في ذكرى اغتيال حسن البنا: ثقافة القتل وثقافة الاعتراض

محمود الزيباوي|الجمعة16/02/2018

Almodon.com
  • في 12 شباط/ فبراير 1949، اغتيل مؤسس حركة الاخوان المسلمين حسن البنا بإطلاق الرصاص عليه عند خروجه من مقر الجمعية. جاء هذا الاغتيال بعد إعلان رئيس وزراء الحكومة المصرية محمود فهمي النقراشي باشا قراره بحل الجمعية ومصادرة أموالها واعتقال معظم أعضائها في نهاية 1948، وذلك بعد أن شهدت مصر عدة عمليات اغتيال اتُّهم الإخوان بالضلوع فيها.


حسن البنا في حفل الإخوان 1945


لمع نجم الجماعة في الأربعينات، وأثار صعودها الكبير قلق السياسيين والمثقفين، محليا ودوليا. في 28 أيلول/ سبتمبر 1945، تحت عنوان “في ضيافة الاخوان المسلمين”، كتبت مجلة “المصور”: “تردد اسم جماعة الاخوان المسلمين أخيراً في البرقيات الخارجية، إذ وصفتها إحدى شركات الأنباء بأنها هيئة فاشستية مسلحة، فأثار هذا الوصف شعورها، ودعت رجال الصحافة المصريين والأجانب، ومنهم مندوبو شركات الأنباء وبعض رجال السلك السياسي الانكليز والأمريكان إلى حفلة بسطت فيها مبادئها. ولعل هذه أول مرة في تاريخ الجماعة تدعى الى حفلاتها السيدات أو تدخل دارها، اذ كان بين الصحفيين المدعوين صحفية انكليزية فقوبلت بالترحيب”.

  • في ضيافة الاخوان، 1945

استعرضت المجلة تاريخ الجماعة وأحوالها، وقالت إنها أنشأت مئات من الفروع في مصر،”كما أن لها في سوريا ولبنان وفلسطين وشرق الأردن والعراق والكويت والهند مدغشقر وزنجبار”، وقد اشترت دارها في القاهرة وداراً مقابلة لها، وذلك بعد ان افتتحت اكتتابا لتأمين المبلغ اللازم، فسدّد أعضاؤها في أقل من شهر، “وقد اكتتب بعضهم بقرش واحد، وقدم بعض الزوجات حليهن لأزواجهن ليبيعوها ويكتتبوا بثمنها”. أسّس البنا هذه الجمعية سنة 1928 في مسقط راسه الإسماعلية، حيث كان يعمل مدرساً، وهو صاحب هذه الدعوة ومرشدها الأوّل، وقد تخرج في دار العلوم، وعمل في مدارس الجمعية الخيرية الإسلامية، ثم في الأميرية، حيث يعلّم اللغة العربية ومبادئ الدين، ولا يجيد لغات أجنبية. في تعريفها بمرشد الجماعة، قالت المجلة أنه من مواليد 1906، “يرسل لحيته عملا بالسنة المحمدية، وهو خطيب من الخطباء يمتاز بالتدفق وبالاستشهاد بالقرآن. قوي الحجة، واسع الاطلاع على نظريات الغرب وآراء الغربيين في مسائل الدين والمجتمع. يلقي في يوم الثلاثاء من كل أسبوع حديثا في التفقّه في الدين في دار الاخوان بميدان الحلمية، ويطيعه اتباعه وانصاره طاعة عمياء عن عقيدة وإيمان”. وفي تعريفها بمبادئ الجماعة، أشارت المجلة أنها تعمل على نشر المبادئ الإسلامية “باعتبارها دينا ودولة وعبادة وسيادة، وهي تعتقد ان التعاليم الإسلامية هي التي تحقّق أهداف مصر”.

بدأت هذه الدعوة “في صورة مدارس ليلية تهدي الناس إلى الدين وتمحو الأمية، ثم ترعرعت وانتشرت في كافة أنحاء القطر في صورة شُعَب”، وناهز عدد جوّالتها المدربون الثلاثين ألفا. ولهذه الجماعة مستوصفات وعيادات خارجية ومدارس وأندية رياضية، “ونظامها المالي قائم على اشتراكات الأعضاء وتبرعاتهم، وكل شعبة مستقلة بإدارتها المالية، وبعضها يأخذ إعانات مالية لمنشآتها التعليمية والصحية والرياضية”. “ولا يهتف الاخوان لشخص من لأشخاص، فخطابها في حالة الاستحسان هو: الله أكبر ولله الحمد”. كان للجماعة في هذه الفترة مجلة ومطبعة خاصة بها، وافتتحت اكتتابا لشركة مساهمة من أعضائها لإصدار جريدة يومية، وحدّد راس المال بمئتي ألف جنيه، والسهم بأربعة جنيهات. حملت هذه الجريدة اسم جماعتها، وكان شعارها “لسان حال دعوة الحق والقوة والحرية، وصدر عددها الأول في 5 أيار/مايو 1946، كما تشهد إعلاناتها الدعائية المنشورة في المجلات.

