابن السنوات العشر هو الذي يساعدها على السير. فلما أبطأت صرخ الدركي بأعلى صوته ملوحا ببندقيته، فسقطت على الارض خوفا، لم يسمحوا له التمسك بأمه فاستدارت عينا الصبي رعباً، واصطكت ركبتاه، فنظر الى الافق لعله يجد املاً . واستمرت المسيرة كي يلقى الباقون الموت او ما هو أسوأ منه. “لقد كتب احد أئمة المسلمين: بالله ماذا فعلت النسوة والصغار؟ هل حاربوا الأتراك أم هل قتلوا احداً منهم وإلا فما جريمتهم؟ جريمتهم انهم ارمن لا غير” (6). انجلى الليل الطويل. فوجدت البقية الباقية من المهجرين على ارض سوريا ولبنان والبلاد العربية الامان والمواطنية. وكان هذا مسبوقاً بوقفة نبل جسدها شريف مكة في وثيقته الشهيرة موصياً بالارمن خيراً مستشهداً بقول الرسول “من اخذ عليهم عقال بعير كنت خصمه يوم القيامة”. “وفي المقابل فقد اعطى الارمن اوطانهم الجديدة إرثاً حضارياً عريقاً وتركة من القيم والتقاليد والعادات، وكنزاً من التفاني والمهارة والاتقان، قلّ ان يحمله شعب منكوب بهذا الحجم” (7). نداء الى شعوب الارض والآن، وبعد مرور 88 عاماً على المجزرة الرهيبة، نناشد الشعوب العربية في الوقت الذي يتعرض فيه شعب فلسطين للتنكيل والقتل، ان يعلنوا من على منبر الجامعة العربية ان المجزرة الارمنية جريمة بحق الانسانية ليكون هذا الاعلان بمثابة تحذير لاسرائيل كي لا تتمادى بحق الفلسطينيين. كفى ما عانى الشعبان العربي والارمني من التحالف الصهيوني التركي. كما ندعو حكومات الارض قاطبة، لتندد بهذه المجزرة كي لا يسمح بعد اليوم بابادة شعوب تمثل جزر بشرية بسبب اختلافها عما حولها عرقاً او ديناً او ثقافة او نهجاً فكرياً، فيمارس بحقها القمع، فالظلم، فالهجرة، فالاكتساح. ونقول بالفم الملآن ان ليس كافياً للامم المتحدة والمنابر الدولية والمراجع الانسانية ان تعلن ان ما جرى هو مجزرة انسانية فقط، بل عليها ان تطالب تركيا بالاعتراف بذلك. إننا نرسل نداءنا الى العالم اجمع بمن فيه من مفكرين وادباء وشعراء وروائيين ومسرحيين وسينمائيين ونحاتين ورسامين كي يروا في المجزرة الارمنية الهاماً لاعمالهم، ويسجدوا اقصى ما في وجدانهم من نزعات طيبة لأن الابداع والفن والجمال وجه لحقيقة وجهها الآخر هو الحق وكشف الظلم وتنوير الشعوب والخير بكل ابعاده. والى تركيا… واخيراً نناشد تركيا بالذات، ان ارادت ان تسطر مجداً اخلاقياً في تاريخها المعاصر وان رغبت في ان تظهر نفسها منتمية الى الشعوب المتحضرة، ان تعترف رسمياً بأن ما جرى كان مجزرة مدبّرة، وانها آسفة اليوم لما حصل وهي تدين حكامها السابقين لهذا التصرف الهمجي. ان هذا الاعتراف سوف يجعل الامم الراقية تنظر اليها على انها دولة شفافة، وحقوق الانسان فيها مصانة بعد اليوم، والاقليات عندها محترمة، والجميع سواسية في الوطن الواحد. ولسوف ينعكس هذا لمصلحة تركيا في العالم اجمع، واول الغيث سيكون قبول انتسابها الى الاتحاد الاوروبي. عندئذ كل النوادي العالمية المتحضرة ستفتح لها أبوابها. أما نحن الأرمن… … ف”لن ننسى من فقدنا من اجداد وامهات وفتيان على الارض الارمنية، وعلى ضفاف نهر الفرات وفي صحراء دير الزور وغيرهما، ولا كيف حملنا نحن البقية الباقية الى لبنان وسوريا والعالم اجمع بؤسنا وشقاءنا. لكننا لن نبكي على الاطلال، فهكذا علمتنا الكنيسة والوطنية والتاريخ، وكذلك شموخنا الارمني وعنفواننا القومي، فأطلالنا قبور قيامة وانبعاث حياة جديدة وصرخة حق تجلت ازدهاراً على كل الاصعدة” (8). هوامش  ممثل الطائفة الارمنية الكاثوليكية لدى اتحاد الرابطات المسيحية. 1 – من تاريخ عائلة كاتب المقال “دير الزور 1921”. 2 – ارنولد توينبي “مختصر دراسة للتاريخ”. 3 – 4 – نبيل عربش “ارمينيا ارض وشعب” 5 – ارنولد توينبي “المجازر الارمنية او اغتيال امة” 6- الأب اسحق ارملة السرياني “القصارى في نكبات النصارى”. 7- الدكتور صالح زهر الدين “الصداقة – العربية – الأرمنية والمصير المشترك”. 8- المونسنيور جورج يغيايان “في الكنيسة والوطن”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*