في دوائر باريس العشرين قل لي أين تسكن أقل لكَ مَن أنت

كاتيا الطويل
النهار
31102017

مفخرة اللبنانيّين في باريس ومرقد عنزتهم الفرنسيّ هو الشانزيليزيه.

عدا أن طربوش والد معظم اللبنانيّين “معلّق على الـ “تور إيفل”، وعدا أنّ معظم ملابسهم يشترونها من “لافاييت”، يبدو أنّ هذين الكيلومترين تقريبًا من التاريخ والعظمة والخلود في الدائرة الثامنة هما ملعب طفولة معظم اللبنانيّين في يومنا هذا. نعم، فالجميع تربّى بين أشجار جادة الشانزيليزيه وفي حدائقها. وما أدراك أنتَ أيّها الجاهل البريء!

لكنّ باريس ليست كلّها شانزيليزيه اللبنانيّين أو جادة الأضواء والسيّارات والشموخ والتبذير. باريس عشرون دائرة  من الانصهار البشريّ وصراع الطبقات الأزليّ الذي حدّثنا عنه الرفيق ماركس. عشرون دائرة تبدأ من الوسط بالرقم واحد وتكمل دورتها في اتّجاه عقارب الساعة بشكل حلزونيّ أبديّ.

وكما هي المناطق اللبنانيّة خير دليل على هويّة الشخص الاجتماعيّة والدينيّة والاقتصاديّة والفكريّة، فكذلك هي دوائر باريس. فلكلّ دائرة سكّانها وانتماءاتهم ومشكلاتهم النفسيّة. عشرون دائرة من الأحكام المسبقة والتصنيفات التعسّفيّة، عشرون طبقة اجتماعيّة واقتصاديّة وعرقيّة متناحرة. فلأيٍّ منها الغلبة؟

أوّلاً، إن كنتَ لبنانيًّا مقيمًا في باريس فأنت على الأرجح مقيم في الدائرة الخامسة عشرة أو الدائرة السادسة عشرة. لا مفرّ. دائرتان لا يحصل فيهما شيء. لا خلال النهار ولا خلال الليل. دائرتان مهذّبتان هادئتان تتخايل فيهما النساء على الطرق مع كلابهنّ النظيفة المتأدّبة. دائرتان تغفوان بهدوء وملل بعيدًا عن ضوضاء المترو وأهله من الطبقة العاملة.

وإن كنتَ عاجزًا اقتصاديًّا عن الإقامة في “رابية” باريس، تنتقل من الدائرتين 15 و16 إلى الدائرتين 11 و12 أو ما يمكنك أن تعتبره فرن الشبّاك باريس أو عين رمّانتها. دائرتان قائمتان في الطرف الآخر من المدينة، مخصّصتان لطبقة العمّال أو ما عُرف تاريخيًّا بطبقة البروليتاريا. دائرتان تعجّان بالناس والمحالّ والمطاعم. مطاعم هنديّة وتايلانديّة وصينيّة ومطاعم أخرى لا تعرف لأيّ جهة تنتمي. شوارع مزدحمة، باصات مستعجلة، وجوه من مختلف أقطار العالم تركض. نساء ورجال يلتهمون سندويشاتهم وهم ينتظرون الباص المتأخّر، فتمتزج روائح أجسادهم بروائح سندويشاتهم وروائح البيوت. هنا يا مسكين، لا كرواسان يتخايل بين الأصابع التعبة.

أمّا الدائرتان الخامسة والسادسة فهما دائرتا الطلاّب والمفكّرين والمثقّفين. دائرتا الحيّ اللاتينيّ والسوربون وسان جيرمان وسان ميشال. هما بورجوازيّة الأشرفيّة وثورة الحمراء. دائرتان هما أجمل دوائر باريس وأكثرها أناقة ورفعة وغرورًا.

عندما تقيم في الدائرة الخامسة أو السادسة، ويسألك أحدهم عن مكان إقامتك، يحقّ لك شرعًا أن ترمي بإجابتك المتغطرسة مرفقةً بابتسامة شماتة. ابتسامة تواضع زائف. إنّه حقّ يُمنح مع عقد الإيجار، حقّ العنجهيّة!