أثارت الجماعة بآرائها المتزمتة المجتمع المصري “الليبرالي” التوجه في الأربعينات، وأثارت أهل الفن والأدب. في 22 نيسان/ ابريل 1947، نقلت مجلة “الفن” خبرا يقول بأن بعض “الاخوان المسلمين” اعترضوا على ظهور بعض الممثلات على المسرح خلال عرض لفرقة المسرح الشعبي، “وأخذوا يهتفون بسقوط الفرقة ويستغفرون الله على هذا الجرم الشنيع، فكيف تظهر النسوة على المسرح وهو أمر لا يقرّه الدين ولا تقرّه مبادئ الإخوان!”. أرادت المجلة أن تستطلع في هذا الشأن رأي مرشدها الأول حسن البنا، فقال لها وكيل الجماعة إن “فضيلة الشيخ مريض”، ورأى “أنه من أهم مبادئ جماعة الإخوان محاربة الرذيلة، وظهور المرأة على المسرح أو السينما يُعتبر من أكبر الرذائل، لأنه يكشف عن عورة المرأة التي يحاربها الدين الإسلامي، بل إن الدين الإسلامي ينهى عن ظهور الرجل بملابس قصيرة تكشف عن ركبتيه، لأنه يُعتبر عورة وخروجاً عن الدين”. وأوضح أن الجماعة رفضت ظهور العنصر النسائي على المسرح وفي السينما لهذه الأسباب، وعمدت إلى إسناد أدوار النساء إلى الرجال في الحفلات التمثيلية التي تقيمها. انتقدت المجلة هذا الموقف، ورأت ان “ظهور الرجل في دور المرأة يُعتبر تخنثاً، وهذا لا يتفق مع تعاليم الدين”، وقال وكيل الجماعة بعد تفكير عميق: “هذا صحيح، ولكن”، مفضّلاً عدم اتمام الحديث. اتصلت “الفن” بالشيخ محمود أبو العيون ليوضح رأيه في هذا الموضوع، وهو من المشايخ الذين عرفوا بآرائهم المحافظة، فقال: “انني لا احارب ظهور المرأة على المسرح او على شاشة السينما، ولكنني أحارب الخلاعة والمجون، ولا أقر ظهور الممثلة بملابس تكشف عن جسمها وعن مفاتنها، فهذا لا يليق مطلقاً”.

في العام التالي، تطرّقت مجلة “الاستديو” إلى هذا الموضوع في 27 تشرين الأول/ أكتوبر، وطرحت السؤال التالي: “من برنامج الاخوان المسلمين إذا آلت إليهم مقاليد الحكم ان يصدروا قانونا يحرّم التمثيل وان يهدموا المسارح والاستديوهات وصالات الرقص والغناء. وعلى فرض ان الاخوان المسلمين تولّوا الحكم، وعمدوا الى تنفيذ برنامجهم، فما هو العمل الذي يختاره كل فنان لنفسه؟”. قالت فاتن حمامة: “سأعلن الحرب على الاخوان، وأتفرغ لهذه الحرب حتى أنتصر عليهم وألغي هذا القانون”. وقال فريد الأطرش: “سأغادر البلد طبعا، لأن الفنان الصحيح لا يمكن أن يعيش في عهد ديكتاتوري. وقال محمود المليجي: “سأفعل كما فعل الناس عندما حرم عليهم الحاكم بأمر الله أكل الملوخية ولبس الأحذية”. وقال سراج منير: “هل تستطيع ان تحرم على الناس ان يأكلوا أو أن يشربوا أو أن يناموا؟ إذا استطاع إنسان في الوجود أن يفعل ذلك فإنه يستطيع أن يحرم الناس من الفن، وإذا حدث، ولا قدر الله، فإنني أفضل الموت على حياة لا فن فيها”. رفضت زينب صدقي الإجابة لأنها تتشاءم من الأسئلة “البايخة”، واكتفت بالقول: “فال الله ولا فالك يا شيخ. انت عاوز تتقدم بالبلد الى الوراء ألف سنة؟ أعوذ بالله”. وردّت لولا صدقي بسخرية: “الشيخ حسن البنا دمه خفيف ومش ممكن يعمل حاجة زي القانون ده”.