وحدهم الأريستوقراطيّون الفرنسيّون الأصليّون القدماء يقيمون في الدائرتين الأولى والثانية، دائرتي اللوفر والريفولي وبالي دو جوستيس . دائرتان إداريّتان شامختان تذكّران بأيّام الملكيّة الفرنسيّة وتقيم فيهما قلّة قليلة من النخبة الـ “إيليت”. أمّا ماذا يفعلون؟ فلا أحد يدري. يشربون نبيذهم الفاخر على الأرجح، وهم يعدّون أموالهم المخبّأة في جوارير الكونسول الخشبيّة أو يفكّرون أين سيعلّقون اللوحة التي اشتروها أخيرًا والتي قد يعيش بثمنها نصف اللاجئين السوريّين في البقاع لمدّة شهر.

قرب الدائرة الثانية، الدائرتان الثالثة والرابعة، “لو ماري”، منطقة مفعمة بالحياة والأسواق والمقاهي والبارات. منطقة الـ “بي اش في” المنمّق. هذه المنطقة معروفة بالمقيمين فيها. مقيمون هم إمّا من اليهود وإمّا من المثليّين. أعداء الدولة اللبنانيّة بامتياز. صيت ذائع ملتصق بهذه المنطقة تتحقّق من صدقيّته بمجرّد المرور في هذه الأحياء الجميلة.

أمّا الدوائر من السابعة حتّى العاشرة فهي دوائر محتارة. لا هي قريبة ولا هي بعيدة. لا هي أنيقة ولا هي كارثيّة. هي دوائر معتدلة في كلّ شيء، قائمة في منزلة بين منزلتين. طبقة مائلة إلى البورجوازيّة قد تكون بعبدا والحازميّة أو الفنار ونيو روضة. دوائر “لافاييت” والشانزيليزيه والأوبرا الخرافيّة.

أمّا أخيرًا وليس آخرًا، فتبقى الدوائر الخارجيّة، 17 و18 و19 و20. دوائر الطبقات المهمّشة. صحيح أنّ المولان روج وشارع مون مارتر وبيغال هنا. صحيح أنّ أجمل بارات السهر والضحك هنا، إنّما توجد هنا بوّابة الشمال (محطة الشمال)، البوّابة المخيفة التي تقع ضمن شوارع، فيها ما فتح ورزق من الخليقة. وعندما يلتصق بك “مشوار” إلى إحدى هذه الدوائر، لا بدّ من أن تتمسّك بحقيبتك وهاتفك وأموالك تمسّكك بحياتك. لا تحضر معك الكثير من المال. لا ترتدِ ما يلفت الانتباه. لا ترتد الكثير. لا ترتد القليل. لا تبتسم. لا تنظر في عيني أحد. لا تطل التحديق في شيء. لملم أعضاءك وسيطر عليها. إن وقع منك شيء لا تلتفت. لا تلتقطه. اعتبره مفقودًا. “بح!”. هنا يا صديقي قد تُسرق منك بطاقتك المصرّفيّة، وإن كانت مخبّأة داخل جواربك الصوفيّة تحت ثلاثة سراويل وجينز.

دائرتان بعيدتان تتذكّرهما على حين غفلة. الدائرتان 13 و14 اللتان لا أحد يذكرهما لسوى مكتبتهما الرائعة وبرجهما الباهر والـ “شاينا تاون” الظريفة التي فيهما. فمكتبة الـ “بي إن إف”هي مكتبة باريس الوطنيّة وإحدى أهمّ المكتبات العالميّة قائمة هنا. تدخلها كأنّك تدخل معبدًا لما فيها من هيبة وعظمة. أمّا برج المون برناس فهو أبو الأبراج كلّها، بحركته وزحمته وسيطرته على كلّ ما يحيط به. دائرتان لا تعلم مَن يسكنهما ولا تفكّر فيهما كثيرًا. باريس نفسها تغفو أحيانًا من دون أن تتفقّدهما.

دوائر باريسيّة عشرون ترميك في دوّامة فرح وبهجة وفضول. دوائر مغرورة لكلٍّ منها سمعتها ومزاجها، لكلٍّ منها ثورات حنقها وغضبها. تخشاها. تتجنّبها. تُجذَب إليها. ترتمي تحت أقدامها. لكنّها، كالعادة، تتركك غريبًا واقفًا على الرصيف بحقائبك الباهتة وابتسامتك المضطهدة، أين تراها ترسو سفينتك يا مسكين؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*