نُشر هذا التحقيق في زمن شهدت فيها مصر عدة عمليات اغتيال اتُّهم الإخوان بالضلوع فيها، أشهرها عملية اغتيال القاضي أحمد الخازندار في 22 آذار/مارس عند خروجه من منزله حاملا ملفات قضية “تفجيرات سينما مترو” التي اتّهم فيها عدد من المنتمين إلى الجماعة. أُلقي القبض على منفّذي هذه العملية، وتبيّن أنهما عضوّين من الإخوان، واستُدعي حسن البنا للتحقيق، فأنكر معرفته بهما، لكن النيّابة تمكنت من اثبات ان المتهم الأول كان “السكرتير الخاص” للمرشد العام، فعاد البنا، واعترف بمعرفته به، إلا انه نفى علمه بمشروع عملية الاغتيال. في نهاية العام، أعلن رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي باشا قراره بحل الجمعية ومصادرة أموالها واعتقال معظم أعضائها. بقي حسن البنا طليقاً بعد أن صادرت الحكومة سيارته وسحبت منه سلاحه المرخص وقبضت على شقيقيه الذين كانا يرافقانه في تحركاته.

مساء السبت 12 شباط/ فبراير، اغتيل البنا عند خروجه من مقر الجمعية، ونقلت الصحافة هذا الخبر بشكل موجز، وتفادت بعض المجلات الحديث عنه.

كتبت “الصباح” في 17 شباط/فبراير: “كان المرحوم الشيخ حسن البنا قد أرسل إلى وزارة الداخلية منذ أيام خطاباً يقول فيه ان مرتكبي الحوادث الأخيرة ليسوا من الاخوان المسلمين، ولا يعتبرهم مسلمين، وانه على استعداد للإدلاء بما يعرفه عن المحطة السرية، وأماكن الأسلحة، والمعلومات عمن تحوم حولهم الشبهات، وقد وصلت إلى المرحوم البنا عقب ذلك عدة خطابات تهديد بالقتل من مجهولين كان آخرها من يومين، وقد حققتها النيابة جميعها. وفي مساء السبت الماضي، بينما كان الشيخ حسن البنا في زيارة جمعية الشبان المسلمين، خرج من الزيارة، ووقف على باب الجمعية، واستدعى سيارة أجرة، وما كاد يركبها ومعه صهره حتى فاجأه مجهول برصاصات من مسدس عاش بعدها فترة قصيرة من الوقت، ثم لفظ أنفاسه الأخيرة في المستشفى. أما صهره فحالته في تحسن. وقال سائق السيارة انه لا يعرف الجاني والمجني عليه. وقد شُيّعت جنازة المرحوم الشيخ البنا في صباح اليوم التالي للحادث، وأخذت النيابة في التحقيق”.

بعد أسابيع قليلة حُفِظ التحقيق، وقُيدت القضية ضد مجهول. دخل اسم حسن البنا في الظل، وعاد ليظهر بعد سقوط الملكية وقيام الجمهورية في 1953. في 16 شباط/فبراير 1954، نشرت مجلة “التحرير” على صدر غلافها صورة لجمال عبد الناصر أمام قبر البنا، وكتبت في رصدها لهذا الحدث “أن رجال الثورة زاروا قبر الإمام الشهيد حسن البنا وقرأوا له الفاتحة، ثم جلسوا يذكرون فضله وجهوده وحُسن بلائه، حتى قدم نائب رئيس الجمهورية جمال عبد الناصر كلمة تأبينية” قال فيها: “أذكر في هذا الوقت، وفي مثل هذا المكان، كيف كان حسن البنا يلتقي مع الجميع ليعمل الجميع في سبيل المبادئ العالية والأهداف السامية، لا في سبيل الأشخاص ولا الأفراد ولا الدنيا”.

انقلبت الصورة بشكل جذري بعد بضعة أشهر. في 26 تشرين الأول/ أكتوبر، أًطلق الرصاص على عبد الناصر بينما كان يلقي خطابا في ميدان المنشية في الإسكندرية، واتهم جماعة الإخوان بارتكاب هذه الحادثة، وجرت محاكمة وإعدام عدد منهم. كتب بيرم التونسي يومها قصيدة قال فيها:

عجبي على مسلمين اتسموا بالإخوان/ واسّسوا دار عليها يافطة بالعنوان
طلاب مناصب باسم الدين والإيمان/ ويوزعوا المنشورات من مصحف القرآن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*